سلسلة خواطر ووقفات مع القرآن | خاطرة -1- مع القرآن
تيسير العُمري
QR code
16/07/2017       685 مشاهدة

 

الحمد لله الذي خصَّ أمتنا بكتابه، وأمرنا بإتباع أحكامه وأدابه، والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن، النبي العدنان، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فلقد منَّ اللهُ على هذه الأمة بخير كتبهِ، ألا وهو القرآن المجيد، ليكون للمؤمنين منهاجًا و دستورا، وإمامهم في طريق الحق ونورا، وحجة على من خالفه تكبرًا وغرورا، ولقد أثنى سبحانه وتعالى في غير ما موضع على كتابه المعجز، فقال عزَّ من قائل ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، ويقول جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ويقول سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وعندما سأل المشركون أن تنزل عليهم آية، كما أخبرنا جل وعلا ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أجابهم سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فكفى بالقرآن معجزة وآية، ونورا وهداية، لمن كان له قلب!

كما وأمرنا جلَّ وعلا في تدبر ايات القرآن المجيد، فقال جل وعلا ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

نَزَلَ القرآن هدى وبشرا وسعادة للعباد في الدارين، فتلقى جيل أمتنا الاول؛ جيلُ الصحابة رضي الله عنهم، هذا القرآن وجعلوه إمامًا لهم ومنهاجا، ليقودهم إلى كل خير وإلى كل فضيلة، ويجنبهم كل سوءٍ وكل رذيلة، فسعِدوا وسادوا الدنيا بالقرآن المجيد، وذل أمامهم كل جبارٍ عنيد.

وقد رأيتُنا اليوم -وانا اتدبر في واقعنا- قد إبتعدنا -إلا من رحم ربي- عن العمل بالقرآن وأصبحنا نقرأ القرآن دون تدبر حتى، ناهيك عن العمل بمقتضاه، فتذكرتُ حينها القول الذي يروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها، ورُزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يُرزقون حفظ القرآن ولا يُرزقون العمل به".

وهذا هو واقعنا بكل أسف، فقد تجد الآن من يحفظ القرآن بصورة مبهرة بأرقام الأيات، بل بأرقام الصفحات، ولكن بالعموم قد إبتعدنا تمام البعد عن العمل بالقرآن، على خلاف ما كان الصحابة رضي الله عنهم، فقد روي عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن"، وكان أنس رضي الله عنه يقول "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا"، قال ابن عثيمين رحمه الله تعليقًا: "أي صار جليلا معظما، لأنهم لا يحفظونه إلا إذا عرفوا معناه"

أقول: لقد إبتعدنا -الا من رحم الله- عن العمل بالقرآن.. ولقد تأملتُ طويلًا في أسباب هذا البعد، وكيف تعامل الصحابة مع القرآن وكيف نتعامل نحن، وما سبب هذا التباين، فوجدتُ الجواب في كلمةٍ لبعض الصحابة، فعن جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وغيرهما: "تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانًا، وانتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان"، فقلتُ أنا: سبحان الله! هذا هو الفرق، فالقلبُ يجب أن يُهيَّأ لتلقي كلام الله العزيز، كالأرضِ يجب أن تُحرث وتُهيَّأ قبل أن تُزرع، وخير ما يُهيَّأ القلب به هو حب الله جل وعلا، فإن المحب لمن يحب مطيعُ، فإذا صدقت المحبة هان في سبيل المحبوب كل شيء.. لكنني رأيتُنا -إلا من رحم الله- قد قست قلوبنا وابتعدت عن ربها بعد أن مُلِئت بحب الدنيا، فأصبحنا نقرأ القرآن ولا نتأثر، ونسمع آيات الله تتلى ولا نتأثر، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. يقول أهل العلم في هذا المعنى: التخلية قبل التحلية؛ أي إذا أردتَ أن تتذوق حلاوة الايمان والطاعة، يجب أن تفرغ قلبك أولًا من حب الدنيا، فإن الدنيا والاخرة ما هما إلا كالضرتين، إذا أرضيتَ إحداهما، توشك أن تغضب الأخرى.. ولقد مر بنا قول ربي جل وعلا في القرآن المجيد ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فالقرآن ذكرى، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فكلما كان الانسان اقوى إيمانًا كان أكثر تذكرًا بالقرآن، والعكس بالعكس.

فأقول: إذا أردنا الراحة في الدارين، فلا سبيل إلا بالعودة إلى دين ربنا، كتابًا وسنة، ففيهما النجاة وسبيل الخلاص. ولنبدأ بكتاب ربنا، نقرأه كما ينبغي لنا أن نقرأه؛ كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "إذا سمعت الله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خيرٌ يأمرُ به، أو شرٌّ ينهى عنه"، فليكن هذا هو الشعار ونحن نقرأ كلام الواحد القهار، كلما نجد قول الله ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ نصغي لما بعدها ونعيهُ لكي نقوم بتطبيقه والعمل به. فالله الله بالعمل بالقرآن، فكم علمنا ولكنا ما عملنا، وكم مرت علينا في القرآن آيات توجيهٍ وتعليم، وآيات نهيٍ وتحريم، فهل عسانا إمتثلنا الأوامر؟ فلننظر إلى الواقع لنعلم إجابة هذا السؤال.. يجلس أبٌ من الآباء وحوله زوجته وابناءه أمام التلفاز لمشاهدة فلمٍ أو برنامج غنائي؛ ما كأن الله قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، ولا طَرَقَ أذهاننا قوله جل وعلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، ويجلس آخر في محلهِ يبيع ويشتري، ومنادي الله ينادي (حي على الصلاة.. حي على الفلاح) فلا يجيب، ما كأن الله مدح أقوامًا بقوله جل وعلا: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾، وآخر تراه يغضب لسببٍ أو لغير سبب، وإذا نهيتهُ وذكَّرته بقوله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ تراه لا يرعوي ولا ينتهي.. وآخر.. وآخر.. والأمثلةُ تطول.

فأقول إخوتي: هذه دعوة لكي نقرأ كتاب ربنا جلَّ وعلا من جديد بصورةٍ مغايرة، كما كان الشرب الاول؛ جيل الصحابة يفعل، نتدبر كل آية، ونأخذ ما بها من أوامر ونواهي، ونحاول جاهدين أن نطبقها، سائلين المولى أن يعيننا على ذلك.

والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ

 


اظهار التعليقات