الحلقة الخامسة - من أعلام المتدبرين الإمام أبوعبد الله القرطبي
زكريا بن عبد الرحمن بن محمد بافضل
QR code
13/03/2017       616 مشاهدة

الحلقة الخامسة سلسلة أعلام المتدبرين - الإمام أبوعبد الله القرطبي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

ومع عَلَمٍ جديدٍ من أعلام التدبر، هو نجمٌ من نجوم التدبر، وإمام من أئمة التفسير؛ وَصَفَه من عاصره من العلماء بصفات تعرف منها فضله وعلمه فمما قيل فيه: إمامٌ متقن متبحرٌ في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على إمامته وكثرة اطلاعه ووفور فضله، وكان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة؛ أوقاتهم معمورة ما بين توجه عبادةٍ وتصنيف.

هكذا قال عنه من وصفه من أهل العلم مما يبين المكانة العظيمة التي تبوأها هذا الإمام.

اسمه ونسبه:

هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح -بإسكان الراء والحاء المهملة- الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي.

ولد في أواخر القرن السادس الهجري تقريبًا، وذكرت الموسوعة العربية أنه ولد في سنة 600 هـ.

نشأ رحمه الله في قرطبة بالأندلس، في عصر الموحِّدين، وظلَّ يعيش بها حتى سقطت في أيدي الفرنجة سنة 633هـ، فانتقل منها إلى مصر واستقرَّ بها حتى وافته المنيَّة.

ثناء أهل العلم عليه:

قال عنه الإمام الذهبي: "إمامٌ متقن متبحرٌ في العلم، له تصانيف مفيدة تدل على إمامته وكثرة اطلاعه ووفور فضله" ا.هــ.([1])

وقال عنه ابن فرحون: "كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة؛ أوقاتهم معمورة ما بين توجه عبادةٍ وتصنيف" ا.هــ.([2])

وقال ابن العماد: "وكان إمامًا عالـمًا غوَّصًا من الغواصين على معاني الحديث، حسن التصنيف جيد النقل " ا.هــ.([3])

وقال عنه محمد بن مخلوف: "العالِـم الإمام الفاضل الفقيه المفسر المحصِّل، المتقن الكامل، كان من عباد الله الصالحين والعلماء العاملين" ا.هــ.([4])

ونحاول في هذا المقال أن نتلمس بعض المعالم عند الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في باب تدبر القرآن الكريم تأصيلًا وتطبيقًا ومن هذه المعالم ما يلي:

المعلم الأول: تعريف التدبر

    قال في بيان التدبر: "هو التفكر فيه وفي معانيه" ا.هــ.([5])

لقد كان الإمام القرطبي رحمه الله تعالى ينطلق من خلال هذا التعريف والفهم لمفهوم التدبر في تدبر كلام الله سبحانه وتعالى.

المعلم الثاني: بيان حكم التدبر وعدم العذر في تركه

إن فضل القرآن الكريم كبيرٌ وعظيم، فهو الذي أخرج به الله عز وجل هذه الأمة من الضلالة العمياء والجاهلية الجهلاء إلى نور الهداية وسُبُل السلام، ولا يخفى أنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرةٍ تُدْرَكُ بركته وخيره.

وقد بين الإمام رحمه الله تعالى حكم التدبر عند قوله تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ فقال: "ودلت هذه الآية وقولُه تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ على وجوب التدبر في القرآن ليُعرَف معناه" ا.هــ.([6])

وعند قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾، فقال: "حثَّ على تأمل مواعظ القرآن، وبيَّن أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خُوطب بهذا القرآن الجبال -مع تركيب العقل فيها- لانقادت لمواعظه، ولرأيتها -على صلابتها ورزانتها- خاشعة متصدعة؛ أي: متشققة من خشية الله" ا.هــ.([7])

 المعلم الثالث: بيانه لشروط التدبر

المتأمل لكلام الإمام القرطبي في التدبر يستطيع أن يستخرج من كلامه شروط التدبر وتتمثل في شرطين أساسيين:

الشرط الأول: النية الصادقة وحسن القصد:

قال رحمه الله تعالى: "فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بنَيَّةٍ صادقةٍ على ما يحب الله أفهمهُ كما يحب، وجعل في قلبه نورًا" ا.هــ.([8])

فدل هذا على أن القراءة بنِيَّةٍ صادقةٍ في طلب معرفة الحق وما أراد الله من العباد شرطٌ مهم في تنوير الله قلبَ العبد لفهم القرآن.

الشرط الثاني: فهم المعنى المراد تدبره:

قال رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾، قال: "وفي هذا دليلٌ على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليلٌ على أن الترتيل أفضل من الهَذِّ، إذ لا يصح التدبر مع الهَذِّ ..." ا.هــ.([9])

وقال أيضًا "وينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن، فيفهم عن الله مراده وما فُرض عليه، فينتفع بما يقرأ, ويعمل بما يتلو, فكيف يعمل بما لا يفهم معناه؟! وما أقبح أن يُسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه, فما مثل من هذا حاله إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا" ا.هــ. ([10]).

وعدم التزام هذا الشرط أو التفريط فيه يؤدي إلى مزالق وانحرافاتٍ عظيمة يغفل عنها كثيرٌ ممن ولج إلى باب التدبر دون التزامٍ بضوابطه وشروطه.

المعلم الرابع: بيانه لبعض الوسائل المعينة على التدبر

إن المتأمل لموضوع التدبر في القرآن والسنة يجد أنه قد ذُكر فيهما الكثير من الوسائل المعينة على التدبر، وقد حرص الإمام القرطبي رحمه الله تعالى على إبراز ذلك، ومن الوسائل التي أشار إليها ما يلي:

الوسيلة الأولى: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة:

قال الإمام القرطبي عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾، قال: "فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن تدبره والعمل به" ا.هــ.([11])

الوسيلة الثانية: الاستماع والإنصات للقرآن الكريم:

قال الإمام القرطبي رحمه الله: "حُسْن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وذَمَّ على خلاف هذا الوصف فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، فمدح الـمُنْصِت لاستماع كلامه مع حضور العقل, وأَمَر عباده بذلك أدبًا لهم, فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وقال ها هنا: ﴿وَأَنَا اختَرتُكَ فَاستَمِع لِما يوحى﴾ [طه: ١٣]، لأن بذلك يُنال الفهم عن الله تعالى، وعن وهب بن منبه رحمه الله أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح, وغض البصر, والإصغاء بالسمع, وحضور العقل, والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى, وهو أن يَكُفَّ العبد جوارحه ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع, ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى, ويحصر عقله فلا يُـحَدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه, ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم؛ قال سفيان بن عيينة رحمه الله: "أول العلم الاستماع ثم الفهم ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر، فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام بنِيَّةٍ صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب, وجعل له في قلبه نورًا"([12]) ا.هــ.

الوسيلة الثالثة: تعظيم القرآن واعتقاد اشتمال القرآن على كل العلوم:

فاعتقاد هذا في القرآن الكريم من أعظم ما يدفع العبد إلى الرغبة في تدبره وتفهمه، ولهذا قال القرطبي رحمه الله تعالى: "فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقل به السنة والفرض ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منَّتي بأن أكتب فيه تعليقًا وجيزًا " ا.هــ.([13])، وقال أيضًا: "فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين غير مخلوق؛ كلامُ من ليس كمثله شيء، وصفةُ من ليس له شبيه ولا ند، فهو من نور ذاته جل وعز...، ولولا أنه سبحانه جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله ليتدبروه وليعتبروا به، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته؛ يقول- تعالى جده- وقوله الحق: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فأين قوة القلوب من قوة الجبال! ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم، فضلا منه ورحمة..."

ومن أسباب الإعراض اليوم عن تدبر القرآن الكريم من كثيرٍ من الناس ضعفُ التعظيم لكلام الله تعالى وعدم الاستغناء به عن غيره، مع تعظيم كثيرٍ منهم لكثيرٍ من العلوم التي هي من الغثاء الذي لا نفع فيه، فمن عرف قيمة الشيء اعتنى به.

الوسيلة الرابعة: الترتيل والترسل:

قال الإمام القرطبي: "ومن حُرْمَتِه أن يقرأه على تؤدة وترسيل وترتيل"، وقال عند قوله تعالى ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ :"أي: لا تعجل بقراءة القرآن, بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني"، وقال مبينًا أثر تَـخَلُّف الترتيل والترسل على التدبر: "الترتيل أفضل من الـهَذِّ, إذ لا يصح التدبر مع الـهَذِّ"([14]). والتمهل في قراءة القرآن الكريم أدعى للفهم والتدبر، وهذه صفة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم.

الوسيلة الخامسة: الوقوف عند الآيات والتفاعل معها:

قال الإمام القرطبي: "ومن حُرْمَتِه أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه، ومن حُرْمَتِه أن يقف على أمثاله فيتمثلها " ا.هــ.([15])

الوسيلة السادسة: دعاء الله تعالى بأن يوفقه للتدبر:

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: "جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته ويتدبَّره حق تدبُّره، ويقوم بقِسْطِه ويوفي بشرطه، ولا يلتمس الهدى في غيره، وهدانا لأعلامه الظاهرة وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة" ا.هــ.([16])

وكثير من الناس لا يدعون ربهم بمثل هذا الأمر، إما لعدم التفاتهم إليه وإما لعدم اهتمامهم به أصلًا، وإن دعا فإنه لا يُلِحُّ على الله، لأن بعض الناس لا يعرف الإلحاح إلا في مطالبه الدنيوية المادية، أما الأمور الدينية فتجد سؤاله لها باردًا باهتًا.

الوسيلة السابعة: النظر إلى المصحف أثناء القراءة:

قال الإمام القرطبي: "ومن حُرْمَتِه أن يعطي عينيه حظهما منه فإن العين تؤدي إلى النَّفْس، وبين النَّفْس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، فإذا قرأه عن ظهر قلب فإنما يسمع أذنه فتؤدى إلى النَّفْس، فإذا نظر في الخط كانت العين والاذن قد اشتركتا في الأداء وذلك أوفر للأداء، وكان قد أخذت العين حظها كالأذن؛ روى زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا أعينكم حظها من العبادة"، قالوا: يا رسول الله وما حظها من العبادة؟ قال: "النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه" ا.هــ([17]).

الوسيلة الثامنة: إعمال الذهن في الآيات:

قال الإمام القرطبي: "ومن حُرْمَتِه أن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يُـخاطَب به" ا.هــ([18]).

والوسائل التي ذكرها الإمام القرطبي رحمه الله تعالى لو تتبعناها على جهة التفصيل كثيرة، وإنما يكفي هنا ذكر بعضها لإبراز هذا المعلم عند الإمام القرطبي رحمه الله تعالى.

المعلم الخامس: بيان معوقات وموانع التدبر

لا يخفى أن القرآن الكريم بالغ التأثير في النفوس, كما أنه مُيَسَّـرٌ للفهم, ولكن إذا سَلِمَ من يتعامل مع القرآن من الموانع، وقد حرص الإمام القرطبي رحمه الله تعالى على بيان بعض الموانع وتوضيحها، ومن الموانع التي ذكرها ما يلي:

المانع الأول: هَذُّ القرآن الكريم وعدم ترتيله:

أرشد القرآن الكريم إلى التمهل في القراءة؛ قال تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، وقد لَبَّسَ إبليس على كثير من الناس بكثرة التلاوة، فهم يهذُّون القرآن هذًّا من غير تمهل ولا تأمل مخالفين بذلك ما أمر الله به من ترتيل كتابه، ومخالفة هذا الأدب تَـحُوْلُ بين القارئ وبين تدبر القرآن.

ولهذا نَبَّه الإمام القرطبي رحمه الله إلى هذا المانع فقال: "الترتيل أفضل من الهذِّ, إذ لا يصح التدبر مع الهذِّ"([19])

فقراءة الهذِّ التي يقرأ بها كثيرٌ من المسلمين هي حائل يحول بينهم وبين تدبر القرآن كما ذكر القرطبي.

المانع الثاني: مانع الكِبْر:

عند قوله تعالى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِين﴾ [الأعراف:146]، قال الإمام القرطبي: "قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾؛ قال قتادة: سأمنعهم فَهْمَ كتابي، وقاله سفيان بن عيينة، وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها، وقيل: سأصرفهم عن نفعها، وذلك مُـجَازاةً على تكبُّرِهم؛ نظيره: ﴿فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.

والآيات على هذه: المعجزاتُ أو الكتبُ المنزَّلة، وقيل: خَلقُ السماوات والأرض؛ أي: أصرفهم عن الاعتبار بها.

﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾: يَرَوْن أنهم أفضل الخلق؛ وهذا ظَنٌّ باطل، فلهذا قال: ﴿بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾، فلا يتبعون نبيًّا ولا يَصْغون إليه لتكبُّرِهم.

قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾، يعني: هؤلاء المتكبرون أخبر عنهم أنهم يتركون طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغيِّ والضلال؛ أي: الكفر يتخذوه دينًا، ثم علَّل فقال: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: ذلك الفعل الذي فعلته بهم بتكذيبهم. ﴿وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ أي: كانوا في تركهم تدبر الحق كالغافلين" ا.هـ([20])

المعلم السادس: بعض أساليب التدبر عند القرطبي

1 - اسلوب الربط بالواقع:

كان من الأمور التي خاضها الإمام القرطبي في تفسيره من أساليب التدبر قضيةُ ربط وتطبيق الآيات على الوقائع، وقد كان واقعه يضج بالقضايا والوقائع على جميع الأصعدة في المشرق والمغرب، والتي من أبرزها تمكن الصليبيين في الشرق والغرب، وغيرها من القضايا والنوازل التي حدثت في زمانه، وكثير من القضايا الاجتماعية، وكذا الشخصية التي كان يُنَزِّلُـها على الآيات القرآنية، وإليك هذه النماذج التي طبَّق عليها ذلك:

أولًا: الجهاد في سبيل الله:

عند قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾[البقرة: 216] نقل تفسير أبي عبيدٍ للآية وهو: "عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم" ثم قال: "وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس؛ تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأيُّ بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته!" ا.هــ([21])

وقال عند قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّـهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[البقرة: 249]، قال: "هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منَّا قُدَّام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا" ا.هــ([22])

ولما ذكر أسباب النصر التي ذكرها الله في كتابه قال: "فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا، بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقًا وغربًا برًّا وبحرًا، وعمَّت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم الله تعالى" ا.هــ([23])

ثانيًا: الانحناء عند السلام أو القيام:

عند قوله تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى العَرشِ وَخَرّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100]، قال: "قلت: هذا الانحناء والتكفي الذي نُسِخَ عنَّا قد صار عادة بالديار المصرية وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض حتى إن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يؤبه به، وأنه لا قدر له، وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض؛ عادة مستمرة ووراثة مستقرة لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء؛ نكبوا عن السَّنَن، وأعرضوا عن السُّنَن" ا.هــ([24])

ثالثًا: فساد الحكام:

عند قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118]، قال رحمه الله: "قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كَتَبَةً وأُمَنَاء، وتسوَّدوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء" ا.هــ([25])

وعند قوله تعالى ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: 188]، قال رحمه الله تعالى: "لا تُصانِعوا بأموالكم الحكام وتُرْشُوهم ليقضوا لكم على أكثر منه" ا.هــ، ثم قال: "قلت: فالحكام اليوم عين الرِّشا لا مظنته، ولا حول ولا قوة إلا بالله" ا.هــ([26])

وعند قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 130] قال رحمه الله: "قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثيرٍ من هذه الأمة، لا سيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية، فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق" ا.هــ.([27])

رابعًا: بعض المظاهر الاجتماعية بالديار المصرية:

لما مرَّ على قوله تعالى ﴿وَعِندَهُ مَفاتِحُ الغَيبِ لا يَعلَمُها إِلّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59] قال: "قال علماؤنا: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان لا سيما بالديار المصرية، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم على الفساد والضلال" ا.هــ([28])

وعند قوله تعالى ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا ...﴾ [النور: 30] قال رحمه الله تعالى: "قلت: أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رمي مآزرهم، حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه، باديا عن عورته ضاما بين فخذيه ولا أحد يغير عليه؛ هذا أمر بين الرجال فكيف من النساء! لا سيما بالديار المصرية إذ حماماتهم خالية عن المظاهر التي هي من أعين الناس سواتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ا.هــ([29])

خامسًا: بعض المواقف الشخصية:

عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾[الإسراء: 45] قال رحمه الله تعالى: "قلت: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا، وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعدٌ ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة (يسۤ) وغير ذلك من القرآن، فعبرا عليَّ ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر: هذا دِيَبْلُه؛ يعنون: شيطانًا، وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني والحمد لله حمدًا كثيرًا على ذلك" ا.هــ([30])

2 - اسلوب النظر للمقاصد:

عند قوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُون﴾ [البقرة:79]، قال: "في هذه الآية والتي قبلها التحذيرُ من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع" ا.هـ([31])

وهذا كثير في تفسيره رحمه الله تعالى، لكن ما ذكرناه من باب ضرب المثل.

3 - اسلوب النظر للمناسبات:

عند الآية السابقة نظر إلى المناسبة بين قوله ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ وما قبلها، مع العلم أن الكتابة لا تكون بالأيدي فقال: "بيانٌ لجرمهم وإثباتٌ لمجاهرتهم، فإن من تولى الفعل أشدُّ مواقعةً ممن لم يتوله وإن كان رأيًا له" ا.هــ([32])

وهذا كثير أيضًا في تفسيره رحمه الله تعالى، لكن ما ذكرناه من باب ضرب المثل.

المعلم السابع: عناية الشيخ ببيان انحرافات من يدعي التدبر

التدبر يكون بأدب وبلا تكلف، وهذا هو حال الصحابة رضي الله عنهم أجمعين والتابعين رحمهم الله، فقد كان تدبرهم للقرآن أعظم التدبر وأعلاه، مُورِّثًا العملَ والإيمانَ والتأثرَ بلا تكلف، وقد نبَّه العلماء إلى حال بعض الناس الذين فهموا التدبر على غير وجهه، فكان تدبرهم صراخًا وعويلًا وتكلفًا، وممن نبَّه وحذر عن ذلك الإمام القرطبي رحمه الله تعالى حيث قال: "الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوعَ الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مُطْرِقًا متأدبًا متذللًا، وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك، وأما المذموم فتكلُّفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهَّال ليُروا بعين البِرِّ والإجلال، وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان" ا.هـ([33])

وقال أيضًا: "فهذه حالة العارفين بالله الخائفين من سطوته وعقوبته لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطِغَام من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله والخوف منه والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهمُ عن الله والبكاءُ خوفًا من الله، ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم، فمن كان مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالًا، والجنون فنون" ([34]).

فهذه جملة من المعالم المتعلقة بالتدبر في حياة الإمام القرطبي رحمه الله تعالى.

نفعنا الله وإياكم بها وجعلنا من المتدبرين لكتابه العاملين بما فيه الواقفين عند حدوده.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين


([1])- طبقات المفسرين للسيوطي، ص79.

([2])- الديباج المذهب، ص 407، نفح الطيب للمقري 2/ 210.

([3])- شذرات الذهب 5/ 335.

([4])- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ص 197.

([5])- تفسير القرطبي، 5/290.

([6]) - تفسير القرطبي، 6 / 477.

([7])- الجامع لأحكام القرآن، 20 / 388.

([8]) - الجامع لأحكام القرآن، 11/176.

([9]) - الجامع لأحكام القرآن، 18 / 189.

([10]) - الجامع لأحكام القرآن، 1/21.

([11]) - الجامع لأحكام القرآن، 12 / 425.

([12]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 11/176.

([13]) - مقدمة تفسير القرطبي.

([14]) - الجامع لأحكام القرآن، 15/192.

([15]) - مقدمة تفسير القرطبي.

([16]) - مقدمة تفسير القرطبي.

([17]) - مقدمة تفسير القرطبي.

([18]) - مقدمة تفسير القرطبي.

([19]) - الجامع لأحكام القرآن، 15/192.

([20]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 9 / 449.

([21]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 3 / 417.

([22]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 4 / 245.

([23]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 4 / 245.

([24]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 11 / 457.

([25]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 5 / 274.

([26]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 3 / 227.

([27]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 16 / 58.

([28]) - المرجع السابق، 8 / 404.

([29]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 15 / 206.

([30]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 13 / 94.

([31]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 2 / 223.

([32]) - الجامع لأحكام القرآن الكريم، 2 / 222.

 ([33])- الجامع لأحكام القرآن، 1 / 375.

([34]) - الجامع لأحكام القرآن: (7 / 366).


اظهار التعليقات