الحلقة الرابعة - من أعلام المتدبرين عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
زكريا بن عبد الرحمن بن محمد بافضل
QR code
06/03/2017       627 مشاهدة

الحلقة الرابعة سلسلة أعلام المتدبرين - نِعْم الرجل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

ومع نجم آخر من نجوم الصحابة رضي الله عنهم جميعًا؛ نجم من نجوم التدبر هو من صغار الصحابة رضي الله عنهم، ومع ذلك صار عالـمًا من علماء الصحابة يُشار إليه بالبنان؛ إن تكلَّم سُمِع كلامه، وإن أفتى أُخِذ بقوله، وإن قال صُدِّق؛ آتاه الله العلم فأخذ منه بـحـظٍّ وافـر، ولذا لما أطلَّت الفتنة بقرونها ولَّاها ظهره واعتزلها رغبة فيما عند الله وطمعًا في سلعة الله الغالية، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة روايةً، وأحد العبادلة الأربعة، وكان من أكثر الناس اتباعًا للسنة واستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله كما كان يتبعه... " ا.هـ، وقالت: "ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من عبد الله بن عمر" ا.هـ([1]).

اسمه ونسبه:

هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر (وهو قريش) بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، العدوي القرشي..

قال عنه الذهبي: "الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي ثم المدني، أسلم وهو صغير ثم هاجر مع أبيه ولما يحتلم واستُصغِر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأمُّه -وأمُّ أمِّ المؤمنين حفصةَ- زينبُ بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون الجمحي"([2])، وقال: "روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم" ا.هـ([3])، وعدد الأحاديث التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم (2630) حديثًا.

ثناء الصحابة والسلف عليه:

قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن مِن أَمْلَكِ شبابِ قريشٍ لنفسه عن الدنيا عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما، وقال: لقد رأيتُنا ونحن متوافرون وما فينا شابٌّ هو أَمْلَكُ لنفسه من ابن عمر([4]).

وقال حذيفة رضي الله عنه: ما مِنَّـا أحدٌ يُفتش إلا يُفتش عن جائفةٍ أو مُنقِّلة إلا عمر وابنه([5]) (والجائفة هي الطعنة الواصلة للجوف، والـمُنَقِّلـة هي ما توضِّح العظم وتهشمه)؛ قال ذلك كناية عن المعائب.

وقال جابر رضي الله عنه: ما مِنَّا أحدٌ أدرك الدنيا إلا وقد مالت به إلا ابن عمر([6]).

وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ أحدًا ألزم للأمر الأول من ابن عمر.

ونحاول في هذا المقال أن نتلمس بعض المعالم المنهجية عند الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في تلقي القرآن الكريم وتعليمه وتدبره والعمل به، ومن هذه المعالم ما يلي:

المعلم الأول: تعليمه للمنهج الصحيح في كيفية تلقي القرآن

عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: " كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن -منهم الصبي والأعمى- ولا يرزقون العمل به"([7]).

وذكر الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: "أنَّه بَلَغَه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها"([8])، وليس ذلك للانشغال عن الحفظ أو رداءة الفهم.. حاشاه رضي الله عنه، ولكن بسبب التدقيق والتطبيق والعمل.

لقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقلون فقط القرآن لمن بعدهم، ولكنهم كانوا ينقلون أيضًا كيفية التلقي ومنهج التلقي للقرآن، وكم نحن بحاجة إلى إشاعة هذا المنهج بين الناس لأن هذا المنهج من أعظم الوسائل المعينة على التدبر، والمتأمل اليوم في حلقات وخلاوي تحفيظ القرآن الكريم يجد إعراضًا عن هذا المنهج وهي محاضن تلقي القرآن الكريم في الأمة أو على الأقل يجد الغفلة وعدم تنبيه الدارسين إليه، بينما نجد عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة كالفاروق عمر رضي الله عنه وابن مسعود رضي الله عنه كثيري التنبيه للدارسين على هذا المنهج في التلقي.

المعلم الثانيبيان أهمية تهيئة القلب بالإيمان للانتفاع بالقرآن

قال رضي الله عنه: "لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيتعلمُ حلالها وحرامها وما ينبغي أن يُوقف عنده فيها كما تعلَّمون أنتم القرآن، ثم قال: لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يُوقف عنده منه؛ ينثره نثر الدَّقل"([9])، ومقصود كلامه أنهم عَلِموا أولًا أمور الإيمان بالله ومعرفة توحيده وما يتبع ذلك من تعظيمه ومحبته وخشيته، ومعرفة ما أعدَّه من ثوابٍ للمطيع وعقابٍ للعاصي، ثم لما عَلِم الصحابة هذه الأمور شرعوا بعدها في التفقه في أحكام الدين من أمرٍ ونهيٍ، وهذا واضح.. وذلك لأن بناء أصل الإيمان في القلوب هو الباعث على العمل، وللإمام ابن القيِّم عليه رحمة الله كلامٌ نفيس في الدلالة على هذا حيث يقول: "وتعظيمُ الأمرِ والنهي تعظيمٌ للآمر والناهي"، وهذا المنهج قد اتخذه القرآن في تربية الصحابة رضي الله عنهم أول الإسلام، حيث كان أول نزول القرآن تربيةٌ على الإيمان في السُّوَر المكية وخاصةً المفصَّل منها.

ونحن بحاجة عند الحديث عن موضوع تدبر القرآن الكريم إلى الإشارة لمثل هذا، لأن وجود أمراض القلوب مما يمنع من تدبر القرآن الكريم والانتفاع به، لأن القرآن نزل مخاطبًا للقلب.

المعلم الثالث: بيان أساليب التدبر

إن معرفة الأساليب المعينة على تدبر القرآن الكريم من أهم ما ينبغي أن يحرص على معرفتها قارئ القرآن، وقد كان لابن عمر رضي الله عنه دور في بيان هذه الأساليب للناس أو تطبيقها معهم ومن ذلك:

1. اسلوب التذكر بالقرآن عند المناسبات والأحداث:

فمما يعين على تدبر القرآن الكريم استغلالُ الأحداث والمناسبات والوقائع وربطها بالآيات القرآنية لما في ذلك من الأثر الكبير في فهم القرآن والانتفاع به وتدبره؛ عن عبد الله بن عقيل بن سمير الرِّيَاحِيِّ، عنْ أبيه، قال: شرب عبد الله بن عمر ماءً باردًا فبكى فاشتد بكاؤه، فقيل: ما يُبكيك؟ قال: تذَكَّرت آيةً في كتاب الله عز وجل: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله عز وجل: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾"([10])، فعبد الله بن عمر رضي الله عنه تذكَّر واعتبر بالماء البارد، وذكَّر الناس بهذه اللفتة الإيمانية التي يغفل عنها كثير من الناس.

وقد كان هذا ديدن كثير من السلف في التأثُّر بالأشياء التي جعلها الله في الدنيا وهي تُذَكِّرُ بالآخرة، فقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "نِعْمَ البيت الحمَّام؛ يُذْهِب الوَسَخ ويُذَكِّر النار"([11])، وكم نحن بحاجة إلى استعمال هذا الأسلوب وهو التربية على تدبر آيات القرآن من خلال الربط بالـحَدَث.

2. اسلوب التمهل وعدم الإسراع:

الله سبحانه وتعالى أمرَ في كتابه بالتأني والترتيل لأنه معينٌ على الفهم والتدبر والعمل؛ قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَقُرآنًا فَرَقناهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكثٍ﴾، وبهذه التوجيهات والآداب القرآنية عَمِلَ أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم عبد الله بن عمر؛ ذكر الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: أنَّه بَلَغَه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها"([12])؛ إن حفظ سورة البقرة لا يستغرق عدة أسابيع أو شهور إن كان الأمر يقتصر على حفظ ألفاظها فقط، أما إن كان الأمر مرتبطًا بتأثير القرآن على العقل ليُعيدَ تشكيله وعلى القلب ليعبِّدَهُ لله فالأمر بلا شك سيختلف، وسيحتاج إلى سنين كما فعل ابن عمر وكما فعل أبوه الفاروق من قبله.

3. اسلوب البكاء والخشوع عند تلاوة القرآن أو سماعه:

التفاعل مع الآيات اسلوب من أساليب التدبر، فهو دالٌّ على التفاعل الحي، وأن القارئ حاضرُ القلب مع التلاوة، وهو من أعظم صفات التفاعل الدالة على التدبر، وقد مدح الله تعالى مسلمي أهل الكتاب بأعظم صفتين عند تلاوتهم القرآن وهما البكاء والخشوع فقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، وقد كان هذا هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فتربى الصحابة ومنهم ابن عمر على ذلك، فعن نافع مولى ابن عمر، قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنه إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن  تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ﴾ بكى حتى يغلبه البكاء"([13]).

هكذا كان حال السلف الصالح مع القرآن؛ تتحرك قلوبهم، وتَقْشَعِر جلودهم، وتنهمر عيونهم بالدموع.

4. اسلوب قيام الليل بالقرآن:

فهو اسلوب من أساليب التدبر، ولذا وجَّه القرآن كثيرًا إلى أهمية القراءة بالليل خاصةً في الصلاة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴿٦٤﴾ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿٦٥﴾ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، وقال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.

وقد كان لابن عمر رضي الله عنه نصيب عظيم في قيام الليل خاصةً بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم له بعد أن قصَّ رؤياه؛ قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصَّها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن مَلَكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيِّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أُناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال: فلقيَنا مَلَكٌ آخر فقال لي: لم تُرَع، فقصصتها على حفصةَ فقصَّتها حفصةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل. فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلا. رواه البخاري ومسلم([14])، وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذَكَرَه، وإذا لم يقم به نَسِيَه)) رواه مسلم ([15])، فقد كان له رضي الله عنه ورد بالليل وكان كثير التدبر فيه.

5. اسلوب ربط الآيات بالواقع وتنزيلها عليه:

إن من أعظم أسباب الانتفاع بالقرآن ربطهُ بالواقع الذي يعيشه من يقرأ القرآن، وفي المقابل من أعظم أسباب الحرمان من الانتفاع بالقرآن اعتقاد أن الواقع لا يدخل تحته، وقد أشار الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كلام نفيس إلى ذلك فقال: "ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته –أي: القرآن- وتضَمُّنِه له، ويظنونه في نوعٍ وفي قومٍ قد خَلَوا من قبلُ ولم يُعَقِّبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن" ا.هـ.([16])

وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كثير الربط بين الآيات القرآنية والواقع من حوله، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه نظر إلى قوم من السوق قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ا.هـ.([17])

وقال رجل لعبد الله بن عمر رضي الله عنه: إن المختار الثقفي يزعم أنه يوحى إليه، قال: صَدَق، فتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّياطينَ لَيوحونَ إِلى أَولِيائِهِم﴾.([18])

وعند قوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ قال: "هو الرجل يستأجر الرجل أو الكيال وهو يعلم أنه يحيف في كيله فوزره عليه " ا.هـ.([19])

بمثل هذا الربط يكون القرآن منهجًا لإصلاح حياة الناس وسلوكهم لأنه يرى انتظام القرآن لواقعه وعدم اختلافه معه، ويتلمس هدايات القرآن في تفاصيل ذلك الواقع.

6. اسلوب النظر إلى دلالات الألفاظ (مفهوم المخالفة):

من الأساليب المهمة في تدبر القرآن الكريم ما يتعلق بالنظر إلى دلالات الألفاظ من خلال النظر إلى دلالة المنطوق، أو دلالة المفهوم أو غيرها من أنواع الدلالات، فاستنباط الأحكام واستثمارها من الآيات القرآنية إنما يكون بمعرفة ذلك، وقد كان ابن عمر رضي الله عنه ممن يستخدم هذا الأسلوب من أساليب تدبر القرآن الكريم، فقد أورد الإمام الطبري في تفسيره عند قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ عن مجاهد قال: قرأ عبد الله بن عمر هذه الآية ثم قال: "فكيف إذا أوذي بالمعروف فذلك يضاعف له العذاب" ا.هـ([20])، ومقصود ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن الذي يؤذي المؤمنين والمؤمنات بغير ما هو عليه ودون أن يتعرض للناس أو يدعوهم إلى شيء فإنه يعذب، فكيف بمن أوذي وقد أمر بالمعروف فذلك سيضاعف العذاب لمؤذيه من باب أولى.  

المعلم الرابع: التطبيق العملي وهو ثمرة التدبر

إن ثمرة التدبر هي العمل بالقرآن فعلًا للأوامر وتركًا للنواهي، وأثرًا في سلوك الإنسان وعمله، ولهذا تقول عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القرآن".([21])

وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه كثير التدبر والعمل بما في كتاب الله تعالى، والمواقف المنقولة عنه في ذلك كثيرة جدًا، فعن نافع "أن ابن عمر رضي الله عنه كان يُـحيي الليلَ صلاةً فيقول: يا نافع أَسْحَرْنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة، فإذا قلت (نعم) قعد يستغفر الله ويدعوا حتى يصبح" ا.هـ([22])، وهو بذلك يتأول قوله تعالى ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "حضرتني هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فذكرت ما أعطاني الله فلم أجد شيئًا أحب إليَّ من جاريةٍ لي رُومِيَّة، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شئ جعلته لله لنكحتها" ا.هـ.([23])

ونقل ابن جرير الطبري والسيوطي عنه عند قوله تعالى ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أنه قال: "لو وجدت قاتل عمر في الحَرَم ما هجته" وفي رواية "ما ندهته" والمعنى: ما زجرته.([24])

وأورد الطبري وغيره عن ابن عمر عند قوله تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أنه كان إذا دخل بيتًا ليس فيه أحد قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ا.هـ.([25])

المعلم الخامس: الإنكار على من تكلف وتَصَنَّع التأثر بالقرآن.

لقد كان عبد الله بن عمر ينكر على من يتكلف التدبر فيصِلُ إلى الغشي أو الصراخ أو نحو ذلك من الصور التي لم تكن في الصحابة، فعن سعيد بن عبد الرحمن الـجُمَحِي أن ابن عمر مرَّ برجل من أهل العراق ساقطًا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قُرئ عليه القرآن أو سَمِعَ ذكر الله سقط، قال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط!([26]) وقال ابن عمر: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم؛ ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم([27])، والمتأمل اليوم يجد من يتجاوز ما وصف الله به الصحابة.

فهذه جملة من المعالم المتعلقة بالتدبر في حياة عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

وكم نحن بحاجة إلى إعادة ترميم وبناء علاقتنا مع القرآن الكريم من خلال سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم من خلال سِيَر هؤلاء الأعلام.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


([1]) - رواه اللالكائي ( 7/1336)، فقرة (2547).  

([2]) - سير اعلام النبلاء 3/ 204.

([3]) - المصدر السابق

([4]) - سير أعلام النبلاء 3 / 211.

([5]) - المصدر السابق.

([6]) - سير اعلام النبلاء 3 / 211

([7]) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/40.

([8]) - رواه مالك في الموطأ برقم (695).

([9]) - أخرجه الحاكم برقم (101) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة ولم يخرجاه.

([10]) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم (4249)

([11]) - ينظر لطائف المعارف لابن رجب ص 688 وما بعدها.

([12]) - رواه مالك في الموطأ برقم (695).

([13]) - حلية الأولياء لأبي نعيم 1/305.

([14]) - رواه البخاري برقم (1121) ومسلم برقم (2479).

([15]) - رواه مسلم برقم (789).

([16]) - مدارج السالكين 1/ 343.

([17]) - الطبري 18/146، والبغوي 3/348، والسيوطي 18/207.

([18]) - ابن أبي حاتم (482)، وابن كثير في التفسير /170.

([19]) - رواه الحاكم 2/517 كتاب التفسير، والدر المنثور 30/442.

([20]) - الطبري 22/45.

([21]) - أخرجه البخاري في الأدب المفرد 234، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد.

([22]) - ابن جرير 3/208(6756)، والبغوي 1/285، وابن عطية 3/39.

([23]) - ابن كثير 1/381، وبنحوه السيوطي 3/260، والشوكاني 1/360.

([24]) - الطبري 4/13(7463)، والدر المنثور 4/271.

([25]) - الطبري 18/175، وابن أبي شيبة في المصنف (588) والبخاري في الأدب المفرد (1059).

([26]) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 15/249 والبغوي 7/116 وزاد المسير 5/ 262.

([27]) - القرطبي 15 / 249 والبغوي 7/ 116.


اظهار التعليقات