كيف تأثروا بالقرآن؟
أ.د. عمر بن عبد الله المقبل
QR code
15/11/2016       3039 مشاهدة

إنك لو سألت كل مسلم: أتؤمن أن كتاب الله هدى وشفاء، ورحمة وبركة، وأن الأخذ به سبب للعزة؟ فسيجيبك فورًا: نعم! ثم تقلِّبُ نظرك في واقع الأمة التي نزل عليها هذا القرآن فيرجع بصرك خاسئًا وهو حسير؛ على هذا البون الكبير بين واقع هذه الأمة، وبين ما يرشد إليه كتابها، وتتساءل كما تساءل من قبلك:

بأَيمانهم نوران: ذِكرٌ، وسُنَّةٌ ** فما بالهم في حالك الظلمات

والجواب عن هذا السؤال الكبير يوجب علينا البحث عن الحلقة المفقودة في تعاملنا مع كتاب الله، وما الفرق بين تلقي صدر هذه الأمة لكتاب الله وبين تلقي مَن بعدهم لهذا الكتاب، وواسطة عقد هذا الجواب تُظهِر حقيقةً كبرى في الفرق بيننا وبينهم.

إن المؤمن ليتساءل وهو يقرأ تلك المشاهد التي تأخذ بالقلب وربنا يصف فيها حال الأنبياء والأولياء عند سماع كلامه، كقوله تعالى: ﴿ قُل آمِنوا بِهِ أَو لا تُؤمِنوا إِنَّ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ إِذا يُتلى عَلَيهِم يَخِرّونَ لِلأَذقانِ سُجَّدًا ﴿١٠٧﴾وَيَقولونَ سُبحانَ رَبِّنا إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعولًا ﴿١٠٨﴾وَيَخِرّونَ لِلأَذقانِ يَبكونَ وَيَزيدُهُم خُشوعًا ﴾، وكقوله تعالى في الثناء العاطر على صفوة الخلق حين يسمعون آيات الله التي تنزلت عليهم في كتبهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾، وكقوله تعالى عن أولئك القسيسين بعد سماع آيات الله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ إن المؤمن ليتساءل: ما سرُّ ذوقهم لكتاب الله؟ وما الأمور التي جعلتهم يتلذذون هذه اللذة التي ترجمتها الدموع؟

إنها مشاهد عظيمة يا عباد الله ليس غرض القرآن منها أن يخبرنا مجرد إخبار عن بكائهم وتأثرهم بها، بل المقصود أن ننتقل إلى السؤال التالي: كيف نبلغ هذه الحال؟ وكيف ننتقل بقلوبنا من حال الغفلة إلى حال الحضور، ومن شؤم قسوة القلوب إلى نعيم لينها، ومن ضعف التأثر إلى قوة التأثير؟! أيعقلُ أن كتابًا يقول الله فيه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾، ويقول فيه: ﴿ولَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾؛ أيعقل أن يُقْرأ كثيرًا ثم لا يكون له ذاك التأثير الذي ينبغي لمثله؟! أين الخلل؟ وكيف تأثر به السلف أعظم منّا؟ وما السرُّ الذي جعل أسلافنا يعيشون مع القرآن عيشًا آخر؟

إن مقامًا كهذا لا يسمح بأكثر من التنبيه على بعض الإجابات المختصرة لعلها تُذكِّر ناسيًا وتُنبّه غافلًا، فمن ذلك:

أولًا: حفاوتُهم وفرحُهم بالقرآن عند قراءته: وهذا ما يفقده الكثيرون؛ إن أَحَدَنا ربما أمسك المصحف وفتحه وكأنه يقرأ في أي كتاب من الكتب النافعة، من غير أن يتملَّكه شعورٌ بالغبطة والفرح بتلاوة كلام الله؛ يقول مالك بن دينار رحمه الله: "إن الصدِّيقين إذا قُرئ عليهم القرآن طرِبت قلوبهم للآخرة"، ثم يبدأ في التلاوة ويقول: "اسمعوا إلى قول الصادق مِن فوق عرشه".

فإذا أردت التأثر بالقرآن يا عبد الله فلْتملأ قلبَك الفرحةُ بالقرآن، واستشعر عظيمَ منَّة الله عليك إذ أمكنك من تلاوة أعظم كلام في الوجود، وأن الله اختارك من بين مليارات البشر لتقرأ كلامه؛ إنها نعمةٌ لا يعرف قدرها إلا من وُفِّق وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ عَلَّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل)) الحديث رواه البخاري ومسلم، ومن عظيم فقه البخاري أنه بوَّب على هذا الحديث بقوله: (باب اغتباط صاحب القرآن)، فهل أنت تشعر بالغبطة والفرحة عند فتح المصحف؟!

ثانيًا: من أهم أسباب تأثر السلف بالقرآن أنهم كانوا مستعدين للعمل قبل القراءة، ففتحوا صفحات قلوبهم قبل أن يفتحوا صفحات المصحف، مستشعرين دلالات قول ربهم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، إن مشاهد التسليم المطلق هذه، وتلقِّي رسالات هذا القرآن بالتعظيم التام لقائله، والاستعداد للتنفيذ دون تردد أو تباطؤ؛ هذه المشاهد والأحوال هي من أعظم ما ميَّز السلف عمن بعدهم.

ثالثًا: من أسباب تأثر سلفنا الصالح بالقرآن: حرصهم على العمل به، وخوفهم من مخالفة أوامره، ومحاسبة أنفسهم في ذلك كله، لأنهم سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم ((والقرآن حُجَّةٌ لك أو عليك)) فخافوا أن يكون شاهدًا عليهم؛ يقول الحسن البصري رحمه الله: "رَحِمَ الله امرأً عرض نفسه وعمله على كتاب الله، فإن وافق كتابَ الله حمد الله وسأله المزيد، وإن خالف أعتبَ نفسه وحاسبها، ورجع من قريب".

رابعًا: من أسباب تأثر السلف بالقرآن: اهتمامهم بتدبره، عملًا بوصية الله عز وجل حيث يقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وفي قراءة: {لِتَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}، فهم يتدبرونه لعلمهم بأن ذلك من مقاصد نزول القرآن، ويتدبرونه خوفًا من الوقوع في حال المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم ارزقنا تلاوته آناء الليل وآناء النهار.

__________________________________

(مختصر من خطبة كتبها الشيخ الدكتور عمر بن عبد الله المقبل حفظه الله، وأصلها منشور في موقع الشيخ)

إشراف: اللجنة العلمية في مركز تدبر


اظهار التعليقات