((اقرأ علَيّ))
خولة الرشيد
QR code
02/11/2016       1165 مشاهدة

«إني أحب أن أسمعه من غيري»، كلما مرّ بي هذا الحديث الشريف، أفكر بدهشةِ عبد الله بن مسعود حين طلب منه رسول الله ﷺ أن يقرأ عليه شيئًا من كلام الله، فيسأل باستغراب: "أقرأ عليك، وعليك أُنزل"؟! أنت أعلم به مني يا رسول الله؛ أُنزل على قلبك، وتلقيته ممن هو أفضل مني؛ جبريل الملَك عليه السلام، أنت علمتني إياه يا رسول الله، كيف أقرؤه عليك؟! فيبيّن ﷺ السبب: ((إني أحب أن أسمعه من غيري))، فيقرأ ابن مسعود من سورة النساء.. ويقرأ، حتى إذا وصل قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾.. قال: ((حسبك))! فالتفتَ الصحابي، فإذا عينا رسول الله ﷺ تذرفان! 

ذرفت عينا رسول الله ﷺ، مع أنه أول من سمعه على وجه الأرض، وتلقاه من الملَك مباشرة!

هذا الحديث الصحيح المليح، يجعلني أفكر في سر السماع؛ سماع هذا الكتاب؛ شيء مذهل فعلًا! إنك كل مرة تسمعه، يُلهِمك شعورًا جديدًا، وفتحًا جديدًا، ونورًا جديدًا، ودمعًا جديدًا.

ولم يقتصر الترغيب في كتاب الله على الحث على التلاوة وحسب.. لقد حثّنا أيضًا على استماعه، في غير ما موضع، وبأساليب مختلفة، بل والأعجب من ذلك أن الله الجليل في كتابه يربط الاستماع بالتدبر والتأثر دائمًا، وكأن في ذلك إشارة إلى أنه يحصل باستماع كلامه تدبر زائد عن التلاوة.

ولنستعرض بعض الأمثلة:

1.    ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.

إنهم فور سماعهم لآيات الكتاب، يفرُّ منهم التعبير والكلام؛ تفيض أعينهم من الدمع من فرط التأثر ويؤمنون بعدها مباشرة: ربنا آمنّا! فاكتبنا مع الشاهدين. 

2.    ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّـهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾.

تُتلى، وأنتم تستمعون.. يذكر الله الجليل في هذه الآية فضل الصحابة، وأن لهم وازعَيْن يمنعان الوقوع في الكفر والضلال: سماع القرآن، ومشاهدة رسول الله ﷺ ووجوده بينهم، قال قتادة: "أما الرسول ﷺ فقد مضى إلى رحمة الله، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر"، فلعله مما يثبت الإيمان ويزيد البصيرة، الاستماع إلى كتاب الله، استنادًا لهذه الآية الكريمة، والله أعلم.

3.    ﴿ وَإِذا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ ﴾.

إنك تستمطر رحمة الله عليك وأنت تستمع فقط؛ يقول لك: إذا قُرئ استمع وأنصت لعلك تُرحَم.. فقط! سبحان الله، هذا أقصر طريق لنيل رحمة الله في الدنيا والآخرة؛ قال الليث بن سعد: "ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقول الله عز وجل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}.

4.    ﴿ وَإِذا تُلِيَت عَلَيهِم آياتُهُ زادَتهُم إيمانًا وَعَلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلونَ ﴾.

هل رأيت كيف انعكس الاستماع على القلب فزاد الإيمان، ثم هل رأيت كيف انعكست زيادة الإيمان على السلوك، فهم بعد زيادة الإيمان يتوكلون على ربهم؛ كله بتأثير السماع.

5.    ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ﴾.

تخيل الموقف، يوصي بعضهم بعضًا بالإنصات.. والنتيجة؟ ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ  .. سبحان الله، فاض الشعور؛ لما قُضي فورًا ولّوا منذرين! ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

6.    وتأمل الوصف في مطلع سورة الجن ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا  ﴾، قل لأصحابك، قل لعبادي، قل للناس: ﴿ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ ﴾وهم بعد استماعهم يتعجبون ويذهلون من تأثيره وقوته وجماله.. سبحان الله.. قرآنًا عجبًا! ﴿ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ؛ آمنوا بعد استماعهم له! وتأمل كيف يصف الله موقف رسوله ﷺ وهو يتلو حول الوادي والجن يستمعون، ويلتصق بعضهم ببعض ويزدحمون لاستماع القراءة! ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّـهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ؛ كادوا لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضًا حرصًا على سماع القرآن.

7.    ﴿ وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكينَ استَجارَكَ فَأَجِرهُ حَتّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّـهِ ﴾.

فقط.. إن طلب أحد من المشركين جوارك، أجره حتى يسمع كلام الله! كل ما عليك فعله أن يسمع كلام الله وحسب! يا للتأثير المهيب.. يا للسلطان المذهل؛ كتاب قاهر قوي غلَّاب! وقد كان كبار قريش يقولون لأتباعهم -ولأنفسهم في الحقيقة-: ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَـذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾؛ ينهى بعضهم بعضًا عن استماعه، لمعرفتهم أنه مؤثر يتغلغل إلى الحس والشعور، ويأخذ بتلابيب القلب!

وثمة مواضع أخرى في الكتاب الكريم تشهد لهذا المعنى لم أذكرها خشية الإطالة، وفيها من الجمال الآسِر ما فيها، مثل قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾، ومثل التصوير العجيب الأخَّاذ في أواخر سورة الإسراء: ﴿ إِنَّ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ إِذا يُتلى عَلَيهِم يَخِرّونَ لِلأَذقانِ سُجَّدًا ﴿١٠٧﴾وَيَقولونَ سُبحانَ رَبِّنا إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعولًا ﴿١٠٨﴾وَيَخِرّونَ لِلأَذقانِ يَبكونَ وَيَزيدُهُم خُشوعًا ﴾، وغيرها.. ولو تتبعتَ نصوص الكتاب والسنة وما ورد عن السلف الصالح في هذا السياق رأيت عجبًا، ولعل السبب والله أعلم، أن القارئ يشتغل بالتلاوة وأحكامها، والمستمع يتفرغ للتأمل والتفكير، فلا يشغله شيء عن التدبر، يستمع فقط..

أختم بموقف إيماني جميل؛ في شعاب بين الجبال، لقلوب عظيمة مُلِئت إيمانًا وعلمًا.. صورة صحب رسول الله ﷺ متحلقين مجتمعين، وقارئ حسن الصوت يقرأ فيهم.. هذا عمر بن الخطاب، يقول لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: "يا أبا موسى، ذكّرنا ربنا!"، فيقرأ، وهم يستمعون.. ويبكون.

فاجعل لك وِردًا من السماع تنهل منه كل يوم؛ تُقبل على الكتاب فيعطيك الله ويعطيك.. رحمة وهدى وبركة.. استمع إليه يزدك إيمانًا، ويرحمك الله به، وتعمر السكينة فؤادك، ويُزهر بين جنبيك جمالًا وشعورًا ساحرًا بديعًا، فتفيض عيناك بالدمع، ويفيض قلبك بالخشوع والخضوع، فتنقاد الجوارح.

استمع إليه يرحمك الله، لن تسمع كلامًا أحسن منه، ولا أعذب منه، ولا أجمل منه.. كم نسمع من كلام البشر كل يوم ولا نمل ولا نكل، وهذا كتاب الله بين أيدينا فكم نصرف من أوقاتنا على جماله وهداه؟! 

استمع إليه، أدِم استماعك، أدام الله إيمانك وهداك..


اظهار التعليقات