الناشئة وتدبر القرآن
فاطمة بنت محمد الشاشي
QR code
10/10/2016       1361 مشاهدة

يأتي هذا المقال إجابة لسؤال طرحناه في المقال السابق "القرآن والناشئة": هل للناشئة أن يتدبروا القرآن؟

ولكي نجيب فسنبقى في حديث عمرو بن سلمة والذي كان محور مقالنا السابق "القرآن والناشئة" يقول رضي الله عنه: "كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله؛ أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقرُّ في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقاً، فقال: ((صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً))، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين ..."(1)

كان رضي الله عنه عمره آنذاك ابن ست أو سبع سنين؛ أي: في سن التمييز أو قبله؛ أي: هو بعمر أطفالنا في الثاني الابتدائي، ويجزم التربويون أن هذا السن يعد من مرحلة الطفولة، ولم تكن هذه الطفولة مانعاً أو حاجزاً له من تدبر القرآن فتأملوا قوله: (كأنما يقرُّ في صدري) وكيف لا يقرُّ القرآن ويثبت في صدر طفل لم يتلبس بمعصية أو كفر أو نفاق يحول بينه وبين فهم كتاب الله؟

(يقرُّ في صدري) وحسبك بهذه العبارة فهما لكتاب الله، فقد أدرك رضي الله عنه أن القرآن محله القلب، كما قال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ ، ولم يكن قرار القرآن إلا في قلب هو أهل لذلك ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ   ؛ يتفلت القرآن من الحفاظ تفلت الإبل من عقلها كما في الحديث: ((تعاهدوا هذا القرآن، فوَ الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها))(2)

ومن عجيب فهمه رضي الله عنه وتدبره لكتاب الله قوله عن القميص الذي شروا له كي يغطي عورته (فما فرحتُ بشيء بعد الإسلام ما فرحتُ به)؛ في تمثل منه وهو غلام صغير لقوله تعالى: ﴿قُل بِفَضلِ اللَّـهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذلِكَ فَليَفرَحوا﴾ وهل كان هذا القول يأتي من فتى صغير لولا أنه كان يحيا بالقرآن وكان يتدبره؟!

لم يذكر الله تبارك وتعالى أن الطفولة مانع من فهم كتابه، فما بال البعض يجعلها مانعا من فهم كتابه؟! نعم؛ لا يتصور تدبرٌ من طفلِ سنة أو سنتين، ولكن تدبرُ ابن الست والسبع ممكن كما في خبر عمرو بن سلمة رضي الله عنه، ونحن بلسان الحال أو المقال حتى المراهقين ذوو الخمسة عشر سنة هم في عرفنا أطفال لا يتدبرون القرآن!

إن المانع الحقيقي لتدبر الناشئة للقرآن ليس هو العمر كما نريد أن نخدع أنفسنا به، بل هو إبعادهم عن لغة القرآن (العربية)، هذا هو الحاجز بينهم وبين تدبر القرآن، ليس فقط في طفولتهم وإنما في مراحل عمرهم ما لم يتداركهم الله برحمته فيتعلموا من اللغة العربية ما يمكنهم من فهم كتاب الله، وأما بقية علوم الآلة من أصول فقه وتفسير فهي تأتي بعد العربية، فهل يدرك الآباء والأمهات حجم الخطأ الذي يرتكبونه بحق أبنائهم حين يلحقونهم بالمدارس الأجنبية منذ نعومة أظفارهم؟

أيها الآباء والأمهات؛ أتخافون على أبنائكم الفقر في مستقبلهم فألحقتموهم بالمدارس الأجنبية؟ نذكركم بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن خِفتُم عَيلَةً فَسَوفَ يُغنيكُمُ اللَّـهُ مِن فَضلِهِ﴾ ، وقوله:  ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ، هذا وعد الله، ومن أوفى بعهده من الله.

 

([1]) رواه البخاري ح (4302).

([2]) رواه مسلم ح (231)


اظهار التعليقات