القرآن والناشئة
فاطمة بنت محمد الشاشي
QR code
05/10/2016       2072 مشاهدة

روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: "كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله؛ أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقرُّ في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقا، فقال: ((صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً))، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين ..."([1])

يبين هذا الحديث أن الناشئة أرض خصبة لتلقي الوحي، تأملوا قوله: (فكأنما يقرُّ في صدري)، فهل نحسن أن نتعامل مع أبنائنا على أنهم أراضي خصبة للقرآن؟!

إن حفظ الناشئة للقرآن لمما يضرب به العلماء المثل في كتبهم ومتونهم فكانوا يقولون: "كحفظ الصبيان للقرآن"، فهل واقعنا اليوم كذلك أم تغير؟

جاء في التراتيب الإدارية: "اعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار من شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، بما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات".

وربط الناشئة بالقرآن من ثوابت الأسرة المسلمة حتى في أصعب ظروفها في بلاد الأقليات وفي أحوال الاستضعاف، كما الحال في مسلمي جمهوريات الاتحاد السوفييتي، ومسلمي الأندلس بعد سقوطها، وكما نراه ونشاهده في الأقليات المسلمة في أوربا وأمريكا.

ويلحظ المتأمل للتاريخ الإسلامي أن ربط الناشئة بالقرآن في عصور تمكين الأمة ونهضتها العلمية يختلف عنه في عصور ضعفها وتخلفها العلمي، إذ يبدأ الضعف في الأمة من خلال الضعف في ربط الناشئة بالقرآن حين يأخذونه على أنها مسألة حفظ وفقط؛ يحفظونه لأجل إسكات والد أو والدة أو لأنه واجب عائلي فإذا شب عن الطوق واستقل بنفسه ترك الحلقات.

في حديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه يبين لنا أنه كان هو الذي يلقى الركبان فيسألهم، وهذا ما يعبر عنه أهل التربية بوجود الدافعية للتعلم وينقسمان إلى: دافعية داخلية، ودافعية خارجية، ودورُ المربي والمعلم هو استثارة هذه الدافعية وإيقاظها، وهذا مهم جداً لنا في ربط الناشئة بالقرآن، فإذا لابد لنا من استثارة هذه الدافعية في نفوس أبنائنا، فلنعلمهم شيئاً من فضائل القرآن وما أعده الله لأهل كتابه، ونبسط لهم في شروح أحاديث فضائل القرآن، فيذهبوا للحلقة برغبة وحب لا إسكاتا لنا، ومن استثارة هذه الدافعية في نفوس أبنائنا أن نربطهم بأهل القرآن ونقص عليهم -والقصة أسلوب تربوي قرآني- قصص أهل القرآن، كقصة عمرو بن سلمة رضي الله عنه الآنفة الذكر وغيره من الصحابة ونربطهم بهم، ولو اخترنا له اسماً من أسماء قراء الصحابة كزيد بن ثابت أو عبد الله بن عباس أو غيرهم فهو نور على نور، فكلما سألنا عن اسمه ذكر لنا أننا أسميناه على صحابي قارئ، وكان سعيد بن المسيب يحب أن يسمي أبناءه بأسماء الأنبياء.

ويجب أن نتجاوز في ربطنا للناشئة بالقرآن النظرة الضيقة في أن الربط لا يكون إلا عبر نافذة الحفظ، فقد يكون الابن ليس بذاك في الحفظ ولكنه يؤتى استنباطاً، فأبو هريرة كان حافظ الأمة وابن عباس كان الحبر، وليس مطلوباً من المربي أن يضيف قدرات جديدة للابن، بل المطلوب منه استثمار ما أعطاه الله من قدرات وتهذيبها فالحفيظ يوجهه للحفظ، والفهيم للاستنباط، ومن لديه القدرة على الجمع فيوجهه للجمع، وفي إحدى روايات حديث عمرو بن سلمة السابق يقول عن نفسه: (وكنت غلاماً حافظاً).

ومن استثارة الدافعية لدى الناشئة أن نربيهم بالتربية القرآنية، فعلى المربين أن يقرؤوا في تربية نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه، ففيها كثير من الدروس التربوية المهمة، وما أجمل أن نخبرهم ونحن نربيهم أننا تعلمنا تربيتهم من القرآن فيحبونه وإن لم يحفظوه.

ومن استثارة الدافعية لديهم أن يروا أثر القرآن في مربيهم، وهنا مربط الفرس، فإن لدى الناشئة قوة ملاحظة تجاه تصرفات المربي؛ هم يحاكمونه دون أن يشعر ويختبرونه دون أن يعلم.

ومن استثارة الدافعية لدى الناشئة بل أهمها هو تعليمهم تدبر القرآن ويتساءل المربون: هل يمكن للناشئة أن يتدبروا القرآن؟ نرجئ الإجابة عنه في المقال القادم (الناشئة وتدبر القرآن).

 


([1]) رواه البخاري ح (4302).


اظهار التعليقات