العلاقة بين تدبر القرآن الكريم وحفظه
د.غنية عبد الرحمن النحلاوي
QR code
10/08/2016       6751 مشاهدة

كثر في الآونة الأخيرة مع الحماس لتدبر القرآن الكريم المفاضلةُ بينه وبين حفظ القرآن الكريم.

مع أنه لا وجه للمفاضلة، بل هما متتامان متكاملان، وجميع علوم القرآن متكاملة، كما هو الحال في تكامل التفسير والتدبر على سبيل المثال. ومن المهم أن نعلم أن حفظ القرآن الكريم يعظم أجره حين يتلازم مع الفهم والتدبر، وحتى يتحقق ذلك: أعْمِلْ فكرك وأنت تحفظ؛ تجد نفسك تتدبّر الآيات، ثم تتسع البركة لتجد أن التدبر يعينك في الحفظ والتثبيت، وسأوضح الفكرة عبر أمثلة:

أولا: التدبر يضبط الحفظ: وأمثلة ذلك وفيرة، وكل منا له تجربته، وإليكم بعض الأمثلة للاستئناس:

(1) تدبر نهايات الآيات: وهذه نجد بالعموم صعوبةً في ضبطها بالحفظ:

مثال حفظ آيات رفع عيسى عليه السلام من خلال قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّـهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ، [النساء: 157-158]؛ قد نخطئ فنقول "وكان الله على كل شيء قديرا" ولكن تأمل معي كيف أنه تعالى رفعه بعزته، ورفعه بأنه الحكيم!! وعندما تفكرت وتدبرت هذه النهاية للآية {وكان الله عزيزا حكيما} بدقة وأنا أثبت حفظها، خالجتني مشاعر عميقة من الإعظام والإجلال لربٍ عزيز حكيم: ففي معجزة رفع عيسى عليه السلام نجد عزة الله تعالى التي يعز بها رسله، ويذل أعداءه وأعداء نبيه، وفيها حِكَمٌ يخفى جُلها ويظهر بعضها، وتستمر تتكشف لنا منذ الرفع حتى قيام الساعة.

مثال الجهر بالسوء من القول في عين السورة النساء عند حفظي للآية (148) وهي آية عظيمة تثبّتُ قانونًا سلوكيًا راقيًا، استعنت بالتدبر لأحفظ ختامها، وهي قوله تعالى:﴿ لَّا يُحِبُّ اللَّـهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّـهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ فتفكرت: هذا الاستثناء {إلا من ظُلم} كيف يتم ضبطه والتوازن بين نطق ما يحبه الله تعالى والانفعالية عند عامة البشر والتي قد تكون مفرطة أو غير مبررة عند البعض إذ يجهرون بالسوء؟!

الجواب أن المولى أعلمنا من ختام الآية كيف ذلك بقوله: {وكان الله سميعا عليما}:

  • أنه سبحانه سميع لما تقول يا عبد الله: فتحرَّ الجهر بما يحبه سبحانه.
  • وأنه عليم بصدق حالك هل أنت حقًا ممن ظلم.

فترعوي وتنصاع لهذه الخاتمة القرآنية من فوق سبع سماوات.

مثال السعة والعلم: قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّـهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، هنا تدبرت مع تثبيت حفظ هذه الآية من (البقرة) كيف أنه بيَّن وعد الشيطان القبيح ووعد الرحمن المشرق الرحب برحابة ملكوته؛ تأتي هذه الخاتمة للآية تبشرنا بسعته سبحانه التي لا يحدها زمان ولا مكان، ومنها سعة مغفرته وفضله تعالى علينا مقابل ضيق الذنوب، لتُفْتح لنا فضاءات التفكر في علم الله سبحانه وسعة ذلك العلم التي لا نحيط بشيء منه إلا بما شاء.

(2) تدبر التتالي لربط الآيات: وهذه تجد أمثلة عليها في كتب التفسير، حيث يربط المفسر بين الآيات ربطًا يعين في كل من التدبر والحفظ، وهذه أمثلة عن فائدة التدبر في تحقيق الربط:

مثال من آل عمران: الربط بين الآيتين (27)، و(28): قال تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

لدى الحفظ كان من تدبري في الربط: إذا علمت أن الله ربك هو الذي أبدع الكون ونظّم الأفلاك، وهو الذي يحيي ويميت، وأنه هو الرزاق؛ بل هو يرزق من يشاء بغير حساب= لم تتخذ الكفار أولياء من دون المؤمنين؛ بحجّة أنهم أرباب العلوم الكونية، ولا حتى بحجة حفظ الحياة وتفادي الهلاك! أو طلبًا للمال والرخاء وخوفًا من أن يُقطع رزقك!!

لا سيما وأنك كلما اتخذت كافرا من أعداء الله وليًّا أسقطتَ دونه بالمقابل مؤمنًا كان يمكن أن تتخذه وليا، لذلك قال تعالى: {من دون المؤمنين}.

(3) جمع التفسير إلى التدبر يضبط الحفظ ويمتّنه: في كل ما سبق وكما هو معلوم من المقصود بالتدبر، لا بد للمتدبر أن يلمّ بالتفسير ويحيط بالمعاني، فإن غاب عنه بعضها أو استشكل وهو يحفظ فقرأها في مظانها -ولو انتقى من التفاسير أبسطها وأقربها لمتناوله- ثم تدبر الآية بعمق ودقة= لوجد حفظه بحمد الله ينضبط بقوة أكبر مما لو اكتفى بالتدبر وفق المعنى العام، وهذا مثال:  

القرآن كاشف للوجوه وما تخفيه: قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج: 72]، ورد في تفسير المنكر؛ أي: "الأمر المستقبح من العبوس والتجهم"، وتدبرتها فوجدت أن القرآن كاشف -سبحان الله- يفضح الوجوه وأصحاب الوجوه، وفي كل حين فإن سماع القرآن يُتلى يفضح ما هو أبعد من وجوه أصحاب النفوس المريضة: غلٌّ ونفاق في الصدور، بل ورغبة بالبطش بالمؤمنين، فـهم يكادون يسطون بهم، وتقرأ في تفسير يسطون؛ أي: "يثبون ويبطشون غيظًا وغضبًا".

انظر كم تحنقهم تلاوة القرآن وتخرج أضغانهم!! حقيقة قرآنية لم تعد تخفى على أحد؛ اللهم ارحمنا.

ثانيا: تحقيق التدبر من خلال الحفظ: وهنا يبرز دور التكرار في تمكنك من التدبر، فمن بركة حفظ القرآن ونعمه أنه بينما يكون هدفك أن تحفظ، فما تلبث وأنت تكرر الآيات أن تجد إشراقات تدبرية في نفسك المقبلة على خالقك تزيدك إقبالا وخشوعا، وله حالتان:

أ] الحالة الأولى: الحفظ يفتح عليك تدبر المعالم المتميزة للآيات: الملاحظ أنه في الآيات المحفورة في أفئدتنا (لحفظها بعمر مبكر أو لكثرة ما نكررها)؛ نحن نتدبر الخطوط العريضة فيها لا سيما في بداية العهد بالتدبر، والأمر ذاته يحصل خلال الحفظ الأول للسور عمومًا، وهذه أمثلة من تدبري في ضوء تكرار آيات محفوظة أو حفظ بعضها: 

مثال الطهارة المادية والمعنوية: الإنسان جسم ونفس، وانظر كيف قرن خالقنا الطهارة مع التوبة في قوله تعالى في (البقرة، من الآية 222): ﴿إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ؛ ودائما من توبة الإنسان أن يتطهر من الآثام والرجس، وإنَّ نَفْع التطهر بشطريه الروحي والمادي لابن آدم عظيم: إذ ينتفع، وفوق ذلك يثاب!!

ما أعظم هذا الدين، بل ما أعظم أن يحبك الله تعالى لتوبتك ولتطهرك! سبحانك خالقي ما أعظمك وأرحمك!

ب] الحالة الثانية: مراجعة حفظ الآيات يفتح لنا تدبر الدقائق والتفاصيل:

خلال تثبيت الحفظ ومراجعته يغلُبُ أن يتدبّر أحدنا دقائق وتفاصيل قد لا تثير الانتباه لأول وهلة، فتدهشه أهميتها:

مثال في التعقيب على تحريم القمار والخمر في سورة المائدة؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91] ثم جاءت الآية الثالثة تعقيبًا عامًا لهذا التشريع العظيم، فانظر كيف دعتني للتدبر وأنا أراجع حفظي لها:

كنت قرأت الآية غيبًا: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولّوا فإنما على الرسول البلاغ المبين"، بينما الآية الصحيحة:﴿وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ، وأخطائي وجدت -وأنا أنظر في القرآن لأصححها- ملامح تدبرية:

أولًا: "احذروا": تحذيرٌ مرعبٌ لغموضه؛ يصدر من رب البرية لكل من يتجاوز هذا الحد بشرب الخمر والقمار.

ثانيًا: "توليتم" وليس "تولوا" كما أخطأتُ: هي مواجهة مباشرة من الله تعالى لنا بصيغة الجمع كما بدأت الآيات {يا أيها الذين آمنوا} لنتلقاها اليوم كمجتمع مسلم ينتمي لخير أمة، وهي لكل مسلم يقرأ الآية ويتدبرها؛

لنحذر التولي عن الشرعة والمنهاج!

ثالثًا: "فاعلموا": تقرع الآذان والقلوب، وتدفع الغفلة، وتدمغُ الجاهل المتجاهل بالعلم بالأمر وشدة الحرمة.

رابعًا: "رسولنا" وليس "الرسول" كما أخطأتُ: ينسبه تعالى لنفسه في هذا الموقع لينبهنا لشدة الحرمة.

ختام البحث:

وبعد فلا زال في الجعبة المزيد، وباستمرار التدبّر مع الحفظ سيلحظ القارئ أنه لا يوجد في أي آية من آيات ربك كلمة غير مؤثرة أو فعّالة ولا حتى حرف، فكل كلمة قرآنية لها كيانها ودورها ودلالتها، علمنا بعضه وغاب عن علمنا منه ما غاب، والمجال مفتوح لكل من أعمل قلبه وعقله منضبطًا بالإخلاص والإحاطة؛ ولكن أكتفي بما سلف منعا للإطالة، ولأتيح للقراء استنباط أمثلتهم.

وأختم هذه العجالة بتذكير القرّاء وهم يحفظون القرآن الكريم: أن من أهداف التدبر الإسقاط على واقعنا ومن ثم التطبيق العملي والاتباع، لدرجة أن بعض علمائنا اعتبروا أن هذا هو التدبّر: قال الحسن البصري في قوله تعالى ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: "وما تدبّر آياته إلا اتباعه والله يعلم، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده".

والخير كل الخير هو في الجمع بين التدبر والحفظ لآيات الذكر الحكيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

 


اظهار التعليقات
جنان الخلد
10/08/2016
  مقال رائع بارك الله لك ونفع بعلمك حقا تدبر آيات الله مطلوبه لفهم والحفظ وجزاك الله خير