من أسرار الاستعاذة
أ.د. فريد الأنصاري يرحمه الله
QR code
05/10/2015       4924 مشاهدة

  28 ربيع الأوّل 1434 الموافق 09 فبراير 2013

 الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد:

فإنّ اللهَ تعالى شَرَعَ لعبادِهِ أنْ يَستعيذوا عندَ إرادةِ البدءِ بتلاوةِ هذا القرآنِ العظيم، فقال سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل: 98]!

فدعونا نتأمّل في بعضِ أسرارِ هذا الأمرِ الإلهي!

إنّ العبدَ عندما يَستفتِحُ لحظاتِ الاستدرارِ لنورِ الله العظيم، تلاوةً لكتابِهِ الكريم، فإنه يخشى أنْ يسطوَ الشيطانُ على قناةِ الاتصالِ بوجدانِه فيجعلُه من الغافلين!

والشيطانُ كلُّ مُتمرِّدٍ على اللهِ من الجنِّ والإنس، وإبليسُ اللعينُ رأسُ الشياطينِ في العالمين، وهو عدوٌّ مبين! فقد تعهَّدَ لربِّ العالمين بإفسادِ الأرضِ وإضلالِ أهلِها أجميعن! {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ! إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ! قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ!}[الحجر: 40-42].

وقد طَرَدَ اللهُ -جَلَّ جلالُه- إبليسَ من سماواتِه، ورَجَمَهُ بالشُّهُبِ الثواقب! فتَفَرَّغَ اللعينُ لهذا الكيدِ العظيم! لا يدعُ للخيرِ بدايةً إلا أَرْبَكَها بقاصفِ الوساوسِ ونيرانِ الفِتن! فجَعَلَ الرحمنُ "الاستعاذةَ" لعبادِه المؤمنين، نجاةً وأمانًا مِن كلِّ شيطانٍ رجيم. وماذا أعظمُ مِن جِوارِ اللهِ الواحدِ القهارِ سلامًا للمؤمنين؟

ومن هنا كانت صيغةُ الاستعاذةِ راجعةً إلى معنى قولِ القائل: أستجيرُ باللهِ وحدَه مِن الشيطانِ الملعون، المطرودِ من رحمةِ الله، وأَعتصمُ به تعالى مِن أنْ يَضُرَّني في ديني، أو يَصُدَّني عن حقٍّ من حقوقِ ربي!

فإذا قالها الإنسانُ بين يدي تلاوة، أو صلاة، أو نحوِ هذا؛ استحضَرَ دلالةَ الاستعاذةِ قبل بدء ذاك العمل، واجتهدَ في تطهيرِ مداخلِ نفسِه تطهيرًا من كلِّ طَرْقٍ شيطانيٍّ خفي، مُستجيرًا بربِّه القوي العزيز: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!) فتُولّي الشياطينُ الأدبارَ هاربةً في متاهاتِ ضَلالِها، وظُلُماتِ كيدِها، بعيدًا عن شلّالِ النورِ الذي تَدفَّقَ على القارئِ بمجرَّدِ طلبِ الغَوثِ والأمانِ من ربِّ العالمين!

والاستعاذةُ بهذه الصيغةِ ليستْ آيةً من كتابِ الله، لكنْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها؛ استجابةً لأمرِ اللهِ تعالى في القرآن: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]. فهي أمرٌ ربانيٌّ وسنةٌ نبوية.

وهذه الآيةُ مع الصيغةِ النبويةِ في الاستعاذة، كلاهما مُتضمِّنٌ لخمسِ رسالات، لا بُدَّ للسائرِ إلى اللهِ - جَلَّ ثناؤه - عَبْرَ مِعْرَاجِ القرآنِ الكريم من تَلَقِّيها جميعًا، الواحدة تِلوَ الأخرى، وإلا فلا وصولَ ولا قَبولَ:

- الرسالة الأولى:

أنه لا بَدْءَ في طريقِ الله، ولا فَتْحَ للعبدِ الطَّارِقِ أبوابَ مَعَارِجِ القرآن؛ إلا بإعلانِ الولاءِ للهِ الحق، والانتظامِ في صفِّ العابدين له وحده دون سواه! وإعلانِ معاداة الشيطانِ بما هو عدوٌّ لله رب العالمين، والتبرؤِ منه ومن حزبِه وأتباعِه! وإنما الاستعاذةُ فتحُ عينِ القلبِ على بصيرةٍ قرآنيةٍ عُظمى، لا يجوزُ نسيانُها أبدًا! هي قوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا! إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير!}[فاطر:6] إنّ الاستعاذةَ ليستْ مجرَّدَ عباراتٍ تُلْقَى في الهواءِ فحسب، ولكنّها اتخاذُ موقفٍ! فتَدَبَّرْ!

- الرسالة الثانية:

في أنّه لا قوةَ للعبدِ على الانطلاقِ وبدءِ السيرِ إلى اللهِ والتعرُّفِ إليه تعالى؛ إلا بالاحتماءِ به، والالتجاءِ إليهِ ابتداءً! فلا وصولَ إليهِ بمجرَّدِ الجُهدِ الخاصِ والكسبِ الذاتي، بل لا بُدّ مِن استدرارِ توفيقِه ورحمتِه، فالهدايةُ والتوفيقُ والسداد، كلُّ ذلك إنما هو بيدِهِ وحدَه جلّ علاه! وذلك من صَميمِ التوحيدِ والإخلاص.

وتحقيقُ معنى الاستعاذةِ في النفس تَخَلُّقٌ عميقٌ بهذا المعنى العظيم، ولا صحةَ لعملٍ - من حيثُ القصدُ التعبديُّ الخالص - إلا باستدراجِ هذا الأصلِ الإيماني في عمقِ القلب، نيةً تعبدية خالصةً، لتخليص العملِ وتصفيتِه مِن كلِّ مَنٍّ، ومِنْ كُلِّ حَوْلٍ وقوةٍ، إلا ما كان باللهِ وله، وحدَه دونَ سواه!

- الرسالة الثالثة:

في أنّ التعبدَ بالقرآنِ تلاوةً، وتزكيةً، وتعلُّمًا وتعليمًا، لن يؤتيَ ثمارَه، ولن يُكشَفَ عن أنوارِه لعبدٍ؛ إلا إذا تبرَّأَ مِن كلِّ حولٍ وقوة، وقدَّم بين يدي تلاوتِه علامةَ الافتقارِ إلى اللهِ الغنيِّ الحميد، وهي الاستعاذةُ، ولذلك ليس كلُّ قارئٍ للقرآنِ بقارئ! ولا كلُّ تَالٍ له بِتَالٍ! وإنما القارئُ والتالي له هو مَن يتلوه حقَّ تلاوتِه. والتحققُ بمقاصدِ الاستعاذةِ شرطٌ من شروطِ التلاوةِ الحق! فمَن أخطأَ حقيقتَها أو استهانَ بها عَدِمَ الثمرة، وحُرِمَ النور! فكم مِن قارئٍ يقرأُ القرآنَ وهو عليه عَمًى! والعياذُ بالله! {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ. وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى! أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ..!}[فصلت: 44].

- الرسالة الرابعة:

في أنّ الشيطانَ قد يتدخَّلُ فيما يقعُ بقلبِ العبدِ مِن آثارِ التلاوة – وهو مِن أشدِّ الكيد - فيُفْسِد الفهمَ، أو يُفسِد نيةَ الافتقارِ والتعبدِ عند التلقّي عن الله، أو يَصرِف البالَ عن مشاهدةِ نورِ الهداية؛ فلا يخرُجُ العبدُ مِن تلاوتِه بشيء، وربما خرَجَ بضلالٍ وحَيرةٍ والعياذُ بالله، كما حَصَل لأهلِ الضّلالةِ قديمًا وحديثًا عند قراءةِ القرآن! وذلك نحو ما في قولِه صلى الله عليه وسلم:(سيخرجُ في آخرِ الزمانِ قومٌ أحداثُ الأسنان، سفهاءُ الأحلام، يقولون من خير قولِ البرية، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوِزُ حناجِرَهم! يمرقون من الدينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرَّمِيَّةِ!)(1) ، فلا ينجو المؤمنُ مِن هذا وذاك إلا بطلبِ الغوثِ من اللهِ استعاذةً به تعالى؛ لِتصِلَ رسالاتِ القرآنِ إلى قلبِه صافيةً خالصةً! لا أَثَرَ فيها لإلقاءات الشيطان فَهْمًا وقصدًا.

- الرسالة الخامسة:

في أنّ العبدَ المستجيرَ آمِنٌ مِن كلِّ ذلك وغيرِه بإذنِ الله؛ لأنه استجارَ بعظيم! وهو - جل وعلا - لا يُضَامُ جَارُه!

فالْهُدَى المستنبَطُ من "الاستعاذةِ" راجعٌ إلى كونِها تعبيرًا عن وَصْفٍ نفسيٍّ، وَوِجْدَانٍ إيماني، يقعُ بقلبِ العبدِ قبلَ أنْ يقعَ بلسانِه، والتحقُّقُ به هو أوّل الطريق، وتلك هي المنـزلةُ الأولى مِن منازلِ الإيمان، لمن رامَ الإقلاعَ في طريقِ التعرُّفِ إلى الله.

إنها كلمةُ الأدبِ بإعلانِ الافتقارِ الكاملِ إلى اللهِ الغنيِّ الحميدِ جل علاه، والتبرؤِ مِن كلِّ حولٍ وقوةٍ في العلمِ والعمل، إلا ما كان مَنًّا كريمًا وفضلًا جميلًا مِن اللهِ وحده! فلا انطلاقَ بغيرِ التخلُّقِ بوصفِها والتحققِ بمقامِها. فإنْ تَفْعَلْ بصدقٍ وإخلاصٍ فأبشِرْ! إنك آمِنٌ بإذنِ الله، محروسٌ بجنودِه جلَّ عُلاه، فَانْعَمْ مُطْمَئِنًّا بجِوَارِهِ تعالى وحِمَاه!

أما كيف نُحقِّقُ أثرَ هذه الاستعاذةِ عمليًّا؟

فإنَّ البدايةَ تكونُ من مُساءلةِ النفس بصدق: ماذا تريد؟ ماذا تُريدُ بما هي مُقبِلةٌ عليه مِن قِراءةٍ أو عبادة؟ أَحقًّا تريدُ الوصولَ إلى الله؟ أَحَقًّا تريدُ القيامَ بحقِّهِ العظيمِ جل علاه؟ والدخولَ في القيامِ بوظيفةِ الخدمةِ لدينه؟ وحملَ ميثاقِ عهدِه وأمانتِه، وتَلَقِّي رسالاتِ هَدْيِهِ وقرآنِه؟ واستدرار مددِه وأنوارِه؟ أم أنها تقرأُ وكفى؟! بلا قصدٍ تعبُّدي، إلا قَصْدَ التَّعَوُّدِ والتسميع، وما دون ذلك مِن مُبطلاتِ الأعمال ومحبِطاتها؟!

حتى إذا صارت لك حقائقُ الاستعاذةِ الإيمانيةِ خُلُقًا وطَبْعًا، أصبحَ معناها بقلبِكَ زادًا إيمانيا، تجدُه جاهزًا - إن شاء الله - متى استدعيتَه بقراءتِها، عندَ كلِّ تلاوة، وعندَ كلِّ تصرُّفٍ تعبديٍّ أنَّى كان؛ فأَبْشِرْ!

ثم إنّ أوّلَ ما يبعثُ النفسَ على الانطلاقِ السليم – بعد ذلك - هو تخليصُ الوجهةِ وتوحيدِ القبلة!

ومما يُعينُ على ذلك: تَذَكُّرُ أحوالِ السابقين الأولين كيف سَبَقوا؟! وتشاهد غبطة الواصلين الصادقين كيف وصلوا؟! لقد قرؤوا القرآنَ بكمالِ الافتقارِ إلى اللهِ وتَلَقِّي رسالاتِه هُدًى وشفاءً لقلوبهم؛ فانفتحت لهم مَعَارِجُ الروح، وارتقوا في الدنيا وفي الآخرة! وتلك مَعَارِجُهُمْ لم تزلْ مفتوحةَ الأبواب؛ فاقْرَأْ يَا صَاحِ وارْتَقِ!

فيا نفسي المغرورة.. إلى متى تبقين هكذا شاردةً عن بابِ الله؟ إلى متى وأنت تستجيبين لأهوائِك؟ تَفِرِّين إلى شهواتِكِ ومَلذّاتِك؟ وتَتَلفعين بذاتِكِ وأنانيتك؟ وما أنتِ إلا قطرةٌ من روحٍ في جَرَّةٍ من طين! متى انكسرتْ سالت! آهٍ يا نفسُ! هذه مَسَامُّكِ الصغيرة تتسعُ من حينٍ لآخر؛ فيتسرَّبُ منها الشيطانُ إلى نفسِك لِيَعيثَ فسادًا داخلَ خواطرِكِ وأشواقِك! فيَحُولَ دون انطلاقِ الروح في رحلةِ السيرِ الكوني إلى الله! عجبًا كيف تصبرين على هذه الحال! وها كلُّ الطيورِ قد أَعلنتْ توبتَها، وانطلقت تضربُ بأجنحتِها بعيدًا في رحلة المحبين؟! فَفِرِّي إلى الله مستعيذةً بالله! وأعلني الافتقارَ الكاملَ له وحدَه جلَّ عُلاه؛ عسى أن تكوني من أهلِ النجاةِ والفتحِ المبين! ذلك قولُ الحق ذي القوة المتين: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِين!}[الذاريات:50]. واجْأَرِي إلى مولاكِ باستغاثةِ الفقراءِ الصادقين: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!"

اللهم أَعذِنا من الشيطانِ الرجيم، ومِن كلِّ ما يحولُ بيننا وبين فهمِ كتابِك العظيم.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

----------------------------

(1) رواه البخاري (6930) ،  مسلم (1066) .

 المصدر/ مجالس القرآن للدكتور فريد الأنصاري –رحمه الله-: (119) وما بعدها، بتصرف يسير.


اظهار التعليقات