(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي)
فاطمة بنت محمد الشاشي
QR code
21/08/2016       3428 مشاهدة

في حديث القرآن عن أسباب الثبات يأتي الأمر الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ يُريدونَ وَجهَهُ وَلا تَعدُ عَيناكَ عَنهُم تُريدُ زينَةَ الحَياةِ الدُّنيا وَلا تُطِع مَن أَغفَلنا قَلبَهُ عَن ذِكرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمرُهُ فُرُطًا [سورة الكهف: 28]، ومن العجيب أن الأمر بصحبة الصالحين يأتي بعد الأمر بتلاوة القرآن ﴿وَاتلُ ما أوحِيَ إِلَيكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ [سورة الكهف: 27]، والأعجب أن يأتي بعد ذكر أصحاب الكهف وتكريم كلبهم بالذكر معهم إيماء إلى فوائد صحبة الصالحين وقد ذكرت السورة مثالا لمثل هذه الصحبة ألا وهو صحبة موسى للعبد الصالح لأجل العلم.

ولما كان الإنسان مدنيا بطبعه جاء خطاب الوحي متناسبا مع جبلته الإنسانية ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [سورة الملك: 14]، فنرى في هذه الآية تشوف الإسلام إلى الاجتماع نأيا بالمسلم أن يكون فريسة سهلة لشياطين الإنس والجن، وقد أولت الشريعة عناية عظيمة بصحبة المسلم على اختلاف وتعدد وتنوع أنواع الصحبة؛ صحبة مطلقة كما نجد في هذه الآية وغيرها من نصوص في السنة، أو صحبة خاصة بالزوجة إذ نبهت على ضرورة حسن الاختيار في كل أنواع الصحبة، ولا عجب فهذه شريعة رب السماء.

مواصفات جليسك أيها المسلم بينتها لك هذه الآية ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ يُريدونَ وَجهَهُ إنهم 1- ﴿يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ مجالسهم عامرة بذكر الله، لا فيها لغو ولا باطل ولا مفاخرة بالأحساب والأنساب. 2- ﴿يُريدونَ وَجهَهُ إنهم أهل إخلاص، وما أدراك ما شأن الإخلاص في كتاب الله، يكفيك منه ﴿كَذلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ السّوءَ وَالفَحشاءَ إِنَّهُ مِن عِبادِنَا المُخلَصينَ ، هؤلاء الذين جمعوا بين عبادات الجوارح والقلوب هم أهل صفوتك ومجلسك وناديك أيها المسلم، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي يؤمر بصحبتهم فماذا عنا؟

تأمر الآية بالصبر فتنبه أيها المؤمن، عليك أن تصبر لأن مجالسهم ليست مجرد (وناسة) وتوافق طباع، كلا ولو كانت المسألة بهذه البساطة التي نتصورها نحن لما رتب جزيل الثواب على المحبة في الله: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ورجلان تحابا في الله وتفرقا عليه"([1]) "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان  ... وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله"([2]) تأمل في جزيل الثواب لتدرك أن صحبة الصالحين لا يوفق لها كل أحد؛ يقول ابن عباس عن زمنه: (قد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا) فماذا عن مؤاخاة الناس في زمننا؟

﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم "اصبر" إنها كاشفة عن زيف كثير من صداقاتنا ومؤاخاتنا التي نزين لأنفسنا أنها لله وفي الله، وفي أول ابتلاء لا تصمد هذه الأخوة فإذا بالدنيا تفرق بين المتآخين، وإذا كلٌّ يشكو هجر وقسوة صاحبه وصدمته فيه!! ولو كانت لله لبقيت، فإن ما كان لله يبقى.

لما ضاقت الأرض بما رحبت على كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك، وهجره الناس تنفيذا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءه كتاب ملك غسان (الحق بنا نواسك) فما كان منه إلا أن قام بحرقه في التنور، هذا هو التدبر العملي لـ ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ يُريدونَ وَجهَهُ وَلا تَعدُ عَيناكَ عَنهُم تُريدُ زينَةَ الحَياةِ الدُّنيا وَلا تُطِع مَن أَغفَلنا قَلبَهُ عَن ذِكرِنا.

قد يختلف المرء مع صحبه في المحضن العلمي أو الدعوي، والخلاف لا يخلو منه مجتمع بشري، لكن المحك والذي يكشف زيف البدايات هو موقفنا بعد الخلاف، وهذا الخلاف هو ابتلاء يمحص الله به الصفوف، فلا يبقى إلا من يصاحب إخوانه -في العلم وبالدعوة- بتعاليم القرآن فيتخذ ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم نبراسا، فيصبر على جفوتهم وما يحصل منهم، فيقطع الطريق على أعداء الدين الذين يتلهفون في تلقف أولئك الذين لهم بعض الخلاف مع إخوانهم بهدف استغلالهم في تشويه سمعة الدين، فكم يتكرر موقف ملك غسان مع كعب بن مالك رضي الله (الحق بنا نواسك)، والموفق من وفقه الله وثبته، وتمسك بـ (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم).

﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم سمو بالذات عن الدنيا، وإيثار لمرضاة الرب ومحابه على حظوظ النفس، فلم يصاحبهم طلبا لعزة ولا جاه، ولا ليؤدوا له حقوق الأخوة ويواسونه، كلا كلا؛ لا حضور للدنيا وحظوظها وزينتها في علاقات المؤمن ومؤاخاته، فهل كان أولئك الذين نزلت فيهم الآية: بلال وصهيب ممن يرتجي منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعا دنيويا؟ أيملكون مواساته؟ ألم يكونوا دونه نسبا؟ فهل هذه المعاني حاضرة في مؤاخاتنا؟! علام يستحي بعضنا أن يرى قرابته صحبه في العلم والدعوة إذا كانوا أقل منه مالا وأضعف نفرا؟ أين هو من زين العابدين بن علي حين أحس بأن من حوله يلومونه على جلوسه عند مولى عمر زيد بن أسلم قائلين له: تدع قريشا، وتجالس عبد بني عدي! فقال: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع؟ لا شك أن من يتدبر ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّيصدع لسانه لأهل المقاييس الدنيوية بـ (إنما يجلس الرجل حيث ينتفع).

دعونا نصارح أنفسنا: لماذا يجد المرء على نفسه إن لم يقوموا له بحق المواساة إلى حد اتخاذها ذريعة لهجرهم وترك سبيلهم؟! نعم؛ المواساة مطلب وواجب ولكنها ليست الغاية، وإذا عدنا إلى قصة كعب بن مالك الآنفة الذكر والتي فيها من تمثل هذه الآية ما فيها لرأينا أخلاقا أحرى بنا تمثلها عند الاختلاف، يقول كعب بن مالك "فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة"([3]) لم يعتب عليهم فضلا عن هجرانهم لأن عينهم كانت ترى الإحسان ولم تكن ترى ما عداه، ولو استعملنا هذا مع صحبة العلم والدعوة لسلمت مؤاخاتنا من حظوظ النفس.

يمرض الواحد منا فلا يزوره أحد، أو يمر بضائقة فلا يقف معه أحد، فيظن أنه بلغ من البلاء مبلغا فيهجر الجماعة، هلا قبل أن تهجر صحبة الخير عرضت محنتك على محنة الثلاثة الذين خلفوا؟ خمسون يوما هجرهم الناس حتى فرق بينهم ونسائهم، وكل هذا لم يكن لهم سببا لترك الجماعة، فلماذا نحن لأبسط سبب وأتفه عذر نهجر الصحب؟ لماذا نلهف لنجيب رسالة الأعداء (الحق بنا نواسك)؟

الجواب: غياب تدبر ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ.


[1])  البخاري ح (660) 

([2]) البخاري ح (16)

([3]) البخاري ح (4418)

اظهار التعليقات