الجهاد بالكلمة وتدبر القرآن الكريم
د.غُـنْــيَــة عبد الرحمن النحلاوي
QR code
09/02/2017       1915 مشاهدة

مقدمة: سبحان من علمنا البيان، وجعل الكلمة معجزة الإنسان؛ تهدي أو تضل، تشفي أو تجرح وتؤلم، وهي أمضى سلاح في مناوشات الحق والباطل.. وبدأنا تعالى بها منذ آدم، وختم بها رسالاته حين جعل القرآن معجزة الإسلام؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـكِن  جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، فالقرآن المبين بآياته وكلماته هو النور الـمُهدى للخلق، وتجد في كتاب الله تعالى خصائص الجهاد بالكلمة عمومًا والكلمة القرآنية خصوصًا، نتعلمها لنقيس عليها ونقتدي بها؛ عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم))(1)، ومن نافلة القول أن أمر الكلمة اليوم أشدُّ إلحاحًا مع الطفرة الهائلة في تقنيات الاتصال والتواصل.

أهمية الفكرة: في أنك اليوم تجاهد بالكلمة مهما كان موقعك، ونحن بالنسبة لها على أحد حالين نتنقل بينهما:

·      الأول: عندما تتلقاها (الكلمة) بأن تترصَّدها من مظانِّـها وتتخيرها لتعلِّم وتحصِّن نفسك، ولتنشرها وتنقلها لغيرك، أو لتبحث وتسأل عنها من هو أعلم منك قال تعالى: ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذي عِلمٍ عَليمٌ﴾.

أو أنك تتلقاها منفعلًا ومسيَّرًا فتكون المقصود والمستهدف بسلاح الكلمة أنت ومبادئك، إن خيرًا فخير أو شرًا فشر، وذلك بالبيان المرئي والمسموع والمقروء، ومنه الطرق التفاعلية (كالدورات التدريبية) وبعضها يمرر أفكارًا تهز العقيدة بسبل غير مباشرة، ويستهدف جيل الشباب الذي يكون منفعلًا وإن بدا فاعلا.

·      الثاني: عندما ترى عليك في الحق مقالًا فتجاهد بالكلمة: تقولها، تكتبها، تبيِّنها بأي وسيلة مثبتًا حقا لأهله أو مبطلًا باطلا.. وإنَّ فهم وتدبر القرآن الكريم على رأس أركان الجهاد بالكلمة ودعوة الخلق أجمعين وليس المسلمين فقط؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً  لِّلْعَالَمِينَ ﴾، وأحد حقول هذه الرحمة تعليمنا الجهاد بالكلمة من تدبر كتابه تعالى، قال ابن مسعود "من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن".

 

وظائف الجهاد بالكلمة: نوجز منها:

·      الدعوة إلى الله رحمة بالعالمين ورد هجمة الباطل وكشفه وهي الرحمة الشاملة: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً  لِّلْعَالَمِينَ ﴾.

·      الإصلاح: قال عزَّ من قائل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾، ولعل من جهاد الكلمة الدفع بالتي هي أحسن تمهيدًا للقلوب: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾.

·      الأمر بالمعروف في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾، والسؤال: خيرية الأمة أين نحن منها اليوم؟! واضحٌ أن خيرية أمتنا لا يعيدنا لها ويعيدها لنا إلا صدق الإيمان بالله تعالى والإحسان لعباده بالصدع بكلمة الحق والمعروف، والنهي عن المنكر وهو أحد أشكال تغييره الثلاثة(2).

·      التصدي للحرب الكلامية (الإعلامية بلغة اليوم) والتي قد لا تقل إيذاء وشراسة عن الحرب المادية.

 

نفع الكلمة وفعاليتها: الحافز والتهيئة: دائما تجد دواء فعالًا لمرض وغير فعالٍ لمرض آخر وكذلك الكلمة؛ فالمعوَّل عليه لفعالية الكلمة: ١) من يصدع بها. ٢) وجود متلقين مستعدين.

وأهم المفاتيح والبواعث للطرفين:

١- الإيمان والخيرية للمتدبر والمتلقي: جهاد الكلمة هو أحد مفردات الأمانة التي حملها الإنسان (الأحزاب: ٧٢)، والحافز الأكبر الذي ينطلق بك لأدائها هو الإيمان بالله تعالى، وحمل همِّ المسلمين، بل وعموم البشر، فتخرج الكلمة من هذا الوعاء الممتلئ باليقين والإيمان، عفويًا أو بتخطيط مدروس حسب الوضع، لتجد متلقيًا متلهفًا، كموسى عليه السلام وقوله للرجل الصالح: ﴿ هَل أَتَّبِعُكَ عَلى أَن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمتَ رُشدًا ﴾، ومن عجائب استجابتنا الفطرية لدعوة الله تعالى لنا لما يُحيينا إيمانًا وإسلامًا أنك تتمنى أن يشعر كل إنسان بسموِّ وجمال ما أنت عليه وينال ثواب ما تعيش، حتى لو كان فتى في الاسكيمو.. أو سيدة تحمل طفلها في أفريقيا.. أو عجوزا في الصين.. وإنها لأمانة.

٢- سلامة القلب وأدوات التلقي والإرسال: لا بد من انفتاح القلب وسلامته عند طرفي جهاد الكلمة؛ يقول تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وأصل القفل اليبس والصلابة.. وهنالك نفوس تلمُّ بها أمراض عارضة ولكن فطرتها تجعلها تنتفع بكلمة الحق إذ تتدبرها ثم تنفع بها؛ وهناك داء عضال تكاد لا تنفع معه الكلمة، وهي القلوب القاسية والعقول المصمتة، كالمشركين الذين على فصاحتهم لم ينتفعوا بالقرآن الكريم بل دعاهم تدبره للقول أنه شعر أو سحر!! فهنيئًا لمن أتى الله بقلب سليم فكان كإبراهيم عليه السلام: ﴿ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾، وهنيئًا لكل من احتفظ بقلبه سليمًا، فالقلب السليم يعيد العبد إلى ربه عاجلًا أو آجلًا فيتدبر كلامه ويبلِّغه، وإن السمع والبصر والفؤاد واللسان هي الموصلة للقلوب، بل إن كل نسيج في كيانك.. وخلية من خلاياك ستشهد لك يوم القيامة فيم استعملتها؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ ﴾، سبحان الله! وكأن السمع والإنصات لكلام الله مدخلنا للرحمة، وهي مع النظر ببصيرة نجاتُنا في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هـذِهِ أَعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمى وَأَضَلُّ سَبيلًا ﴾، وتفعيل الحواس هو من الإعداد لجهاد الكلمة باعتبارها قوة؛ قال تعالى: ﴿ وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم ﴾، ويتم بالانتقال بعموم المؤثرات المشاهدة والمسموعة إلى المحاكمة الفكرية وفقًا لفطرتنا الهادية لعبادة الله تعالى وحده.

٣- الإحاطة والسعة: وأنت تقوي ملكتك في التدبر وبيان الحق.. انتبه ولا تدع نفسك في طرف واحد، باستمرار تبادل مقعدك مع الطرف الآخر: المعطي لتعلم كيف تتلقى منه، والمتلقي لتعلم كيف تجعله يستجيب؛ حاول أن تخرج نفسك من الإطار بين الفينة والفينة وتلقي نظرة على المشهد بكامله وعلى مجموع الآخرين فيه: من معك ومن ضدك من ناس وبيئة فكرية، علمًا أن كل إنسان هو معطٍ ومتلقٍ باختلاف مراحل المشهد.

٤- الإخلاص وصلاح النية: من عجبٍ أن الداعية لله أجره "أن يتخذ المدعوُّ.. إلى ربه سبيلا" قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، أما من نيَّته وهمَّه التكسب بالكلمة على كافة الوجوه، فأعظم بلاء يناله أن يُحصِّل المكاسب أوفر ما تكون.. فقط في الدنيا.. ويحرم من ثواب الآخرة!

وفي جولاتك مع الكلمة آخذًا أو معطيًا أَحْدِث نية وتوجَّه بها لله تعالى.. جدد نيتك.. صحح التوجيه كل حين، فالنفع محققٌ بصلاح النية بإذن الله حتى لو تأخر انعقاد الثمرة، ومن الأسوة الحسنة في الإخلاص في جهاد الكلمة الجمع بين سنة الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَيا قَومِ لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ مالًا إِن أَجرِيَ إِلّا عَلَى اللَّـهِ﴾، وبين مبادرة نبي الله يوسف: ﴿ اجعَلني عَلى خَزائِنِ الأَرضِ إِنّي حَفيظٌ عَليمٌ ﴾، وهو الذي جاهد بالكلمة حتى في السجن، عليهم السلام أجمعين، فالمناط النية، وفرقٌ كبير بين التجارة مع الله بما يرضي الله، والمتاجرة بالدعوة طلبًا للشهرة أو الحظوة أو المال.

٥- اليقين بما أنت عليه فلا تشك أن كلمة الحق ستنتصر؛ قال تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾، وقرأت للشعراوي فيها: "الحق من الله سبحانه وتعالى، ولكن الحق لابد له من قوة تحميه فما فائدة أن يكون معك سيف بتّار دون أن توجد اليد القوية التي ستضرب به؟! ونحن غالبًا نكون مُضيِّعين للحق لأننا لا نوفر له القوة التي ينتصر بها"، وهذا القول يأخذنا إلى خصائص تلك اليد القوية لتحسن المجاهدة بكلمة الحق:

خصائص الجهاد بالكلمة والمتابعة نحو الهدف:

هذه بعض تلك الخصائص نتعلمها من كتاب الله سردًا لمجملها وتفصيلًا لبعضها، ونقيس عليها:

١) البيان: إن من مقومات بشريتنا أن نتسامع.. أن نتواصل ونتشاور بأدوات منحنا إياها رب الكون سبحانه؛ قال تعالى: ﴿الرَّحْمَـنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، والبيان لغةً: الإظهار والإيضاح، وهو منحة إلهية وتعليم رباني..

من/ بارئنا باسمه تعالى "الرحمن" فــ"البيان" هو رحمة بنا.

لنا/ نحن عباده، بني "الإنسان" الذي خلقه الرحمن وعلمه البيان؛ قال السعدي: "علّمَهُ البيانْ؛ أي: التبيين عما في ضميره، وهذا شامل للتعليم النطقي والتعليم الخطي، فالبيان الذي ميَّز به الله الآدمي على غيره من أجلِّ نعمه وأكبرها"(3).

واقرأ في مطلع الدخان والزخرف: ﴿ حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾، فمن صفات القرآن الكريم والتي تجعلنا نفهمه ونحصِّل فوائده بالتدبر ونبلِّغها: أنه "مبين"، وإنِّ خاصة الإبانة للقرآن الكريم هي لكل آدمي فطرةً إذ علَّمَهُ تعالى القرآن والبيان ليتفاعل مع القرآن؛ تعرف ذلك من غير العرب وتبيُّنِهم لآياتٍ دعتهم للإسلام على عجمتهم.. وهذه معجزة القرآن ومن أسس "عالمية الإسلام"، وعندما جعلنا بارئـنا شعوبًا وقبائل لنتعارف كان البيان على رأس أدوات التواصل والحوار والتفاهم، ومن حسن البيان الأناة في تكرار القول والتبيين على وجوه فلعل السامع لم يتبيَّن، كما أن تبادل البيان مفتاح للكسب والرزق بجميع أصنافه (الروحي والمعنوي والمادي)، من ذلك أنه مفتاح للصلاح وتقويم الزلل! وكم يظلم نفسه من يأبى إلى بيانها! فهو المبين.. وهو الناصح العالم لا غير! عافانا الله من الغرور.. وأبعد عنَّا الكبر وأهله!

ومن قوة البيان جذب اهتمام السامع مع التزام الصدق وعدم خداعه كالشائع اليوم، والمثال القرآني من قوله تعالى يمتدح عباده: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾، وانظر كيف تلتزم الكلمتان المتناقضتان المتعاديتان في حِسِّنا بعضهما كالتوأم في الرحم.. في تداخل وتشابك عجيب لتحدث كلمات الآية هزة عنيفة في نفوسنا؛ قال الشوكاني في فتح القدير "وخَصَّ تعالى الغضب بالغفران لأن استيلاءه على طبع الإنسان وغلبته عليه شديدة، فلا يغفر عند سَوْرَة الغضب إلا من شرح الله صدره وخصَّه بمزية الحلم"! مزيَّةٌ وهبها المولى للأخيار جعلنا منهم.

الخيرية وهي تتلازم مع البيان: تدبر أهمية ألا تقول إلا خيرًا في قوله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾، فالكلم الطيب هو عمل صالح، ومع ذلك أفرده الله تعالى ليلفت نظرنا لأهميته(4)، وانظر عجبًا كيف أن الكلم الطيب يصعد للسماء خفيفًا سريعا، وأن العمل الصالح قال لنا الحق عنه أنه هو يرفعه، ولعل هذا لأنه يحتاج لتمحيص (ولو صالحًا).. سبحان الله وبحمده! عسانا نرتفع بقيمة كلماتنا ونوع ألفاظنا.. وما نقول وما ننقل، فالقول لسرعة انطلاقه يحتاج لرقابتنا قبل أن تفلت الكلمة أو نخط الخاطرة، فما بالك به في جهاد الكلمة!؟ وليس يكبح القبيح منه مثل عيشك مع القرآن!

٢) أدب الحوار وحسن الخلق ومنه كظم الغيظ والصبر: وهي صفات متكاملة، تلزم العالم والمتعلم وكل من يدعو بالكلمة؛ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، ويشمل حسن الخلق بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى، وقال الإمام أحمد "حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس"، فكلما كدت تغضب ممن تبين له حقا فلا يتبينه وكدت تقول هُجرًا، جادله بالتي هي أحسن، وتذكر "أف" ابراهيم أصغر كلمة تضجر باللغة من قوله تعالى: ﴿أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّـهِ أَفَلا تَعقِلونَ﴾، (وقيل هي ليست كلمة بل صوت الهواء)؛ وأمام عصيان وإنكار كلامك الحق يقينًا.. تذكر حلم الخليل، وإن استغضبوك وكدت تدعو عليهم تذكر دعاءه لهم واصبر: قال تعالى للحبيب صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وأولو العزم؛ أي: أرباب الثبات والحزم، وكلهم جاهد بالكلمة، ونعلم الأعاجيب من صبرهم(5)، وخاطبه تعالى للصبر على أقاويلهم: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾، ثم علّمه سبحانه كيف يُعالج الأمر بالتسبيح بالحمد في صلواته ودعواته: ﴿وَسَبِّح بِحَمدِ  رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُروبِها وَمِن آناءِ اللَّيلِ فَسَبِّح وَأَطرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرضى﴾، وأنت بالصبر تستعيد توازنك وسلامك النفسي، وبهذه الطمأنينة والرضا تتخذ الموقف السليم الحكيم وأنت تجاهد الباطل بالكلمة.

٣) التقوى، والسداد والدقة: وتلك من أهم خصائص جهاد الكلمة التي يُـمكِّنك منها العيش مع القرآن وتدبره؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾، وقد يدهشك أن القول السديد المقترن بطاعة الله ورسوله هو مفتاح إصلاح العمل ومحو الذنوب، ودليل تقوى الله؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، واستبشارك بكلمة الحق يعني أنك من أهل التقوى؛ قال تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُدًّا﴾.

٤) الظهير: وهو يتمثل بالمنابر ودور النشر العادية والإلكترونية، وليس فقط بالقبيلة والدولة، ومثالنا شعيب عليه السلام ورغم أنه خطيب الأنبياء كما سماه المفسرون إلا أن قومه قالوا: ﴿ ما نَفقَهُ كَثيرًا مِمّا تَقولُ وَإِنّا لَنَراكَ فينا ضَعيفًا وَلَولا رَهطُكَ لَرَجَمناكَ ﴾، ولم يأبهوا لحسن مقالته وقوتها وبلاغة بيانه بل اهتموا بمكانة قومه، وهكذا فأكثر الناس-إلا من رحم ربي- لا ينفع معهم جهاد الكلمة بمعزل عن القوة المادية للداعية للحق، ويتحرَّون مواطن ضعفه ليتعاملوا معه وفقها فينقَضُّوا عليه ماديًّا.. ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه!

تطبيق عملي: قصة نوح عليه السلام: وهي ثرية بالفوائد إذ غطت ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ﴾، منها:

- تنويع الأدوات ما استطعنا في الدعوة إلى الله تعالى بالكلمة، فنوح عليه السلام بسط دعوته لعبادة الله وحده: ثم بشر قومه وأنذرهم، وخاطب عقولهم وقلوبهم، وكلمهم سرًّا وعلانية، وطرق فيهم ملكة التفكر والتدبُّر بعلوم تدعو للإيمان كالفلك وعلم الجنين: ﴿ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّـهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾، بل ودلـَّهم على أسرار الربح والخسارة في الدنيا قبل الآخرة: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾.

 - الصبر على الأذى وطول المدة ونحن قوم نستعجل، فجهاد الكلمة لا يمكن أن يكون "حربا خاطفة" إذا شئت له أن يُثمر، قال تعالى للحبيب بعد أن روى قصة أخيه نوح التي كان طوالها في قمة الصبر على مكر قومه وإضلالهم فوق الصد والتكذيب: ﴿فَاصبِر إِنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقينَ﴾! وأحرز نوح خلالها رصيدًا من الطاعة والجهاد في الدعوة.. تجعلك تفهم بأي ثقة وأي يقين نادى ربه: ﴿  أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴾، ليستحق النصر بإغراق "قوم السوء" أجمعين، ثم استحق ومن آمن معه العاقبة في الجنة أن كانوا أوائل المتقين.

- وقد نستغرب وصفه تعالى لمعاناة نوح عليه السلام بـ {الكرب العظيم}، مع أنه لم يتعرض وأتباعه للتعذيب والتهجير والتقتيل!! فقط جاهدهم بالكلمة، وناصبوه العداء بالجدل العقيم والتكذيب والمكر والتهديد!!

أواه.. بلى.. هو كرب عظيم.. سبحانك ربي: تخيل نفسك تدعو قومًا، بل قومك: ألف سنة إلا خمسين عاما (تسع مئة وخمسين سنة).. تخيل!!

أنت إذا ناقشت أحدهم تسع دقائق حنقت أنه لم يبصر الحق الذي كالشمس.. ولو تابعت ندوة لتسعين دقيقة قُلِبَ الحقُّ فيها باطلًا، أو شاركت في دورة لتسعة أسابيع بل تسعة أيام للدعوة للحق دون تجاوب يذكر لبلغ انزعاجك الذروة.. ستقول هذا نبي، ولكن كم يوم أو شهر بذلت مقارنةً بالنبي في الدعوة إلى الله تعالى؟! وأضف للجدل والتكذيب قبح الاستهزاء وخسّة المكر: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾، ومرارة الزجر والسب؛ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾، (قال المفسرون: زجر عن تبليغ رسالته بالسب وغيره، وقال ابن كثير: "فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز وجل، فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يقصدون لأذاه ويتواصون قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل"، هو حقا كرب عظيم مع أنه اقتصر على الجهاد بالكلمة!!

ختاما: هي كلمات تحيي.. وأخرى تقتل: وسبحان الله؛ انظر كيف أن كلمات نوح في الدعوة إلى الله أحيت من اتّبعوه ونجوا في السفينة، وكلمات الذين حاربوه بها تكذيبًا وسخرية وزجرًا ومكرا -وهم الأكثرية- قتلتهم ومن أطاعهم غرقًا بعد تسع مئة وخمسين عامًا من الاستكبار عن الحق!! وتتوالى أجيال تحارب شرعة الديان والسائرين على صراطه المستقيم بالكلمة وغير الكلمة، وهم يحدِّثون ويطوِّعون جيشًا من الأدوات "لسلاح الكلمة" يعتمدُ خداع الحواس وتجييش المشاعر وحرف الأفكار في عصر العولمة والميديا!! ولكن انتظر.. فللمشهد الختامي من القصة بقية تزيدك تعجبا.. إذ استمر ذاك التواصي المشين استكبارًا: فعن أبي سعيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم؛ أي رب، فيقول لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا؛ ما جاءنا من نبي!! فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ صلى الله عليه وسلم وأمته، فنشهد أن قد بلَّغ، وهو قوله جلَّ ذكره: ﴿كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والوسط العدل)) رواه البخاري، ووجدت نفسي أقول: بلى؛ نشهد عليك السلام أنك بلَّغتهم! وانظر ما بلغ بهم كفرهم أسوأ ما تنحط كلمات بقائل يحارب بها كلمة الحق التي كالشمس في رائعة النهار! يا إلهي.. أعَلى رب العالمين يكذبون.. وبين يدي الساعة؟! سبحان الله.. ما أسوأهم من قوم.. وما أشدها دعوة النبي على قومه: ﴿ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿٢٦﴾إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، والحمد لله الذي بحكمته وعزته أغرقهم فلم يبق منهم ديّارًا، لتنقرض مورثات هذا التشويه السلوكي والفكري.. اللاأخلاقي. د. غنية عبد الرحمن النحلاوي. الرياض: ٩ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ (6/2/2017 م)

 ___________

الهوامش:

1) رواه النسائي، وصححه الألباني في"صحيح أبي داود".

2) في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه.." الحديث

3) تفسير السعدي ص ٧٩٢، ط ابن حزم (2003).

4) تفسير الكلم الطيب؛ أي: "كلمة التوحيد وجميع عبادات اللسان"، قلت: فهي تضم الجهاد بالكلمة الطيبة حسب تعريف ابن تيمية للعبودية: (كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال).

5) وقال ابن عباس: ذوو الحزم والصبر، وهم كما نعلم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام (الشورى 13)، وهو قول ابن عباس وقتادة (تفسير البغوي)، وهو الراجح، وبعض العلماء يرى أنهم كل الرسل لأن الكل أصحاب عزم.

اظهار التعليقات