﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
أ. د. ناصر بن سليمان العمر
QR code
18/12/2016       1861 مشاهدة

الحمد لله القائل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أما بعد. 

فهذه الآية الكريمة تتضمن القاعدة الكبرى التي يجب أن يقوم عليها أساس بناء الحياة الزوجية، والتحقق بما فيها تحققٌ بواحدةٍ من أهم غايات الزواج؛ سُكنى الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، ومن هذا يُعلم أن طروء الشِّجار والخلاف بحيث يصير هو الطبيعي في الأسرة دليلٌ على أن هناك خللًا عظيمًا يجب استدراكه، وإلا فليست الزوجة سكنًا بل جحيمًا، وليس الزوج سكنًا بل غريمًا! 

لقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأصل في العلاقة بين الزوجين هو المودَّة والرحمة، كما أنه جلَّ وعلا قد بيَّن أن الأصل في المولود الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة»(1) فإنَّ الأصل في الإنسان هو الإيمان، والكفر طارئ ناشئ، فكذلك الأصل في الحياة الزوجية والأسرية هو الاستقرار والمودة والرحمة والسَّكن، فإذا فُقدت هذه الأشياء فعلى الزوجين أن يبحثا عن سرِّ هذا الفقد، وليس معنى ذلك أنه لا ينبغي أن تقع مشكلات داخل البيوت، فلو خلا بيتٌ من المشكلات لكان ذاك البيت هو بيت النبوة، لكنه لم يخلُ منها، لكن فرقٌ بين الشيء العارض اليسير وبين أن يتحول العارض إلى أصل أصيل!

فالمقصود أنَّ هذه الآية القرآنية تتضمن آيةً من آيات الله الكونية، وهي أن الله تعالى قد جعل الزواج سكنًا، وجعل بين الزوجين -مهما تباعدا في النَّسب- مودةً ورحمة، وبالتالي فإن التنازع والشِّقاق بين الزوجين هو خلافُ الأصل؛ يحتمل ما دام أمرًا عارضًا.. ولابد أن يُعالج خلله إن تجاوز ذلك.

إن اليقين بهذه القاعدة وجعلها الأساس والمنطلق للحياة الزوجية يَـحُدُّ بإذن الله من الخلافات بين الزَّوجين، لأن كلَّ واحد منهما -عند حصول الشِّقاق- يعلم بأنه قد خرج عن الأصل الذي تُبنى عليه العلاقة الزوجية، فتتيسَّر لهما العودة إلى هذا الأصل.

فالإنسان متى ما وجد في حياته أو في صحته اعتلالًا أو مرضًا فإنه يبادر إلى علاجه، وكذلك فإن فقدان المودة والرحمة أو ضعفهما وعدم السَّكن والاستقرار في الحياة الزوجيّة هو داء دويٌّ ينبغي معرفةُ سببه ليتيسَّر علاجه، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء؛ جهله من جهله، وعلمه من علمه»(2)، فليقف الزوجان وقفةً متأملة عند هذه الآية الكريمة، ويجتهدان في النظر إلى مسار حياتهما ليعرفا سبب العلّة والداء، ومن ثم يتطلعان إلى معرفة الشفاء والدواء، والعودة إلى حال الصحة والعافية، وهي الحال الأصيلة.

_________________________________________________

كتبه: أ.د. ناصر بن سليمان العمر

(من مقالة منشورة في موقع المسلم)

 


(1) رواه أبو داود (4716) بسند صحيح.

(2) رواه ابن حبان (6062) بسند صحيح.

اظهار التعليقات