عهود وعقود قرآنية نشرف بها (1 من 2)
د.غُـنْــيَــة عبد الرحمن النحلاوي
QR code
14/11/2016       1970 مشاهدة

أذكر في بداية عهدي في الاطلاع على تفسير القرآن الكريم أنني قرأت أنَّ سورة المائدة هي "سورة العقود والعهود".. (وأحسبها عبارة صاحب الظلال).. ثم إنني خلال عيشي مع آيات القرآن الكريم وتدبُّرها صرت ألحظ المزيد من العهود والعقود المتنوعة والتي كان يدهشني العامل المشترك بينها، وهو أنها مهما تنوعت من حيث المضمون والأطراف المتعاقدة فهي بالمقام الأول عقودٌ بين العبد وربه! سبحان الله.

ولا ينقضي حيائي من ربي وهو ﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ يحييهم ويميتهم عندما يشاء، ثم إنه الرحيم الودود، الحفيُّ بهم فيُعْلي مكانتهم حين يقيم بينه وبين كلٍّ منهم عهدًا بدون وسيط هو عهد الفطرة، وسبحانه ما أكرمه إذ يُبرم مع خلقه المزيد من العقود المتفرعة من هذا العهد، فيرفعهم ليرتفعوا بأنفسهم وأخلاقهم بأنهم مؤمنون ، وأنهم عابدون محبُّون له تعالى طائعون لرسله، قال تعالى﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ ويرتفعوا بوسائلهم وغاياتهم وِفْقَ الشرعة والمنهاج بحقّ أنه خلقهم وسخّر لهم الكون وأعدّهم ليوم الحساب. فإلى وقفاتٍ تدبّرية مع بعض هذه المواثيق والعهود القرآنية، نرقى بها وترقى بنا.

- العهد الأول: إن هذا العهد هو العهد العام والأساس لجميع البشر تجده في قوله تعالى:﴿ وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَني آدَمَ مِن ظُهورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قالوا بَلى شَهِدنا أَن تَقولوا يَومَ القِيامَةِ إِنّا كُنّا عَن هـذا غافِلينَ ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وسيَرِد في آيات غيرها، وما عداه من عقود وعهودٍ خاصةٍ في القرآن كتلك المتعلقة ببعض الأمم، أو بالأنبياء وورثتهم من العلماء هي بالعموم مشتقة منه، تربطها الآيات به بشكل مباشر باللفظ والمعنى، أو بالمعنى فقط.

فهو عهد وثيق محفور في مورِّثاتنا (أو صيغتنا الوراثية)، في أدقّ ما في خلايانا: المورثات (أو الجينات)(1)؛ أخذه بارئنا علينا.. على كل نسمة منا ونحن ذرٌّ في ظهر آبائنا من بني آدم، وصيغته ومقتضاه: 

·     أنه سبحانه وتعالى ربُّنا، فقلنا: بلى.. وشهدنا وأقررنا، ومن عجبٍ أنها هنا بصيغة السؤال التقريري: ﴿ ألسْتُ بربّكم ﴾، كأنها تأكيد لحقيقة أقدم منذ الفطرة الأولى؛ قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: ٣٠]. 

·     وأنه سبحانه ﴿ لَهُ دَعوَةُ الحَقِّ ﴾ [الرعد: ١٤]، ودعوة الحق هي كلمة التوحيد.

·     وأنه سبحانه أخذ علينا الميثاق بالإيمان به؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [الحديد: ٨]، وجاء في تفسيرها: «والحال أنَّ الله قد أخذ ميثاقكم حيث أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، أو بما نصب لكم من الأدلة على التوحيد»(2).

وتلك الثلاثة ندين من خلالها له وحده عز وجل بالعبودية ونوفي له تعالى بالعهد الأول الذي يشملنا مع كل بني البشر، فهو عهد للأمير والفقير، للعامل ومدير الشركة، وهو للأمم قاطبة، البائدة والسائدة، وهو للقبلي والحضري.. وهو للهولندي كما هو للكوري، فهو رحمة للعالمين على امتداد الجغرافية وعمق التاريخ حتى يومنا هذا، وقد استحضرتُ هذا الإسقاط الواقعي وأنا أتدبر آياتٍ ربطت عقدًا خاصًا يتناول حال أهل الكتاب من حيث الأمانة والخيانة في الأموال بذلك العهد الأول العام، وكيف نقضوا القاعدة في تساوي البشر أمام العقود كما سيلي..

- عهودٌ مشتقة وفروعٌ مباركة: وهي منتثرة في آيات القرآن الكريم كالزهور في الخميلة.. فأرعها انتباهك لتشرق بها روحك وتقوِّم خَطْوَك في سِلْمِك وحربك، ومنشطك ومكرهك، وحتى المأكل والمشرب؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾، وفي تفسير الآية: "العقود هو لفظ يشمل كل عقد وعهد بين الإنسان وربه وبين الإنسان والإنسان"، وقال الزمخشري فيها: "العقد هو العهد الموثق، وشُبِّه بعقد الحبل"(3)، فإلى أمثلةٍ منها: 

الفرع الأول: عهد الاستخلاف والتمكين والتأمين في الأرض: وهذا العقد هو أعظم فروع العهد العام، ينال الإنسان بمقتضاه ثلاث مقوّمات أساسية لسعادته وإعمار الكون؛ قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: ٥٥]، وهو تفصيل وتوضيح للعقد الموجز عند هبوط آدم من الجنة في قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (البقرة: ٣٨).

وآية سورة النور بيّنت أركان العقد الثلاثة:

[١] الطرفين المتعاقدين: فهو عهد بين الله سبحانه عزَّ شأنه، طرفه الثاني﴿ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ وتذكَّر أنك طرف في العقد؛ (كلمة منكم)، وأن عملك فيه يضم اتباعك "هدى الله"، وكلّ مفردات "عملك للصالحات".

[٢] وموضوع العقد ونصُّه أن الله تعالى يتعهد للطرف الثاني بهيئته المنصوص عليها: "إيمان وعمل الصالحات"، بكل من الاستخلاف والتمكين والتأمين، مقابل قيام الطرف الثاني بعبادته تعالى حقّ العبودية وعدم الإشراك به.

[٣] والشرط الجزائي: وهو أن من خرج عن شِرْعَة التعاقد والمنهاج التفصيلي لعقد العبودية (ووردت بعض عناوينه في الآية التي تلت: ٥٦)، و﴿ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ الإبرام، فقد فسق وأخلَّ بالشرط الموجب لمنحه حق الاستخلاف وميزة التمكين والأمن بعد الخوف، وهذا يعني فسخ العقد الضامن للمنح الثلاثة، ولقد تحققت الآية في صدر الإسلام وشهد العالم انتشاره وسؤدده فاعتبرت الآية من معجزات القرآن، ولكن أين نحن اليوم من هذا الوعد.. كما تسمع من المتذمر والـمُشَكِّك! فالله تعالى سمّاه وعدًا والوعد يستوجب التحقيق.. ونحن نرى ونعيش بؤس المسلمين وعجزهم وتكالب الأمم عليهم؟! فأكرمنا سبحانه بتوضيح الأسباب مع أن أكثرنا يعرفها في قرارة نفسه وأنه أخلَّ بمقتضيات العقد، لكنه يغفل البيان الإلهي ولا يتدبر في قوله تعالى:﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾! وهذا يذكرني بابن تيمية حين سئل عن قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ [البقرة: ٢١]، فألَّف في تدبرها كتابه "العبودية"! ونحن ما عبدناه حق عبادته بالمعنى الصحيح الشامل وليس مجرد الشعائر، وإنَّ الشرك لغفلة أكثرنا(4) صار كالوباء بأثواب مموهة.

الفرع الثاني: العقود الاقتصادية المالية: في عصرنا يعتبر "المال عصب الحياة"؛ قال تعالى: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ﴿١٩﴾ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا   [الفجر: ١٩ - ٢٠]، فالحب الجم للمال قد يعمي ويصمّ عن الحق، لذلك انتظمت مناحيه عقود قرآنية ونبوية، وفصّلتها مصادر التشريع، مثل تنظيم الإرث وحق اليتيم وعقد المداينة، ونبذ الربا في عقدٍ فَصْمُهُ هو محاربةٌ لربّ العزة! والذي على النقيض منه (القرض الحسن)، وهو من أعجب العقود بين الله تعالى وعباده؛ قال تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وهو بعموم المعنى النفقةُ الصالحة، وكلُّ عملٍ حلالٍ يُراد به وجه الله تعالى أُقرضه إياه! تخيل!! فيضاعفه لي أنا الذليل الضعيف.. وننسى.. ونجحد!!

وهنالك عقد الوفاء بالأمانة: أمانة الكلمة، وأمانة القنطار والدينار، كما أشرنا، وسنتدبره كمثال [آل عمران: ٧٥ -٧٨]: 

- أداء الأمانة (في الوديعة واليمين والنص المنزّل): قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

وسبحان الله حين ربط الوفاء بالأمانة مع التقوى تعظيمًا لشأنها من جهة، وللدلالة على عقد آخر هو "التفاضل بالتقوى"، ففي الأمانة كما في كل شأن: المقياس هو العمل الصالح وتقوى الله، وليس الجنس والعرق: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾، هو تعالى يحبهم لتقواهم أميين كانوا أو غير أميين، وهنا انطلقت الآيات بنا من عهد بين الناس إلى العهد مع الله تعالى لتؤكد حقيقة الارتباط الوثيق لأمانة البشر بالعهد مع الله تعالى في قوله عزّ وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّـهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ ﴾، فالأمانة عقد من بنود ذلك العهد العام، واجبة الوفاء بغض النظر عن أصل وفصل الذي ائتمنك على مستوى الأفراد والأمم! وأول من نقضه كفار أهل الكتاب الذين قالوا متبجحين: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾؛ أي: في ما أَصَبْنا من أموال العرب، وهم ﴿ يَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ ﴾، فالتفاضل على غير التقوى (كالتمييز العرقي) هو كذب على الله تعالى، ومن خيانة الأمانة يومذاك واليوم وكل يوم: تحريف كتاب الله تعالى والكذب عن علم، وهو أعظم إثما من القول على الله بلا علم(5) .. وللبحث صلة..

–––––––––––––––––

الهوامش: 

1) تدبر القرآن في الزمن الصعب مخطوط (الثالث في مسابقة الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم الفرع العلمي قسم البحوث العلمية). 

 2) زبدة التفاسير مختصر فتح القدير للشوكاني الشيخ محمد سليمان عبد الله الأشقر ط الخامسة 2006- 1427-دار النفائس - ص 538 

 3) صفوة التفاسير للشيخ محمد علي الصابوني، المكتبة العصرية بيروت –ط2003=1424 / مج 1= ص 302//

 4) وانظر مقال الغفلة //www.alukah.net/sharia/0/80108

5) تيسير الكريم الرحمن، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي –دار ابن حزم ط الأولى (1424ه-2003م) ص119، ولنا عبر في قصص بني اسرائيل وأحوالهم في القرآن الكريم لنتبين فنتجنب الآثام التي جعلتهم يستحقون تلك اللعنة وذاك الغضب ناهيك عن الذلّة والخزي!

اظهار التعليقات