أسرار التعبير بالفرائد في قصة زكريا عليه السلام
أ.د. عبد الله عبد الغني سرحان
QR code
16/11/2016       1964 مشاهدة

قصة زكريا عليه السلام ذكرت في القرآن العظيم في سورتين اثنتين سورة آل عمران المدنية، وسورة مريم المكية، وقد حوت تلك القصة القصيرة فريدتين: (اشتعل ـ رمزًا)، وجاءت الفريـدة الأولى في سورة (مريم) فـي قوله تعالـى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.

وسياق الفريدة يحكي دعاء زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه -على كبره- بولد تقر به عينه، ويرثه في النبوة.   

وقد ذكر السمين معنى تلك اللفظـة فقال: «قوله تعالـى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ أي: أسرع فيه الشيـب إسراع النار في الحطب، وهو من أبلغ الاستعارات، ولم يكتف بالاستعارة حتى أسند الاشتعال إلى الرأس، وأخرج الشيب تمييزًا مبالغة في ذلك، والأصل اشتعل شيب الرأس»([1])

وقد فصل الشيخ صديق خان الحديث أكثـر عن الفريدة فقال: 

«الاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية([2]) بأن حذف المشبه به، وأداة التشبيه، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها»([3])

وإذا كان الأمر كذلك فلمَ آثر الذكرُ الحكيم التعبيرَ بتلك الفريدةِ دون غيرها؟ 

أرى -والله أعلم- أن فيها دَلالاتٍ جمَّةً، وإيماءاتٍ مهمةً منها: 

-   أن الفريدةَ {اشْتَعَلَ} أدقُّ لفظًا وأقوى دلالـة من (انتشر) مثلًا، إذ تفيد بذاتها -لـمَن يتأملُها بدقة- أن جميع رأس زكريا عليه السلام شعرةً شعرة قد صار كله أشيب، وهذا يعني أنه قد بلغ من الكِبَر حدًّا لا يقدر معه أن يُنجب، بدليل أن عمود بدنه وقوام صلبه وهي عظامه قد وهنت وفترت، ومن أمارات هذا الوهن أن الشيب قد شَمِلَ رأسه كلها بصورة لا يتوقع مَن يراها أن يكون مِن صاحبها إنجـابٌ، فوقعت الفريدة في موقعها الأليق بهـا، ولا يمكن لغيرهـا أن يَسُدَّ مَسَدَّها، علاوة على أنها من أجمل الاستعارات كما أجمع العلماء إذ صورت الشيب كأنه نار قد اشتد لهبُها وضرامُها فأخذت في الاشتعال حتى شمِلت الرأس كله فلم يبقَ فيه سوادٌ ألبتة.

-   في الفريدة أيضًا كما يقول الشيخ سيد قطب «لونٌ من التخييل يتمثل في الحركة الممنوحة لما من شأنه السكون، فحركة الاشتعال هنا تُخَيِّل للشيب في الرأس حركةً كحركة اشتعال النار في الهشيم»([4])، وهذا التصوير لا يوجد في غير هذه الفريدة.

-   في الفريدة إيماءٌ إلى تفرد موضعها في الذكر الحكيم، وإلى تفرد هذا الموقف في تاريخ الأنبياء والإنسانية جمعاء، وهذا الموقف يختلف عن موقف إنجاب خليل الله إبراهيم لإسحاق وهو شيخ كبير من وجوه عديدة منها:

o    أن إبراهيـم عليه السلام سبق لـه إنجاب إسماعيل، وزكريا عليه السلام لم ينجب أحدًا قبل يحيى.

o    وإبراهيم عليه السلام لم يطلب من ربه في كبره أن ينجب ولدًا آخر غير إسماعيل لكن جاءته البشرى بالإنجاب على غير توقع كما يفهم من الآيات، وزكريا عليه السلام طلـب ذلك من ربه مباشرة، وقـدم الأعذار التي تمنعه من الإنجاب بصورة طبيعية.

o    وسارة زوج إبراهيم عليه السلام كانت عجوزًا بنص القـرآن الكريم، أما امرأة زكريا عليه السلام فكانت عاقرًا بنص آيات القرآن الكريم.

وبينهما فرق كما ترى، فالموقفان متغايران، وكل منهما كان أمرًا معجزًا خارقًا للعادة فريدًا في تاريخ الإنسانية، ومن ثَـمَّ عكست الفرائد في الموقفين تفرد تلك الحالتين، والله أعلم.

الفريدة الثانية: {رَمْزًا وقد وردت في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾.

وسياق الفريدة يحكي عن طلب زكريا من ربه آيةً يعـرف بها بداية حمل زوجه بعدما استجاب لدعائه، فأخبره أنه عندما لا يقـدر على الكلام مع الناس ثلاثة أيام وهو سَوُيٌّ معافى فهذه علامة الحمل. 

وقد تحدث السمين عن معنى الفريدة فقال: «قوله تعالى: {إِلاَّ رَمْزًا} أي: إشارةً؛ إما بالشفتين، وإما بالحاجبين، أو اليدين، ولهذا سمي كلامًا لقوله:

إذا كلمتني بالعيون الفواتر ***   رددتُ عليها بالعيون البوادر

وأصله الحركة، وقيل للبحر (راموز) لحركة أمواجه، والرمز أيضًا: الصوت الخفي، وما ارْمازَّ؛ أي: لم يتكلم، وكتيبةٌ رَمَّازَة؛ أي: لا يُسمع منها إلا رمزٌ لحركتها»([5])  

وإذا كان الرمز بمعنى الإشارة أو الإيماء كمـا أجمـع العلماء فلماذا عدل عنهما وأتى بتلك الفريدة؟ 

لا بد أن الفريدة تحتوي على لمحات لا توجد في غيرها منها: 

-   أن في الفريدة دلالة زائدة لا توجد في هذيـن اللفظين وهي الحركة، كما هو واضح من أصل معناها عند اللغويين والمفسرين، فالفريدة تدل بوضوح تام على أن زكريا عليه السلام كان ممنوعًا من الكلام لا لعاهة أو آفة أو مرض ألَـمَّ به، بل كان منعه من الكلام آيةٌ ومعجزةٌ على ابتداء حمل زوجه، وكان مع ذلك قادرًا على أن يحرك جسده وأعضاءه بل كان يحرك لسانه بذكر الله تعالى فحسب كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، فكان مع عدم قدرته على مخاطبة الناس، والحديث معهم بلسانه قادرًا على عبادته وتسبيحه سبحانه حركةً وكلامًا، كما أن التعبير بالرمز أشمل وأعم من الإشارة والإيماء، والمقام يقتضي التعميم وعدم التحديد، لأن المقصود أنه سيُحَدِّثُ قومَه في تلك المدة بكافة الطرق والوسائل التي يقدر على الإبانة بها سوى الكلام، ولا يدل على ذلك إلا الرمز لاتساع دلالته كما مر.

-   تومئ الفريدة إلى أن امتناع زكريا عليه السلام عن الكلام كـان بسبب مانعٍ خارجي لا دخل للإنسان فيه، فزكريا عليه السلام كان قادرًا على الحركة والكلام، وكان منعه من قبيل الإعجاز، بخلاف الإشارة الواردة على لسان مريم عليها السلام فـي قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، فامتناع مريم عن الكلام لم يكن عن مانعٍ خارجي، بل كانت قادرة على التعبير عن مكنون نفسها، ولكنها تعلم أن قومها لن يصدقوها إن تكلمت، ولذلك علمها ربها أن تقول في مواجهتهم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، فبين اللفظين فرق من هذه الجهة، وكل لفظةٍ هي أوفق بسياقها، وأجدر بأن تحلَّ في محلها دون غيرها، وهذا من إعجاز الذكر الحكيم، وبلاغاته اللامتناهية.

-   عكست هذه الفريدة تفرد هذه الحالة بنصها في القرآن، كما عكست تفرد تلك الحالة العجيبة الغريبة في تاريخ الأنبياء والإنسانية جمعاء، فلم يحكِ القرآن أن أحدًا آخر من البشر حدث له ما حدث لزكريا عليه السلام، وإلى هذا أشار الشيخ سيد قطب بقوله: «فإذا زكريا يجد في نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره، لسانه هـذا هو لسانه، ولكنه يحتبس من كلام الناس، وينطلق لمناجاة ربه؛ أيُّ قانون يحكم هذه الظاهرة؟! إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية، فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة»([6]).


 ([1]) عمدة الحفاظ 2/318 ، ومفردات الراغب 269.

([2]) ويجوز أن يكون فيها استعارة تبعية بأن شبه انتشار الشيب وكثرته باشتعال النار في الحطب، واستعير الاشتعال للانتشار واشتق منه اشتعل بمعنى انتشر، كما يجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية. 

([3]) فتح البيان 6/5 ، والكشاف 2/502 ، والبيضاوي 2/14 ، والقرطبي 11/77 ، ومفاتيح الغيب 20/318 وتفسير الألوسي 10/681 ، وفتح القدير للشوكاني 3/321  

([4])  التصوير الفني في القرآن 78 بتصرف يسير.

([5]) عمدة الحفاظ 2/126 ، ومفـردات الراغب 209 ، وراجع الإعجاز البياني للقـرآن د/ بنت الشاطئ 392 

([6]) في ظلال القرآن 1/395 

___________________________________

(مختصر من كتاب "الأسرار البلاغية في الفرائد القرآنية" للدكتور عبد الله عبد الغني سرحان)

إشراف: اللجنة العلمية في مركز تدبر

اظهار التعليقات