أسرار التعبير بالفرائد القرآنية في قصة عيسى ومَريَم عليهما السلام
أ.د. عبد الله عبد الغني سرحان
QR code
07/11/2016       1859 مشاهدة

[الفريدة القرآنية هي اللفظة اللي وردت في القرآن ولم تتكرر قط على أي صورة من صورها اللفظية]

جاء الحديث عن عيسى ومريم عليهما السلام في القـرآن فـي أكثر من سورة مكية ومدنية، وباستقراء تلك المواضع المختلفة وجدتها قد اشتملت على فريدتين اثنتين الأولى: ﴿الْمَخَاضُ﴾، وهـي خاصة بالعذراء البتول مريم عليها السلام، والثانية: ﴿تَدَّخِرُونَ﴾، وهـي خاصة بعيسى عليه السلام.

وقد وردت الأولى في قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيّا﴾، والمخـاض هو وجـع الولادة، وفي التعبير بهذه الفريدة إيماءات عديدة منها: 

-   الإيجاز فكلمة واحدة أوجز من كلمتين، وإذا كانت الكلمة الواحدة تؤدي الغرض بدقة وهي أوفى بالمراد فهـي أولى في التعبيـر من غيرها، لأن البلاغة العالية تكمن في الإيجاز في القول إذا اقتضاه مقام الكلام، والقرآن هو سنام البلاغة، وقمتها الشامخة.

-   تشير الفـريدة إلى اختصاص مريـم عليها السلام من بيـن نساء العالمين بهذا الأمر العجيب المعجز، فانفـردت دون نساء الأرض بمعجزة إلهية عظيمة حطمت ناموس الكون في الولادة بدون أب، وهو شيء فريد عجيب كما كانت ولادة آدم من غير أب ولا أم، وولادة حواء من غير أم شيئًا عجيبًا فريدًا في دنيا الناس، ولكنه عند ربك هين سهل ميسور، فكيف تغيب هذه البدهية عن العقلاء من النصارى الذين جعلوا من ولادة عيسى على هذا النحو حجة على كونه ابنًا لله؛ حاشا وكلا.

-   هذه اللفظة بحكم كونها الفريدة الوحيدة مادةً وصيغةً في قصة مريم عليها السلام؛ أرى -والله أعلم- أنها كما أومأت إلى الأمور السابقة كلها= تشير أيضًا إلى كل الأمور العجيبة الفريدة التي ذُكرت عن مريم في القرآن، مثل رزقها فاكهة الصيف في وقت الشتاء، وفاكهة الشتاء في وقت الصيف، فالفـريدة تلخص أطوار حياتها العجيبة الغريبة.

وليس هذا افتئاتا على اللفظة، وتحميلها أكثـر من معناها، لأن طبيعة التعبير بالفرائد يشير دوما إلى أشياء فذَّة عجيبة وقعت على غير العادة، والله أعلم.

-   تدل الفريدة على تفرد هذا الموضع بنصه وفصه في القرآن الكريم، فلم يتكرر ألبتة بأي صورة من الصور، كما أن في الفريدة إشارة واضحة إلى أنه عندما اشتد طلقها، وتحرك الجنين نازلًا من بطنها كانت بمفردها في مكان قصي تحت جذع نخلة تنادي ربها، وتناجيه أن يخفف عنها وقع ما هي فيه، وهذا أيضًا أمر غير مألوف في ولادة النساء في كـل عصر ومصر، وبهذا تتناسق الفريدة مع سياق القصة أيما اتساق، والله أعلم.

الفريدة الثانية: ﴿تَدَّخِرُونَ، وقد جاءت في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

وقد جاءت الفريدة فـي سيـاق بشارة الملائكة لمريم أن الله سيرزقها بكلمة منه اسمه المسيح، ثم أخذ في تعداد صفاته وأحواله عند كبره، كما تدل عليه تلك الآية والآيات السابقة واللاحقة، وفي معنى الفريدة يقول السميـن الحلبي: «قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: تخبئـون، يقـال: دخرت الشيء، أي: خبأته... ويقال: دخرته وادَّخرته: أعددته للعقبى»([1]).

ولم يخالف المفسرون اللغويين في معنى هذه الفريدة يقول الشيخ صديق خان: «﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بما أكلتم البارحة من طعام وما خبأتم منه»([2])

وإذا كان الأمر كذلك فعدوله إلى تلك الفريدة دون (تخبئون) مثلا لما فيها من نكاتٍ عديدة منها: 

-   أنها تعكس بإيقاع أصواتِها وجرس حروفِها من الشَّدة الموجودة على الدال المجهورة المنقلبة عـن تاء الافتعال، ثم الخـاء الحلقيـة المكسورة وما فيها من استعلاء وتفخيم، ثم الراء المجهورة وما فيها من تكرار؛ كل ذلك يعكس بوضوح تمسكهم وحرصهم على الادخار حتى صار عمودَ حياتِهم، ومحور دنياهم، وهل هناك أعظم من حرصهم وشُحِّهم في قولهـم ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وقد دفعهـم هذا الادخار إلى أنهم استحلوا الربا، وسيطروا به على الفقراء قديمًا وحديثًا.. واللفظة التي تقارب هـذه الفريدة لا تنهض حروفها لأداء هذه المعاني، والله أعلم.

-   الفريدة تصور تصويرًا دقيقـًا حـرصَ بني إسرائيل وشراهتهم وجشعهم حيث يجمعون ويخبئـون في بيوتهم كل ما يمكن أن يُدخَرَ من مال ومتاع وغيرهما؛ يؤكد هذا حذف مفعول الادخار لإفادة العموم.

فاللفظةُ بمالها فـي الفطرة اللغويـة من صدى تصورُ النحيزةَ الذميمة، والضريبةَ القبيحة المستكنة في نفوسهم، المغروسة في طباعهم، المستمرة في أجيالهم، بدليل استعمال المضارع ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ وما في دَلالته من التجدد والاستمرار، وبدليل التعبير بالإنباء دون الإخبار، لأن الإنباءَ يعني: الإخبار بالأمور المهمـة الخفية التي لا يطلع عليها أحد. 

وهكذا تناسبت الفريدةُ مع سياقها، وجاءت في موضعها يتيمةً وحدها.

-   الادخار في حد ذاته خُلُقٌ غيرُ ذميمٍ وقد أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم ليكون عدةً وذخيرةً لما يُستقبَلُ من الزمان، ولكن هذا الأمر لدى بني إسرائيل قد اتخذ منعطفًا خطيرًا في حياتهم وعبر تاريخهم الطويل حتى أصبح ظاهرةً فريدةً وغريبة تشكل قسمات شخصياتهم ونهج حياتهم، بدليل أن عيسى عليه السلام جمع بني إسرائيل كلهم في هذه الفريدة كما تدل عليه واو الجماعة في ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ العائدة عليهم، ولم يخص أحدًا منهم فكان هذا الادخار -جشعًا وطمعًا وحبًا فـي الكنز والجمع- من الصفات الملاصقة لهم التي تفردوا وعُرِفوا بها في العالمين.

______________

 

([1]) عمدة الحفـاظ 2/37 ، ومفردات الراغب 180 ، ولسان العرب ( ذخر ) ، والمعجم الوسيط 1/ 321  . 

([2]) فتح البيان 2/61 ، وتفسير الألوسي 3/137 ، ومفاتيح الغيب 7/226 .

 

 

(مختصر من كتاب "الأسرار البلاغية في الفرائد القرآنية" للدكتور عبد الله عبد الغني سرحان)

إشراف: اللجنة العلمية في مركز تدبر

اظهار التعليقات