مناجاة نبي
د.عويض العطوي
QR code
27/10/2016       2133 مشاهدة

الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومصطفاه، أما بعد:

فيقول الله تعالى في سورة إبراهيم، عن نبيه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).

إنها مناجاة أبٍ كبيرٍ في السن، رزقَهُ الله الولد على كِبَر، فحمد ربه وأثنى عليه وتوجه نحو

ربه مناجيًا في شأن ذريته من بعده، فقد مضى أكثر عمره، فلم يبقَ له من العمر إلا القليل،

فمَن سيحفظ أبناءه من بعده إلا الله، ونِعْمَ بالله حافظًا وكفيلاً.

إنه خليل الله إبراهيم عليه السلام؛ يَشغلُه شأن أسرته في مكة، فالمكان لا زرع فيه ولا أُنس، فكيف سيعيشون؟! فيعرض ذلك على ربه عرضًا لطيفًا فيقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾، "أي: بوادٍ لا يصلح للنبت، لأنه حجارة، فإن كلمة {ذُو} تدل على صاحب ما أُضيفت إليه وتمكِّنُه منه، فإذا قيل: ذو مال، فالمال ثابتٌ له، وإذا أُريدَ ضد ذلك قيل: غيرُ ذي كذا، كقوله تعالى: ﴿قرآناً عربياً غيرَ ذي عوج﴾ (سورة الزمر : 28)؛ أي: لا يَعتريه شيءٌ من العِوَج، ولأجل هذا الاستعمال لم يقل: بوادٍ لا يُزرع أو لا زرع به"([1])

إنه يخاف عليهم من الهلاك، ويأخذ بأسباب العيش والحياة، ويبين السبب في إسكانهم عند البيت المحرم فيقول: ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، إنه مَلمَحٌ مهم أنْ يختار الأب مكان إقامة أسرته، فلا يهتم دائما برغبات الجسد وملذات الحياة، من الأماكن الجميلة والمواقع المميزة وينسى شأن الروح، بل عليه أن يقدم أولا ما يغذي هذه الروح، وما يساعد على صلاح أبنائه، فالمكان له أثره في التربية، فمكة بلد لا زرع فيه، ولا يوجد فيها مما تشتهيه نفوس الناس شيء، لكن فيها الإيمان والتوحيد وعبادة رب العالمين، لذا قال: ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، إنه هدف نبيل؛ على كل أب أن يضعه أمام عينيه وهو يخطط لحياته وحياة أبنائه، فالمكان الذي تتهيأ فيه دور العبادة أفضل من المكان الذي تقل فيه، والمكان الذي يذكر فيه اسم الله كثيرًا خيرٌ من الذي لا يذكر فيه إلا قليلًا.

ثم إن إبراز الصلاة هنا على وجه الخصوص يشير إلى أن مما اهتم به الأنبياء الكرام -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- في تربيتهم لأولادهم بعد شأن التوحيد والخوف من الشرك هو شأن الصلاة، ولهذا شواهد كثيرة في القرآن، يمكن رصدها في قصص الأنبياء عليهم السلام مع أولادهم.

ولا ينسى الأب الرحيم، ما تسببه الوحدة للإنسان من وحشة وضيق في الصدر، فيسأل ربه ويقول: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، وهذا يشير إلى أن الانقطاع عن الناس والبعد عنهم ليس مرغوبًا، فكثيرٌ من العبادات لا تتحقق إلا بمخالطة الناس، والعيش معهم.

ثم إنه ذكر الأفئدة فقال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾، ولم يقل: فاجعل بعض الناس، وذلك لأن الفؤاد إذا هوى مكانًا تعلق به، فهو يريد أناًسا يبقون ويألفون هذا المكان ليعمروه، لا أن يمروا عليه ويتجاوزوه، وفي التعبير بالأفئدة هنا رقة ولطف، تصور القلوب رفافة مجنحة وهي تهوي إلى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادي الجديب. إنه تعبير ندي يندي الجدب برقة تلك القلوب([2])

ثم إن هذا المكان الذي لا زرع فيه ولا سكان لن يؤمُّه أحد، ولن يستقر فيه أحد، ولن يكون ذلك إلا بصرف أفئدة بعض الناس إليه، ولهذا تبقى مكة خالية من أسباب الجذب المعروفة لدى الناس، من لطافة الجو وكثرة الخضرة وجريان الماء وكثرة الزروع وغيرها، ومع هذا هي أعظم مكان يؤمُّه الناس على مدى التاريخ، وذلك ليبقى المحرك الوحيد لهم في ذلك هو طاعة الله، ورجاء أجره سبحانه.

وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾، وربما لو قال: (أفئدة الناس) لجاء كل البشر، ولما استوعبهم المكان، ولله في خلقه شأن وحكمة.

كما لا ينسى الأب الرحيم أهل بيته في معيشتهم؛ بل يدعو الله لهم فيقول: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾، وفي هذا المقطع مجموعة من الدلالات واللطائف:

فيه أن عناية المربي برزق أهل بيته أمر مهم، وهو شأن لا يلام عليه، بل هو مسؤول عن ذلك، ولا يصح ما نراه من تضييع بعضهم لمسؤولية أهليهم ومعيشتهم، فهو مشغول عنهم دائما؛ يذهب وهم نائمون، ويعود وهم نائمون، حتى إن بعض الأسر لتعيش على الصدقات ومساعدات الآخرين والأب موسر وعلى قيد الحياة.

وفيه أيضا أن ذكر (الثمرات) يشير أنها من أعظم أنواع الأمن الغذائي، وقد يكون في ذلك إشارة إلى الزراعة فيما يصلح لها قرب مكة، أو إلى جلب الثمرات إليهم من أقطار الأرض البعيدة، وهو ما يؤيده قوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (القصص : 57). يقول أبو السعود: "وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد"([3])

وفيه أيضا إشارةٌ إلى تربية الأسرة على شكر النعمة، حيث قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ فلا يكفي حصول النعم؛ بل لا بد من فعل أسباب بقائها، كما قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنَّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد﴾ (إبراهيم : 7).

ومما يستفاد من هذه المناجاة: معرفة آداب السؤال والتضرع، وقد كان "في دعائه عليه السلام من مراعاة حسن الأدب، والمحافظة على قوانين الضراعة، وعرض الحاجة، واستنزال الرحمة، واستجلاب الرأفة ما لا يخفى، فإنه عليه السلام بذكر كون الوادي غير ذي زرع بيَّنَ كمال افتقارهم إلى المسؤول، وبذكر كون إسكانهم عند البيت المحرم أشارَ إلى أن جوار الكريم يستوجب إفاضة النعيم، وبعرض كون ذلك الإسكان مع كمال إعواز مرافقِ المعاش لمحض إقامة الصلاة وأداء حقوق البيت مهَّدَ جميع مبادئ إجابة السؤال، ولذلك قرنت دعوته عليه السلام بحسن القبول"([4])

إنها معالم تربوية مهمة نستلهمها من قصص الأنبياء الكرام مع أبنائهم، ولن نجد نموذجًا أرقى ولا أعظم منهم.

هذه أيها المؤمنون بعض دلائل هذه المناجاة النبوية، فما أجمل التأسي به، ومراعاة الأدب وعلو الهمة في دعواتنا.

اللهم ارزقنا الأدب معك، وصدق اللجأ إليك، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

كتبه: الدكتور عويض بن حمود العطوي

(من المجموعة الأولى لكتاب "ثلاثون مجلسًا في التدبر")

______________________

([1]) التحرير والتنوير - (7 / 441)

([2]) انظر: "في ظلال القرآن" (4 / 411).

([3]) تفسير أبي السعود - (4 / 42)

 

([4])تفسير أبي السعود - (4 / 42)

اظهار التعليقات