رحمة الأنبياء
د.عويض العطوي
QR code
13/10/2016       1926 مشاهدة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله

وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

وصلنا سابقًا إلى الجانب العملي من هذه الرحلة العلمية العظيمة، ويتضح ذلك من خلال

ما يأتي:

أولًا: قوله تعالى: ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ (الكهف: 71)، هذه الكلمة (فانطلقا) توحي بسرعة البدء بالجانب العملي التطبيقي من الاتفاق على عملية التعليم، كما تدل عليه (الفاء) المشعرة بالتعقيب والترتيب، وكما أن كلمة (انطلقا) تدل بحروفها على الحركة السريعة للبدء المطلوب، وهذا يربّي في المتعلم من أول لحظة الجدّ وبذل الوسع، وتأتي كلمة مباشرة بعد الانطلاق وهي تدل في الأصل على انتهاء الغاية، وقيل: بل (حتى) ابتدائية أشعرت بسرعة الخرق بمجرد ركوب السفينة، وفي قوله تعالى: ﯣﯤتدل على أن توقيت الخرق كان أول ما ركبا في السفينة، وأن ركوب السفينة كان القصد منه خرقها، لأنَّ الشيء المقصود يبادر به قاصده حال حلول وقته؛ لأنه يكون قد دبّر أمره من قبل، وبُنيَ نظم الكلام على تقديم الظرف  على عامله  دون أن يقال: فخرق السفينة لما ركبها، أو حين ركبها؛ للتدليل على أن الخرق وقع بمجرد الركوب، إذ أنَّ تقديم الظرف يشعر بالاهتمام فيدل على أنَّ وقت الركوب كان مقصودًا لإيقاع الفعل فيه، ويبدو أن في ذلك ما يثير تعجب ودهشة موسى عليه السلام، وقد يكون هذا مقصودًا من المعلم لتعليم وتدريب من يتعلم تحت يده، كما أن تعدية الفعل (ركب) بحرف الجر (في) مع أن المتبادر أن يقال: ركبا على السفينة؛ للتدليل على أن ركوبهم كان داخل السفينة، فهم في جوفها، كما تشعر به دلالة (في) على الظرفية، وهم بذلك في مكان يكون الخرق فيه مؤثرًا؛ لأنهم في أسفل السفينة، ولو كان الخرق في أعلاها لما أثّر فيها شيئًا، كما أن لفظ (خَرَقَ) يُشعر بتعمد التخريب، وهذا يزيد في إثارة تعجب ودهشة موسى عليه السلام، وبهذا نعلم أنَّ هناك أسبابًا كثيرةً تدعو موسى عليه السلام للاعتراض والدهشة والسؤال عن الفعل وهو (الخَرْق): لأنه تخريب وإيذاء.

الوقت: لأنه حصل بمجرد ركوبهم، ولو كان لمصلحة لما أمكن العبد الصالح معرفة ذلك لقصر الوقت.

المكان: وهو أسفل السفينة كما تدل عليه الظرفية في (في).

ثانيًا: نحن هنا أمام حدثٍ كبير عظيم بكل تداعياته، نسيَ معه موسى عليه السلام الاتفاق الذي كان بينه وبين العبد الصالح، فبادر إلى إنكار المنكر، فقال: ﯩﯪ ﯫﯬﯭﯮﯯﯰ ونلحظ هنا أنه قال: ﯫﯬ، ولم يقل: لتغرقنا؛ لأنه عليه السلام قد أهمّه أمر الناس، وطغت عنده مصلحتهم على ما سبق الاتفاق عليه، فغلب على ذهنه هذا الحدث، وانشغل به عما سواه مما سبق الاتفاق عليه، والاستفهام هنا للإنكار، ومحل الإنكار هو العلّة ﯫﯬ، وفهمنا من هذا أنَّ السفينة فيها ركّاب، وأنَّ الخرق سيؤدي إلى غرقهم، وهذا في ظاهره فيه إهلاك لأرواح الناس وممتلكاتهم، وهذا ما حمل النبي الكريم عليه السلام على الاعتراض، وهنا لمحة مهمة وهي أنَّ ما اتفقا عليه يعد من قبيل الكلام النظري الذي قد يتغير بسبب الواقع وبالتطبيق العملي، فيكون له حينذاك وقعٌ آخر، فالتجربة العملية ذات طعمٍ مختلف عن التصوّر المجرد، لذلك يعمد بعض المعلمين إلى طريقة تمثيل الأدوار ليعيش المتعلم الحدث كما هو أو أعلى أو أقل؛ ليتصور جزءًا منه كما هو عليه في الواقع، لهذا نجد في موسى عليه السلام أنَّه تعهّد عليه السلام بالصبر مهما حدث، لكن عند الواقع تغيَّر الأمر؛ يقول السعدي رحمه الله: «وهذا عزم منه، قبل أن يوجد الشيء الممتحن به، والعزم شيء، ووجود الصبر شيء آخر، فلذلك ما صبر موسى عليه السلام حين وقع الأمر»([1]).

ثالثًا: قوله: ﯭﯮﯯﯰ واضحٌ من خطاب موسى هذا أنه استنكاري؛ لهذا أكثر فيه من المؤكدات التي تعطي كلامه ثقلًا معينًا يكشف عن مدى استيائه من هذا الفعل، فهذه (اللام) في  للقسم، و(قد) داخلة على الماضي، وهي تفيد التحقيق، والتعبير بـ (جئت) دون (عملت) أو (أتيت) لأنَّ المجيء وإن كان بمعنى الإتيان إلاَّ أنَّه يختلف عنه في أنَّ الإتيان قد يقال باعتبار القصد، وإنْ لم يكن منه الحصول، وأمَّا المجيء فيقال اعتبارًا بالحصول، فهو أكثر دلالة على القصد في وقوع الشيء كما قال سبحانه: ﭵﭶﭷﭸ(الفرقان:4)، أي: قصدوا الكلام وتعدوه، وعلى هذا فيكون ذكر المجيء هنا لإيضاح أن موسى عليه السلام رأى من العبد الصالح ما يُشعر بقصده لحصول هذا الفعل المنكر في نظره، وقوله تعالى: ، جاءت كلمة (شيئًا) هنا لتكون موصوفة بالإمر، وهذا يزيد من تفظيع الأمر واستنكاره، ثم قال: (إمرًا)، والإمر هو: العظيم المفظع، وهو المنكر إذا كثر وكبر في نوعه، ونخرج من هذا الإنكار إلى شدة استفظاع موسى عليه السلام لما حدث أمامه، يقول ابن عاشور: «ولم يجعله نكرًا كما في الآية بعدها لأن العمل الذي عمله الخضر (العبد الصالح) ذريعة للغرق، ولم يقع الغرق بالفعل»([2])، بخلاف ما بعده فالقتل فيه قد حصل.

رابعًا:ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ (الكهف: 72) هنا يجيب المعلم تلميذه المعترض عليه بصبرٍ ولطف، ويذكِّره بما كان بينهم من عهدٍ وشرط، والبدء بالسؤال (ألم) لاستثارة انتباهه ليكون معه، لما في السؤال من التنبيه من جهة، والتقرير بالمراد أو نفيه من جهة أخرى، لأنه سيجيب بنعم أو لا، والواضح من خطاب العبد الصالح في معاتبته وتذكيره لتلميذه أنه أعاد إليه العبارة التي قالها له في بداية اللقاء دون زيادة أو نقصان ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ، وهذا يُنْبئ عن دقةٍ ووضوحٍ لدى هذا المعلم، فهو يقصد ما يقول لتلميذه، ويريد منه أن يعيَ ما يسمع تمامًا كما هو، وأن يدرك ما يترتب عليه من تبعات، ورغم ما كان عليه موسى عليه السلام من الاستنكار والغضب والاعتراض إلاَّ أنَّ هذا السؤال التقريري أصاب المحك، وأعاده إلى ما ينبغي أن يكون عليه من الصبر والحلم، فنجده يعتذر مباشرةً ويقر بخطئه فيقول: ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ(الكهف: 73)، وهذا دليل على اعترافه بالخطأ، ولكنه يطلب عدم مؤاخذته بالنسيان، فهو قد بنى كلامه على الطلب بعدم المؤاخذة بالنسيان، ولم يبنه على الاعتذار بالنسيان، وهو بهذا يرى نفسه محقوقًا بالمؤاخذة واللوم، فكان كلامه بديع النسخ في الاعتذار، لأنه بقوله هذا يربط المؤاخذة بالنسيان، لا بما تعمّد، ولا بما كان من خلقه وطبعه، ثم هو يطلب أمرًا آخر وهو ﰀﰁﰂﰃﰄ، والمعنى: إما أن يكون ولا ترهقني من أمري عسرًا بسبب ما حصل من خطأي ونسياني، وإما لا تعاملني معاملة تشق عليَّ وتعسر؛ أي: لا تحملني من أمري (أي اتباعي إياك) عسرًا، أي: صعوبة، والمقصود: لا تعسّر عليّ متابعتك، بل يسّرها عليّ بالإعفاء والمسامحة، وهذا ملمح لطيف أن الطالب يمكن أن يوضح لمعلمه بعض ما يعاني من صعوبات في التعلم، أو ما يجد من صعوبات في طريقة معلمه، ليستفيد منه أكمل استفادة، وهذا من التواصل الجيّد بين العالم والمتعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

([1])  تفسير السعدي (1/481)

([2])  التحرير والتنوير (8/410)

 

كتبه: الدكتور عويض العطوي

(من كتاب مجالس قرآنية من إصدارات المركز)

اظهار التعليقات