كلمات في الرضا والوقاية الإيمانية
د.غُـنْــيَــة عبد الرحمن النحلاوي
QR code
16/08/2016       2431 مشاهدة

مقدمة إن الاتصاف بالرضا يدل على القلب السليم، وعلى الإيمان القويم، ونقصانه من العلامات المبكرة لأمراض القلب.. هو تنبيه لنراجع أنفسنا فنقوي المناعة الإيمانية ولنساعد من حولنا عندما يغيب الرضا بأخذ شوط وقائي أو علاجي مضاد للسخط.. للنفاق.. للتخبط النفسي والفكري.. (حسب تطور الحالة)!!

ولا يلتبس الأمر علينا فنخلط الرضا بالركون والخنوع لحال سيء ينبغي السعي لتصحيحه كحال الذين ﴿رَضوا بِأَن يَكونوا مَعَ الخَوالِفِ [التوبة من الآية 93]، فهذا رضا مذموم وهو ليس مجال بحثنا في المقال، كما أن الرضا بما قدّر الله تعالى لا يتنافى مع التعبير عن مشاعرنا بالحزن والبكاء، أو السعي لتحقيق الرغبات، أو الترويح والفكاهة، فالإسلام دين واقعي، وبداهة لا يتنافى مع الدعاء له سبحانه وسؤاله، ولكن في كل ذلك لا نقول ولا نفعل إلا ما يرضي الله.

تبسيط مصطلح الرضا:

  • أصل الرضاإن رأس الرضا أن ترضى بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا: فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَام دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" رواه مسلم، وهذا الرضا العام لابدّ منه لكل مسلم، إذ لا يصح التدين بدين الإسلام إلا بذلك الرضا كما قال العلماء، ومكافأته التي تفوق التوقع: أن يرضى الله عنك سبحانه، قال تعالى: ﴿وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رَضِيَ اللَّـهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجري تَحتَهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ [التوبة: 100]. وبفضله يتحقق لنا الرضا الخاص في شؤوننا وشجوننا، هيّنها وعظيمها؛ الحمد لله.
  • وعمود الرضا: خشية الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿رضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة: 8]، وهذه العلاقة التبادلية بين رضا الله لعبادة عبده وطاعته، ورضا العبد لقدر ربه وعطائه مرتبطة بخشية العبد لربه، وكأن الرضا المتبادل هو مكافأة من يخشون ربهم سبحانه.. هداية تدبرية تغمرني بـ "الرضا" تماما!
  •  وامتحان الرضا: أن نرضى بطلاقة المشيئة الربانية في كافة أحوالنا حتى عندما نتخذ الأسباب؛ إذ تقابلك طلاقة المشيئة في كل تفاصيل حياتك كالمرض والعمل والزواج، ومن أهمها الرزق، ويتدرج الامتحان في حياتنا على مستويات لعل من أصعبها التالي: حتى وأنت تفعل ما يرضي الله تعالى، وتترك أشياء ابتغاء وجه الله تعالى (فتُمْنى بالحرمان أو الخسائر بالمقياس البشري) راضيا بتشريعه وبمنهاج نبينا صلى الله عليه وسلم= فإن حصولك على المثوبة والتعويض الذي وعدك به عز وجل مشروط بمشيئته سبحانه! فهل ترضى نفسك بذلك؟! علما بأنه لا تناقض بين أن يطلب المؤمن ما وعده الله به ويؤمله ويرجوه، وبين أن يرضى بمشيئة الله ويسلّم لها؛ وللتقريب الواقعي اتلُ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِنَّمَا المُشرِكونَ نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرامَ بَعدَ عامِهِم هـذا وَإِن خِفتُم عَيلَةً فَسَوفَ يُغنيكُمُ اللَّـهُ مِن فَضلِهِ إِن شاءَ إِنَّ اللَّـهَ عَليمٌ حَكيمٌ [التوبة:28]، وأنت تتدبر الآية تجد فيها امتحاناً لتجديد الرضا والارتقاء بمستواه في نفسك وتسألها:

هل رضيتِ بذلك الشرط ﴿ فَسَوفَ يُغنيكُمُ اللَّـهُ مِن فَضلِهِ، وتنبهي يا نفس أن ذلك مردّه علم الله تعالى بنا، وحكمته فيما يصلح لنا ويصلح حالنا به: ﴿إِنَّ اللَّـهَ عَليمٌ حَكيمٌ 

  • وترجمان الرضا: بالعيش مع آيات كتاب الله تعالى وسنة نبيه وتدبرها: وهذا هو الجواب على السؤال: كيف أترجم قولي:"رَضِيت بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا" وأحيله واقعاً وأتلمّس أثره الإيجابي في حياتي؟

فأعظم ما يفعله أحدنا ليزداد إيماناً ويستشعر الرضا ويذوق ثماره: ذكر الله تعالى، ومجالسة وتدبر كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكثيرة هي الآيات التي تمنحك الرضا حتى لو لم يرد فيها لفظا، وهذا مثال عام من القرآن: فقد وجدت أن من أحنّ الآيات الكريمات علينا في هذا الزمن الصعب التي تمنحنا الرضا قوله تعالى مخاطبا نبيه ونحن من ورائه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [غافر: 55]. آية تجد فيها من الهدايات التدبرية:

  •  اصبر واثبت، فإنك على الحقّ، ووعد الله حقٌّ: بشارة عظيمة من رب عظيم، وهي واقعة لا محالة.
  •  واستغفر لذنبك، فأنت بَشَرٌ وتذنب، ويتوب الله على من تاب، فيرضى توبته، ويرضى عنه سبحانه.
  • وسبح بحمد ربك ... اربط يومك بالتسبيح والحمد ترتاح نفسك ويطمئنّ فؤادك، وترضى.

وإنّ نفحات الرضا لتشرق في فؤادك في كل مقطع من الآية.

وبذلك العيش مع القرآن وتدبر آياته ترضى بكل ما يتفرع عن تلك الأسس الثلاثة للرضا (الرضا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً) ومن أهمها الرضا بما قدر الله وشاء، وبما أنعم ورزق.

فقد الرضا مشكلة عصرية وعالمية: في عصر الوفرة المادية والشحّ الروحي، والتناقضات النفسية والاقتصادية، تجد هذه المشكلة في كل مكان ولكن بدرجات مختلفة!! وإن المصاب بفقد الرضا يكرر عبارات مثل: "أشعر أنه ينقصني شيء لا أدري ما هو بالضبط؛ متضايق ولا أعرف السبب"، والأسوأ معاناةُ الإنسان المتذمر المتسخّط من الفراغ المعنوي والروحي والذي يتظاهر بأعراض وأمراض نفسية؛ وشبابٌ أرهقته ضبابية التصورات وتعرج أنماط السلوك وتصادمها ستجده يفتقد الكثير مما لا يدري كنهه، ويتلخص بــ افتقاده للرضا، وعند الاستسلام للفشل وعدم الجدوى والإحباط يهيمن عدم الرضا لدرجة يمكن أن يودي بصاحبه للانتحار، أو إيذاء الآخرين، أو الإدمان على ما يضر بالصحة والنفس والعقل كما بينت أبحاث الطب النفسي؛ وتتزايد هذه الحالات في الدول المتقدمة (كما توصف)!

أولا: الوقاية القرآنية من خلال نظرة معاصرة لأهمية الرضا: كشف علم النفس الحديث -وكالعادة متأخرا عما جاء الإسلام به للناس- أن الشعور بالرضا هو من الثوابت الأساسية في وظائف الكائن البشري، تماما مثل درجة الحرارة وضغط الدم، وفي تقرير بُني على دراسات ميدانية متخصصة في سلوك الإنسان وبواعث السعادة والتعاسة وجدوا أن الشعور بالرضا هو نظام تحكّم داخلي يُبقي على شعورنا بالانسجام مع أنفسنا.

وسبحان الله تعالى الذي خلقنا وجعل لنا نظام التحكم هذا وفطرنا عليه، وجعل الإسلام دينا يحفظ سلامته، فنحن المسلمين نملك نظاما تربويا وأخلاقيا متكاملا يضمن لنا -من خلال الاستقرار والأمن الروحي الذي يمنحنا إياه- الوقاية من ظاهرة هبوط الرضا وذيولها، أو علاجها في حال أصابتنا عدواها، ولكننا لا نستفيد منه كما يجب؛ إذ بكلمة الله تعالى فإن النفس المؤمنة هي ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ.. (الراضية المرضية)، وهي النفس التي (رَضيَ اللهُ عنها ورضيت عنه)، بل إن الرضا هو جلّ ما وعد الله تعالى عبده الأتقى حين قال سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى، ولاحظ أن الآيات (وهي في أواخر سور الفجر والبينة والليل) كنا تعلمناها وحفظها أكثرنا في المرحلة الابتدائية، واستمر أثر تدبرها التربوي يغذينا بالرضا بأمر ربنا طلبا لرضاه تعالى (وذلك بدعم الأسرة المسلمة وأثر القدوة).

ثانيا: الحذر من العلاجات الخلبية والبدائل الوهمية لفقد الرضا: إن الرضا الحقيقي لا يتحقق بتكديس الثروات، ولا بإنفاق الملايين والاستغراق بالمتع، ولا بشهرةٍ نالها صاحبها بفعل أو قول ما يغضب الله، ثم شعر بالخواء وانتحر! بل منبع الرضا القلب السليم المؤمن بمصدر رضاه الحقيقي والمطمئن لهداه، ولقد بينت الدراسة المذكورة خطر التذبذب في مؤشر الرضا والإحجام والإقدام العشوائي الهادف للتعويض عن درجات الرضا التي فقدت.

كيف أرضى؟! علاج نقص الرضا: إذا كان في الرضا علاج لأعراض وأمراض الروح والنفس، وله هذه الخواص السحرية في فتح أبواب السعادة فكيف أرضى؟ لا يوجد وصفة سحرية بل إيمان، وسبل مُعِيْنَة:

  •  إيمان وإرادة: في البداية رَضِّ نفسك المؤمنة ترضَ، وإلا فجدد إيمانها لتمتين رضاك العام، وأعنها بأمور مما علمنا إياه الله تعالى ورسوله، وتذكّر أن الرضا ليس باللسان، بل بالعمل ولو شق عليك.
  • سبل تعيننا على علاج نقص الرضا (التطبيق العملي بتدبر القرآن والسنة): وهي كثيرة أكتفي منها بثلاثة سبل أختم بها:

1) سلامة القلب تتحقق بالرضا العام، وهي كذلك تحقق المزيد من الرضا الخاص، وإن أمراض القلب (كناية عن مرض النفس وسقم الروح)، هي بلاء حقيقي لكل فاقدي الرضا، وأسوأ أنواعها النفاق، قال سبحانه: ﴿يَحلِفونَ بِاللَّـهِ لَكُم لِيُرضوكُم وَاللَّـهُ وَرَسولُهُ أَحَقُّ أَن يُرضوهُ إِن كانوا مُؤمِنينَ [التوبة: 62]، آية إذ نتدبرها نحيلها واقعا فنجعل هدفنا رضا الله ورسوله وليس الناس، كما أن أجلى صفات القلب السليم الصدق والتصديق قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّـهُ هَـذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة: 119]، حتى أن الرضا يفرق بين المؤمن المصدّق والمنافق الكافر، فالأخير سخط حتى فيما قضاه الله ورسوله، ومثاله الشائع بشأن المال والجاه قوله تعالى: ﴿وَمِنهُم مَن يَلمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِن أُعطوا مِنها رَضوا وَإِن لَم يُعطَوا مِنها إِذا هُم يَسخَطونَ﴿٥٨ وَلَو أَنَّهُم رَضوا ما آتاهُمُ اللَّـهُ وَرَسولُهُ وَقالوا حَسبُنَا اللَّـهُ سَيُؤتينَا اللَّـهُ مِن فَضلِهِ وَرَسولُهُ إِنّا إِلَى اللَّـهِ راغِبونَ ﴿٥٩ [التوبة]، سقطوا في الاختبار من أجل لعاعة، والعلاج الموصوف في الآية الثانية وهو الاحتساب والرضا بما أراده الله تعالى وما سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن نعالج به أي شبهة نفاق نجدها في قلبنا لنستعيد سلامته، فهنيئا لمن أتى الله بقلب سليم ،فكان كإبراهيم ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات:84]، وهنيئا لكل من استطاع أن يحتفظ بقلبه سليما؛ القلب السليم يعيد العبد إلى ربه، ويعيد الرضا إلى العبد؛ عاجلا أو آجلا!

2) الدعاء لله تعالى: إن هبوط درجة الرضا يقودك للتعاسة، فاطلبه بالدعاء بإقبال وإلحاح:

  • مستأنساً بالقرآن الكريم: وأوردنا أكثر من مثال منها [التوبة: 59]: آية إذ نتدبرها فندعو ﴿حَسبُنَا اللَّـهُ سَيُؤتينَا اللَّـهُ مِن فَضلِهِ وَرَسولُهُ إِنّا إِلَى اللَّـهِ راغِبونَ ينفتح لنا الرضا بإذن الله من أوسع الأبواب
  •  وبالحديث الشريف: ومن الجوامع في الدعاء قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء" وهو لفظ النسائي، وفيه سؤال ما يرضي الله تعالى بما فيه التحلي بالرضا الخاص.

ومنها دعاء الاستخارة كما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفيه تطلب الرضا الخاص في أي أمر تستخير الله تعالى بشأنه، ولعله لا يوجد فيما عرفته البشرية فيضا من الرحمات من إله خالق لعبد متذلل بين يديه مثل قولنا اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم (واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به)!!! تخيل.. أنك أنت، أنا، كل منَّا وأيٌّ منَّا، يطلب من الله أن يُـرَضّيه بقدره!! ومن أنا في ملكوته؟!! بل يكفيني فضلا أنه سمح لي أن أدعوه بهذه الكلمات!!

تدبرها.. لن تملك نفسك من البكاء.. رضاً وامتناناً وحياءً!!

3) شكر النعمة: من أسرار رضا الفقراء المؤمنين أنهم يعرفون لنعمة الله قدرها، ومن العلاجات أن تزورهم وتتعلم منهم وتتذكر النعم والتسخير، فإن فشلت في ذلك فاحرم نفسك من بعض النعم المادية عمليا وقدمها لفقير وكأنك معوز لها، فلعلك تستشعر الرضا، والأهم ألا ننسى مهما كان مستوانا المادي ما نحن فيه من نعم روحية معنوية، وإن العبودية لله تعالى وحده والتنزيل المبارك من أعظمها، فنرضى بدل التذمر والتسخط، بل ونسعى لإرضاء المنعم ليرضى عنا، وأبسط أشكال ذلك السعي في شكر المنعم سبحانه؛ قال تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 10]،آية وجدت بتدبرها أن كِبر الذي لا يشكر الله تعالى ليس أعجب منه إلا غباءه! إذ يحرم نفسه فضل الله تعالى والثواب حين لا يرتضي ما ارتضاه الله له!

اللهم ارض عنا ورضنا

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اظهار التعليقات