لماذا نتدبر القرآن ؟
أ. د. ناصر بن سليمان العمر
QR code
28/01/2016       7536 مشاهدة

مقدمة موقع تدبر:

الحمد لله الذي أنزل لنا الكتاب لنهتدي بهداه، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه.

أما بعد: فهذه ستة مقالات نافعة، عن التدبر وثماره اليانعة، كتبها فضيلة الشيخ أ. د . ناصر العمر في أزمنة متتابعة، لتكون لموضوعها جامعة، وموضوعها: لماذا نتدبر القرآن؟

أظهرت أهمية التدبر وعظيم فضله، وخطر تركه، ومضرة فقده.

فإليك بيانها وعليك فهمها وإتقانها، ولن تصدر عنها بإذن الله إلا وقد علمت الإجابة الشافية الوافية لهذا السؤال، والله الموفق والهادي إلى خير حال.

 

لماذا نتدبر القرآن ؟ 1/ 6

 

الحمد لله القائل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، {ثم الذين كفروا عما أنذروا معرضون}، أمرهم الله بالتدبر فإذا هم يتولون عما جاءت به الأنبياء مدبرين، فسبحان من أعمى الذي أبصر الآيات وحلاوتها، ووجد طلاوتها ومع ذلك حُرم تدبرها، فأدبر واستكبر، فلا جرم أن يدبر مع المدبرين {يوم يولون مدبرين ما لهم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد}، وحري بمثل هذا نارٌ تلظى، تدعو من أدبر وتولى.

وبعدُ إخوةَ الإسلام وحتى لا نكون في عِداد أولئك المعرضين كان حري بنا أن نعمل على تدبر كتاب ربنا صباح مساء، وذلك سبب كاف.

غير أن لتدبر كتاب الله جل وعلا أسباب أخرى كثيرة، أذكر فيما يلي بعضها مع إشارات يسيرة، أسأل الله أن تكون دافعة لنا إلى العمل على تدبر كتاب ربنا، فمن تلك الأسباب التي تحض على التدبر:

أولًا: ضرورة ربط واقع الناس بالقرآن والسنة، لما لهما من أثر على حياة الفرد والأمة، خاصة وأن الأمة تعيش وهنًا وضعفًا لم تمر بمثله في تاريخها، وكلنا يبحث عن العلاج والعلاج في القرآن {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، وكلنا يرجو السلامة والنجاة من مضلات الفتن التي تتابع، والنجاة في القرآن؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي)).

فرغد الحياة في كتاب الله جل وعلا، ومعالجة مشكلات الحياة في ضوء القرآن الكريم من أقوى وسائل الخروج منها، بل من أقوى أسباب رقي الأمة، والعود بها إلى سابق عهدها، الذي كان يعيشه السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، وهذا لا يكون بغير تدبر كتاب ربنا وكلامه الذي أنزله لإصلاح شأننا.

 

إن أمتنا اليوم تعيش وقتًا حرجًا ومرحلة حاسمة من تاريخها، خاصة بعد الغزو الغربي لأمة الإسلام، وعودة عصور الاستعمار التي خَلَت، فبعد أن رزحت الأمة تحت وطأة الاستعمار عقودًادُرست فيها معالم من علم الشريعة كانت لا تخفى بين الناس، بدأت آثار الاستعمار تنحسر بقيام الصحوة الإسلامية المباركة في المشارق والمغارب، فلم يجد الأعداء بدًا من إعادة الكرة للحيلولة بين الأمة وبين نهضتها.

 

ولما كان الارتباط بين الأمم السابقة واللاحقة وثيقًا، لتشابه الأحوال والظروف، وتوافق الطبع البشري، وإن اختلفت العصور والآلات، كان من الطبيعي أن تكون في آيات الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بل هو تنزيل من حكيم حميد كان لابد أن تكون آياته دروسًا تناسب حال من نزل عليهم القرآن، وكذلك تناسب المسلمين في كل زمان ومكان.

وقد قال الإمام الشاطبي رحمه الله:

وبعد فإن حبل الله فينا كتابه   *   فجاهد به حَبل العِدا مُتَحَبِّلا 

وأَخْلِق به إذ ليس يَخْلَقُ جِدةً  *   جديدًا مواليهِ على الجِدِّ مُقبِلًا

فهل من تالين لكتاب ربهم، متدبرين خطاب خالقهم وكلامه لهم، يخرجون بحبله المتين أمة غرقى؟ أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.

 

_ _ _ _ _ _ 

 

لماذا نتدبر القرآن ؟ 2/ 6

 

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المجتبى، وبعد:

من الأسباب الداعية إلى تدبر القرآن أمرُ الله لنا بأن نقف مع آياته وأن نتدبرها، بل ما أنزل الله القرآن إلا من أجل أن يُتأمل ويُتدبر ليُعمل به كما قال سبحانه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}، وقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}، وقال عز مِن قائل: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، وقال عز وجل: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ}، وقال جل شأنه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * ِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فالتفكر والتدبر والوقوف مع الآيات وتأملها أمر دعت إليه نصوص متظاهرة ولأجله أنزل القرآن، قال الحسن رحمه الله: "نزل القرآن ليُتدبر ويُعمل به"، قال ابن القيم في المدارج: " فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تُطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتضع في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه، وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه وطريق الوصول إليه وما له من الكرامة إذا قدم عليه.

وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه". اهـ

ولهذا تسمع قول الحق سبحانه وتعالى مقررًا أنه قد أنزله مباركًا ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ}، فهذه (اللام) في { ليَدَّبَّروا } و{ ليتذكر } لام الغاية والحكمة، فمن لم يأخذ حظه من مدخولهما لن يأخذ حظه من بركته، فعلى قدر سعيك إلى اكتساب حظك من التَّدبُّر والتَّذكُّر يكون حظك من بركة هذا الكتاب العظيم، وقد وصف الله جل جلاله القرآن الكريم في مواضع بالبركة:

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (الأنعام:92)، {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام:155)،{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} (الأنبياء:50).

والبركة من الكلمات الحبيبة التي تنشرح لها قلوب العباد، فإنها مرتبطة في وعيهم بالنماء والزيادة، وقد يغفلون عن معنى الثبات والدوام الذي تتضمنه الكلمة، فقرر بهذه الكلمة نَعْتينِ للكتاب:تجدد عطائه، ودوام نفعه.

ومن ثَمَّ حثَّ على تدبره لاستخراج ما فيه من خير متجدد لا يزول ولا يحول ولا يغيض، فهو لا يَصْلُحُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ وعصرٍ ومصرٍ فحســب، بل هـو يُصلِح كلَّ ذلك ويقومه ويقيمه على سواء الصراط: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرا}، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا}.

وأنت إذ تنظر في قول الله عز وجل{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} تر أنه سبحانه وتعالى قال{ ليدّبروا } في قراءة الجماعة، و{ لتَدَبَّرُوا } في قراءة أبي جعفر.

قراءة أبي جعفر بالتاء(المثناة الفوقية) هي لكل من يصح خطابه ولا سيما من كان أمة الإجابة وعلى رأسها المخاطب بصدر الآية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقراءة الجماعة بالياء (المثناة التحتية) لم تعين مرجع (الواو) كمثل ما جاء التعيين في (ليَتذَكّر) إذ جعله من أولي الألباب {وَلِيَتَذَكّرَ أُولُو الألْبَاب}، إشارةً إلى أن التذكرمنزلة مترتبة على حُسن التدبر، فمن قام بشيءٍ من حق التَّدبُّر كان له من التذكر نصيب على قدر لُبِّه ، وكثيرًا ما يقرِنُ التذكر بأولي الألباب: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ} (البقرة:269)، واللب هو خالص القلب الذي به يكون التعقل والتفكر والتذكر،والله عز وجل قد حث عباده على تدبره مقررًا اتساقه قائلًاسبحانه وتعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} (النساء:82)، فقرر أن ما يكون من عند غير الله سبحانه وتعالى فيه الاختلاف الكثير، أما ما كان من عنده جل جلاله فلا اختلاف فيه البتة، ولكن فيه تصريف البيان عن المعاني المحقق لبيان المراد كماله.

وفي هذا دعوة ربانية وإغراء كريم بالعكوف على تدبُّر البيان القرآني والوقوف على اتساقه وتناسبه، فإنه لن يؤمن المرء بأن القرآن الكريم من عند الله عز وجل إيمانًا مؤسسًا على علم وعرفان إلا إذا استفرغ جهده في هذا التدبر، فهو من جليل العبادات"(1).

فهلا استجبنا إخوة الإسلام لأمر ربنا، وعملنا على تدبر كتابه لنيل رحماته؟ ولعل ذلك لا يكون إلا بتدبر ما ذكر هنا من آيات.

أسأل الله أن ييسر لي ولكم أسباب الاستجابة إلى أوامره، وأن يجعلنا من المتدبرين لآياته.

--------

(1) من كلام الدكتور محمد توفيق في كتابه العزف على أنوار الذكر.

 

_ _ _ _ _ _ _ 

 

لماذا نتدبر القرآن ؟ 3/ 6

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على المبعوث بالهدى والخير العميم، وبعد:

إن من أسباب تدبر القرآن والوقوف مع آياته وتأملها... استجلاب طمأنينة القلب في خضم هذا العالم المضطرب {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، وأي ذكر أعظم من كلام الله، إن القلوب إذا فقهت مراد الله من آياته سار أصحابها إليه باطمئنان وثبات لا تزعزعه بدع المُحْدِثين ولا تأويلات الجاهلين ولافتن المضلين، فتأمل المرء للآيات كما قال ابن القيم: "يصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل، وتسهل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل، وتناديه كلما فترت عزماته وونى في سيره: تَقَدَّم الركب وفاتك الدليل، فاللحاق اللحاق والرحيل الرحيل، وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل، وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر! الحذر! فاعتصم بالله واستعن به وقل: حسبي الله ونعم الوكيل".

 

نــزه فـؤادك عـن سـوى روضاته  *  فـريـاضـه حِــلٌ لـكـل مــنـزه

والــفهمُ طِلِّسْـمٌ لكنز عــلومـه  *  فاقصد إلى الـطِلِّسْمِ تحــظَ بـكنزه

لا تخش مـن بـدع لهـم وحـوادث  *  مادمت في كَنَف الكتاب وحِرزه

من كان حارسُه الكتاب ودرعه  *  لم يخش مــن طـعـن الـعــدو ووخزه

لا تخش مـن شبهاتهـم واحـمل  *  إذا مـا قابـلــتـك بــنـصـره وبــعــزه

والله مـا هاب امرؤٌ شبهاتهم إلا  *  لضعـف القلب منه وعجـزه

ياويح تيس ظالع يـبغي مســا  *  بقـة الهـزبر بعـدوه وبجمزه

ودخان زبل يرتقي للشمس يسـ  *   تـر عينـها لمـا سرى في أزه

وجبـان قلبٍ أعزلٍ قَدْ رام يـأ  *   سر فارسًا شاكي السلاح بهزه

هذا بالإضافة إلى أن تدبر القرآن سبب لتسلية النفس وتثبيتها وحثها على الاقتداء بمن سبقها من أنبياء الله ورسله والصالحين من عباد الله وإمائه، قال الله تعالى: {وَكُـلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}. وبهذا يعلم أن تدبر القرآن يحتاجه المسلم في كل زمان وآن، وليس هو أمر خاص بأيام معدودات في رمضان.

 فاللهم ارزقنا الطمأنينة وتحقيق الإيمان، وثبت أفئدتنا وأقدامنا على الإسلام.

 

_ _ _ _ _ _ _ 

 

لماذا نتدبر القرآن ؟ 4/ 6

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فلعل من الحري بنا أن نتساءل لماذا لا نتدبر القرآن وهو كتاب ربنا لا لماذا نتدبر القرآن!

وإنَّ كتابَ الله أوثقُ شـافعٍ * وأغنى غناءً واهبًا مُتَفَضِّـلًا

  صح عند مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوَين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البَطَلَة))، قال معاوية: بلغني أن البَطَلَة: السَحَرَة.

وفي مسلم أيضًا من حديث النواس بن سمعان الكِلابي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تَقْدُمُه سورة البقرة وآل عمران))، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعدُ، قال:((كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما)).

فلماذا لا نتدبر من كان هذا حاله مع متدبره؟

ولماذا لا نتدبر القرآن، مع إن عليه لحلاوة، وإن فيه لطلاوة بشهادة العدو قبل الصديق.

وما أحسن قول الشاطبي عنه:

وخيرُ جليس لايُمَلُّ حديثـه * وتِردَاده يزداد فيه تجمـلًا

  ولماذا لا نتدبر القرآن:

وحيث الفتى يرتاع في ظلماته  * من القبر يلقاه سَنًا متهـللًا

  فقد روي الترمذي وأبو داود وابن ماجة وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سورةٌ من القرآن، ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: تبارك الذي بيده الملك)).

قال ابن حجر في الفتح: "قَوْلُهُ إِنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا، قِيلَ مَعْنَاهُ تُجَادِلُ عَنْهُ فِي الْقَبْرِ، رَوَى زَادٌ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: هِيَ الْمَانِعَةُ تَمْنَعُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ إِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَتَقُولُ رِجْلَاهُ: إنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي، إنَّهُ قَدْ وَعَى بِي سُورَةَ الْمُلْكِ، وَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَى مَا قِبَلِي إنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيَّ سُورَةِ الْمُلْكِ، قَالَ: وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبَةٌ سُورَةُ الْمُلْكِ مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ فَقَدْ أَكْثَرَ وَأَطْنَبَ وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ بَطْنُهُ وَهِيَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَاطِنَ ظَهْرِهِ فَيَدْخُلَ فِيهِ الصَّدْرُ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الصَّدْرَ هُوَ الَّذِي حَوَى السُّورَةَ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الرَّأْسِ إنَّهُ قَدْ قَرَأَ فِيَّ سُورَةِ الْمُلْكِ وَإِنَّمَا قَرَأَهَا بِالْفَمِ لَكِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّأْسِ".

أفلا يجدر بمن كان ذلك وصفه، وتلك ثمرته، أن نتدبره؟

 

_ _ _ _ _ _ _

 

لماذا نتدبر القرآن ؟ 5/ 6

 

الحمد لله القائل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وبعد:

لقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يتدبر كتاب ربه، وكيف لا وهو الذي أنزل عليه الأمر بتدبره!

فلماذا لا نتدبر القرآن وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يتدبره، وقد كانت لنا فيه أسوة.

عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ)). [رواه مسلم].

وبكى صلى الله عليه وسلم حين قرأ عليه ابن مسعود من سورة النساء قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا}، فهل تتوقع أن يكون ذلك من غير تدبر؟

وكان يدعو الأمة إلى التدبر وفهم معاني القرآن، فحين نزل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، قال صلى الله عليه وسلم: ((ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها)).

 

وقد سار السلف على خطى نبيهم صلى الله عليه وسلم، فأوصوا بالتدبر وضربوا لنا فيه الأمثال، فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: "ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب".

وكان الفضيل رحمه الله يقول: "إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملًا"، قيل: كيف العمل به؟ قال: "ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه".

 

وعمليًا كان منهم من يقوم بآية واحدة يرددها طيلة الليل يتفكر في معانيها ويتدبرها. ولم يكن همهم مجرد ختم القرآن، بل القراءة بتدبر وتفهم، عن محمد بن كعب القُرَظِي قال: "لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ(إذا زلزلت) و(القارعة) لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما وأتفكر أحبُّ إليَّ من أن أهُذَّ القرآن"؛ أي: أقرأه بسرعة.

 

ألا ينبغي أن تكون لنا في هؤلاء ومن قبلهم نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟

ألم يبدل الله حالهم بهذا القرآن؟

ألم يشرقوا به ويغربوا فاتحين الأمصار، حاملين خير الدارين للأمم بهذا الكتاب؟

ألسنا بحاجة إلى ما نحل به مشاكل واقعنا المعاصر المعقدة الحادثة؟ بلى والله، ولكن:

ومن العجائب والعجائب جمة  * قرب المراد وما إليه وصول 

كالعيس في البيداء يقتلها الظما  * والماء فوق ظهورها محمول

وصدق الله العظيم القائل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

اللهم قد حملنا الأمانة كما حملها جنس الإنسان، فأعنا على القيام بها بتدبر القرآن، فأنت المستعان وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

 

_ _ _ _ _ _ 

 

لماذا نتدبر القرآن ؟ 6/6

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله ومن تبعهم مصيبًا مخلصًا، وبعد:

إن من أعظم أسباب الهداية إلى الصراط المستقيم تدبر كتاب الهداية، كما أن من أعظم أسباب الضلال الإعراض عن مصدر النور، والتماس بنيات الطريق.

ولهذا كان تأمل آيات ربنا والوقوف معها وتدبرها من الأهمية بمكان، وكيف لانقف وكيف لانتأمل والله جلَّ ذِكْرُه يقول في كتابه: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا}.

ومن الإعراض عن كتاب ربنا، الإعراض عن تدبره، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "هجر القرآن أنواع، أحدها: هجر سماعه والايمان به والاصغاء إليه.

والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.

والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم اليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.

والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به".

ثم قال رحمه الله: "وكل هذا داخل في قوله: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا}".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} فبيَّن أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسول".

وقال ابن كثير يرحمه الله: "وترك تدبره وتفهمه من هجرانه".

وبالمقابل، قال ابن القيم: "ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتُتِلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وقواطيع الطريق وآفاته، وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة.

فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما يختلف فيه العالم، وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرق به بين الهدى والضلال، وتعطيه قوة في قلبه وحياة واسعة وانشراحًا وبهجة وسرورًا فيصير في شأن والناس في شأن آخر، فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتناديه كلما فترت عزماته: تقدَّم الركبُ وفاتك الدليل، فاللحاقَ اللحاقَ والرحيلَ الرحيلَ.

فاعتصم بالله واستعن به وقل: حسبي الله ونعم الوكيل".

فوجب علينا أن نقرأ القرآن وأن نتأمله وأن نقف معه حتى لا يكون فينا شيء من الإعراض عن كتاب الله أو هجره نسأل الله أن يرزقنا تدبر آياته والانتفاع بها.

فيا أيها القاريِ به مُتمَسِّكَا * مُجِلًا له في كل حالٍ مُبَجِّلا

هنيئًا مريئًا والداك عليهما * ملابس أنوار من التاج والحُلا

فما ظنكم بالنَّجْلِ عندَ جَزَائه * أولئك أهلُ اللهِ والصَّفْوَةِ الملا

جزى الله بالخيرات عَنَّى أئمةً * لنا نقلوا القرآن عذبًا وسلسلًا

والحمد لله أولًا وآخرًا.

اظهار التعليقات
الحسينى انور شبانة الديب
27/11/2016
  اللهم اجعلنا من المتدبرين
محمد فرحات
29/07/2016
  جزاك الله خيرا وبارك فيك علي الدرس الجميل