دعوة إلى تدبر ألفاظ القرآن الكريم
عبد الله بن سليمان النمله
QR code
22/11/2015       2354 مشاهدة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

فإن خير الكلام كلام الله، وهو أجل ما نظر فيه النظار، وأعظم ما تُصرف فيه الأوقات والأفكار، فقد حوى الخير والهدى والرشاد، والفوز والفلاح في الدنيا والمعاد، ما ظلَّ من تمسك به أبدا، ولا شقي من اتبع الذكر فيه والهدى، وإن خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أرسله الله بالقرآن، فبشَّر به وأنذَّر، ورغَّب به وذكَّر، وما انفك عنه يرجع إليه وينهل منه ويتفكر فيه ويتمثل به، يقرأه ولا يتعجل به، ويتدبره ولا يغفل عنه، ويحفظ حزبه فيه ولا ينقص منه، حتى صار خُلُقه القرآن، صلوات ربي وسلامه عليه، ألا وإن شر الأمور ما أُحدث في هذا الدين مما زاد عن القرآن، فقد أغنى البيان فيه عن كل بيان، فهو النور المبين، والذكر العظيم، وهو الصراط المستقيم، {الم * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين}، هدى ورحمة، وخير البيان ما جمع بين الهدى والرحمة، ومن أعظم صور الهدى والرحمة في القرآن أنه أتى بأعظم الخير وأكمله، بأسهل بيان وأيسره، قد يسر الله ألفاظه للحفظ، ومعانيه للفهم: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}، والسرُّ في هذا البيان، أن الكلام يتكون من ألفاظ ومعان، وبقدر قلة الألفاظ وكثرة المعاني يكون الكلام بليغًا مفيدا، وسهلًا ميسرا، وذلكم هو كلام الله عز وجل: {الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم}، وتأمل: فمع كون القرآن قد تشابهت فيه الآيات، وتكررت فيه القصص والعظات؛ إلا أنه قد حوى من المعاني ما تقشعر منه جلود أهل الخشية كلما تدبروه وتأملوه، وأمعنوا النظر فيه وتذكروه.

فإذا أردت معرفة حِكَم القرآن وأحكامه، ولطائفه وأسراره، فأبحر بألفاظه، تجد من ورائها المعاني الزاخرة، والدرر الفاخرة، فانظر إلى دقة اختيار اللفظ دون غيره من الألفاظ التي في معناه، ما السر فيه، وما المراد منه، وانظر إلى علاقة اللفظ ومعناه بالألفاظ والمعاني التي في السياق، كيف اجتمعت، وما الذي أثمرت، وكرر هذه الألفاظ على نفسك، وتأمل أثر معانيها في واقعك وحياتك، تَفكَّر في ذلك كله، {ولا تحرك لسانك لتعجل به}، فكلما ظهر لك معـنـًى من المعاني التي يحملها اللفظ، فتنبه له واجمعه إلى المعاني الأخرى، فتنال بذلك خيرًا كثيرا، وعلمًا غزيرا، كلما مررت بالآية ظهر لك من المعاني ما لم يظهر لك من قبل.

وإليك ما ذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي في بعض كتبه، حيث قال رحمه الله: "إنه ينبغي أن لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراد ذلك، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الذي دل عليه اللفظ.

والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران:

أحدهما: معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه.

والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد عَلِم تعالى ما يلزم من تلك المعاني، وهو المُخبِر بأن كتابه هدىً ونورٌ وتبيانٌ لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحًا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير بحسب ما وفقه الله له، وقد كان في تفسيرنا هذا كثيرٌ من هذا، مَنَّ به الله علينا".

"فتدبر الألفاظ العامة والخاصة، والتأمل في سياق الكلام، والاهتمام بمعرفة مراد الله بكلامه، وتنزيله على الأمور كلها؛ هو الأمر الأهم، وهو المقصود، وهو الذي تعبد الله العباد به، وهو الذي يحصل به العلم والإيمان".

ومن الأمثلة على ذلك: قول الله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}، فانظر إلى الحكمة في اختيار هذا اللفظ: (حرجًا) دون غيره من الألفاظ التي في معناه، وانظر إلى علاقة هذا اللفظ ومعناه بالألفاظ والمعاني التي في السياق، فقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا من الأعراب من أهل البادية: ما الحَرَجَة؟ فقال: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.

وأما تكرير ألفاظ الآية والتأمل في معانيها مرةً بعد مرةً والنظر إلى أثرها في الواقع والحياة فهذه عادة السلف، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قام إحدى الليالي بآية يرددها حتى أصبح، وهي قوله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}، وقام تميم الداري رضي الله عنه بآية حتى أصبح: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}، وردد الحسن البصري رحمه الله قول الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم} حتى أصبح، فلما سئل عن ذلك قال: إن فيها معتبرا؛ ما نرفع طرفًا ولا نرده إلا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر.

ولا شيء أنفع للقلب وأهدى للعلم والعمل من إدامة الفكر والنظر في كتاب الله عز وجل، وقد فهم السلف رحمهم الله الحكمة من إنزال هذا القرآن، فاشتغلوا بتدبر ألفاظه، والتأمل في معانيه، وملء الحياة به، حتى صار القرآن ربيع قلوبهم؛ إذا وقفوا عنده لم يرغبوا في التحول عنه.

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اظهار التعليقات