الحلقة الثالثة - من أعلام المتدبرين عمر بن خطاب رضي الله عنه
زكريا بن عبد الرحمن
QR code
01/03/2017       3207 مشاهدة

الحلقة الثالثة سلسلة أعلام المتدبرين - الفاروق عمر بن خطاب رضي الله عنه

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

ومع نجمٍ آخر من نجوم الصحابة رضي الله عنهم جميعًا؛ نجم من نجوم التدبر كانت مجالسه عامرة بتدبر القرآن الكريم مع أكابر الصحابة رضي الله عنهم من البدريين وغيرهم، كان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرًا؛ أي: رسولًا، وإذا نافرهم منافرٌ أو فاخرهم مفاخرٌ بعثوه منافرًا أو مفاخرًا، وأسلم قديمًا بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلًا وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون، قال ابن مسعود رضي الله عنه: " كان إسلامه فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى أسلم ..." ا.هـ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه أنه ما سلك فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا آخر.

اسمه ونسبه:

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر (وهو قريش) بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، العدوي القرشي..

قال عنه الذهبي: "هو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد أصهار النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد كبار علماء الصحابة، وأحد زهادهم، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (539) حديثًا "([1]).

ونحاول في هذا المقال أن نتلمس بعض المعالم المنهجية عند الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تلقي القرآن الكريم وتعليمه وتدبره والعمل به، ومن هذه المعالم ما يلي..

المعلم الأول: تعليمه للمنهج الصحيح في كيفية تلقي القرآن

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " كنَّا نحفظ العشر آيات فلا ننتقل إلى ما بعدها حتى نعمل بهن"، وروي عنه أنه حفظ سورة البقرة في تسع سنين، وليس ذلك للانشغال عن الحفظ أو رداءة الفهم، حاشاه رضي الله عنه، ولكن بسبب التدقيق والتطبيق والتدبر والعمل.

لقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقلون فقط القرآن لمن بعدهم، ولكنهم كانوا ينقلون أيضًا كيفية التلقي ومنهج التلقي للقرآن، وكم نحن بحاجة إلى إشاعة هذا المنهج بين الناس عامةً وأهل القرآن خاصة، لأن هذا المنهج من أعظم الوسائل المعينة على التدبر، والمتأمل اليوم في حلقات وخلاوي تحفيظ القرآن الكريم يجد تقصيرًا وغفلة عن تطبيق هذا المنهج أو حتى تنبيه الدارسين إليه إلا من رحم الله، بينما نجد الفاروق عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة رضي الله عنهم كثيري التنبيه للدارسين على هذا المنهج في التلقي.

المعلم الثانيكثرة السؤال لأهل العلم من الصحابة عن القرآن

إن السؤال عن معاني آيات القرآن وما يستشكل المرء من الآيات من أعظم ما يعين على فهم القرآن وتدبره، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثير السؤال للصحابة عن القرآن الكريم؛ إما من باب المدارسة، وإما من باب التعلم ونحو ذلك، خاصةً كبار قراء الصحابة وأهل الفضل منهم، فعن ابن عباس: أن عمر دخل منزله فقرأ في المصحف، فمرَّ بهذه الآية: ﴿الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم﴾، فأتى أُبيًّا فأخبره، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما هو الشرك([2])، وعن المسيّب: أن عمر بن الخطاب قرأ: ﴿الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم﴾، فلما قرأها فَزِع، فأتى أُبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر؛ قرأتُ آية من كتاب الله؛ مَنْ يَسْلم؟! فقال: ما هي؟ فقرأها عليه؛ فأيُّنا لا يظلِمُ نفسه؟ فقال: غفر الله لك! أما سمعت الله تعالى ذكره يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك([3]).

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيمن ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس: ضُربت مثلًا لعمل، قال عمر: أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمِل بالمعاصي([4]).

ومن ذلك سؤال عمر رضي الله عنه لأُبي بن كعب رضي الله عنه عن معنى التقوى فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى([5]).

والمواقف كثيرة للفاروق رضي الله عنه التي تدل على حرصه على السؤال عن القرآن الكريم، وغالبًا فإن هذا السؤال إنما نشأ من التأمل فيما يقرأ.. واليوم لا تسمع من أكثر قُراء القرآن سؤالًا عن آية من آياته إلا من رحم الله، لأنه لا هم لأكثر من يقرأ القرآن في الفهم، وإنما همهم في كثرة القراءة أو الحفظ.

المعلم الثالثكثرة القراءة للقرآن بالتأمل

إن كثرة القراءة للقرآن الكريم والمداومة عليها لها أثر كبير في استحضار معاني القرآن الكريم، ومن ثم التأمل والتفكر في هذه المعاني، وخصوصًا عند اختيار زمان أو مكان مناسب للقراءة، مثل البيت أو غيره من الأماكن المناسبة للبُعد عن الملهيات، وقد كان الفاروق رضي الله عنه كثير القراءة للقرآن خاصةً في بيته عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مثل البيت الذي يُذكَر الله فيه، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت)) أخرجه مسلم([6])، وقال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة )) رواه مسلم([7])، فعن ابن مهران: أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأه، فدخل ذات يوم فقرأ، فأتى على هذه الآية: ﴿الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولـئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ﴾([8])، وعن ابن عباس: أن عمر دخل منزله فقرأ في المصحف([9])، فنلاحظ من هذا كثرة ارتباط عمر رضي الله عنه بالقرآن الكريم، ولا شك أن لإدامة القراءة في القرآن الكريم دورٌ كبير في تأمله والتفكر فيه، وهذا كان هدي عامة السلف.

المعلم الرابعبيانه لأساليب التدبر وطريقته

إن معرفة الأساليب المعينة على تدبر القرآن الكريم من أهم ما ينبغي أن يحرص على معرفتها قارئ القرآن، وقد كان للفاروق رضي الله عنه دورٌ في بيان هذه الأساليب للناس أو تطبيقها معهم، ومن ذلك:

1.  اسلوب الإصغاء واستماع القرآن الكريم من الغير:

للصوت الحسن طريقهُ إلى القلوب والتأثير على السامعين، وبخاصة إذا كان القارئ من أهل القرآن العارفين المجودين، فإنه يسلب القلوب ويجذبها لسماع القرآن والتأثر به.

أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي سلمة قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى رضي الله عنه "ذَكِّرنا ربنا عز وجل، فيقرأ"([10]).

قال ابن بطال رحمه الله في بيان الحكمة من طلب النبي صلى الله عليه وسلم سماع القرآن من ابن مسعود رضي الله عنه: "يُـحتمل أن يكون كي يتدبره ويفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر وأنشط على التفكر من القارئ لذلك لاشتغاله بالقرآن".

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "اعلمْ أن جماعات من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءات بالأصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعِباد الله الصالحين، وهو سنَّةٌ ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"([11]).

وقد روى الفاروق رضي الله عنه موقفًا للنبي صلى الله عليه وسلم في استماع قراءة القرآن من ابن مسعود، فعن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى ابن مسعود رضي الله عنه وهو يقرأ فوقف طويلًا ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يقرأ القرآن غَضًّا طَرِيًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد))([12]).

وقد روي عنه تطبيقُ مثل ذلك الاستماع، فقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور، فلما بلغ إلى قوله تعالى ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ قال عمر: قَسَمٌ ورب الكعبة حق، ثم رجع إلى منزله فمرض شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه"

2.  اسلوب التفاعل مع الآيات التي يقرؤها:

التفاعل مع الآيات أسلوب من أساليب التدبر، ومعناه: التفاعل مع الآيات بالسؤال والتعوذ والاستغفار والتجاوب مع أسئلة القرآن الكريم ونحوه عند مناسبة ذلك، فهو دال على التفاعل الحي، وأن القارئ حاضر القلب مع التلاوة، وهو من أعظم صفات التفاعل الدالة على التدبر، ولذا كان هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح رضي الله عنهم؛ أخرج مسلم عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذ تعوَّذ"([13])، وقد كان عمر رضي الله عنه يطبق هذا الأسلوب ويعلِّمه لغيره ويجعله أحد معاني تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في قوله ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾؛ قال: إذا مرَّ بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مرَّ بذكر النار تعوَّذ بالله من النار"([14]).

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية ﴿مَا غَرَّكَ  بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؛ قال: غرَّة واللهِ جهله([15]).

وعن قتادة في قوله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلناكُم خَلائِفَ فِي الأَرضِ مِن بَعدِهِم لِنَنظُرَ كَيفَ تَعمَلونَ﴾؛ ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: صدق ربُّنا، ما جعلنا خُلفاء إلا لينظر كيف أعمالُنا، فأرُوا الله من أعمالكم خيرًا بالليل والنهار، والسرِّ والعلانية([16]).

3.  اسلوب المعايشة للآيات التي يقرؤها:

فهو أسلوب من أساليب التدبر ومزيدِ الفهم للآيات؛ عن عبدالله بن شداد قال: سمعت نشيجَ عمر وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف حتى بلغ: ﴿إِنَّما أَشكو بَثّي وَحُزني إِلَى اللَّـهِ﴾، وبكى حتى سالت دموعه على ترقوته([17]).

قال النووي رحمه الله: "وفي رواية أنه كان في صلاة العشاء، فدل على تكريره منه" ا.هـ.

وقال النووي أيضًا: "ويستحب البكاء عند القراءة وهي صفة العارفين وشعار عِباد الله الصالحين؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرّونَ لِلأَذقانِ يَبكونَ وَيَزيدُهُم خُشوعًا﴾، والأحاديث والآثار فيه كثيرة" ا.هـ.

وفي هذا الاسلوب يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى: "ولا يفهم النصوص القرآنية حقَّ الفهم إلا من يواجه مثل هذه الظروف التي واجهتها أول مرة؛ هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة، وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات، وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها؛ تنتفض خلائقَ حَيَّةً موحية دافعة دافقة، تعمل في واقع الحياة، وتدفع بها إلى حركة حقيقية في عالم الواقع وعالم الضمير".

4.  اسلوب النظر إلى المقاصد:

المقصد هو مغزى السورة الذي ترجع إليه معاني السورة ومضمونها، ويمثِّل روحها الذي يسري في جميع أجزائها، وهو باب عظيمٌ من أبواب تدبر القرآن الكريم، وقد أشار لهذا المعنى الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بقوله: "إنما يكون التدبر لمن نظر إلى المقاصد"، ونجد الفاروق رضي الله عنه كان من المتدبرين من خلال التأمل في المقاصد، فعن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَدَ في نفسه فقال: لِـمَ يُدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أَجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أعلَمَه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ﴾، فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابً﴾، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول([18]).

فقول عمر رضي الله عنه: "لا أعلم منها إلا ما تقول" يبين أنه رضي الله عنه كان ينظر إلى مقاصد السور ويتدبر من خلالها.

5. اسلوب القيام بالليل وقراءة القرآن:

فهو اسلوب من أساليب التدبر ولذا وجَّه القرآن كثيرًا إلى أهمية القراءة بالليل خاصةً في الصلاة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴿٦٤﴾ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿٦٥﴾ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، وقال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ  وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾؛ قال: "هو أجدر أن يفقه القرآن" رواه أبو داود ([19]).

جاء في مصنف ابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يمر بالآية في وِرْدِه فتخنقه فيبكي حتى يلزم بيته فيعوده الناس يحسبونه مريضًا.

فقد كان له رضي الله عنه وِرْد بالليل، وكان كثير التدبر فيه.

6. اسلوب تدارس القرآن الكريم:

المدارسة سُنَّة نبوية غفل عنها بعض المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة.

وقد كان الفاروق رضي الله عنه مدرسةً في هذا الأسلوب من أساليب التدبر، وقد نقل أهل التراجم والسير مواقف متعددة للفاروق تدل على عنايته بهذا الأسلوب لما له من أهمية في التربية، فمن ذلك ما سبق نقله من تدارسه مع أشياخ بدر رضي الله عنهم حول سورة النصر، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير: قال ابن زيد في قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّـهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبْحة وفرغ، دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيانٍ قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف... "([20])

7. اسلوب الاعتبار بالقرآن الكريم:

ونقصد بالاعتبار: أن يَعْبُرَ بالآية عمن نزلت فيه من الكفار والمنافقين إلى غيره، فإن من فعل فعلهم لا يأمن أن يعاقب عقابهم، وقد قال بعض المفسرين: " كل آية في الكفار تجرُّ ذيلها على عُصاة المؤمنين"([21]).

وقد كان الفاروق رضي الله عنه يطبق هذا الأسلوب، فعن جابر قال: رأى عمر رضي الله عنه لحما معلقًا في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ فقلت: اشتهيت لحمًا فاشتريته، فقال: أوكلما اشتهيتَ اشتريتَ يا جابر؟ أما تخاف هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾([22]).

وفي قوله تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كان إذا تلاها قال: "مضى القوم وإنما يعني به أنتم"([23]).

المعلم الرابع: بيانه أثر قراءة التدبر على القلب

إن القراءة المتدبرة للقرآن لها أثر كبير على القلب والجوارح وعامة السلوك، وقد كان من المعالم عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان ينبه على أن الوحي إنما أنزل لحياة القلوب؛ قال رضي الله عنه مبينًا ذلك: "إن الله إنما ضرب لكم الأمثال وصرَّف لكم القول لتحيا القلوب، فإن القلوب ميتى في صدورها حتى يحييها الله ..." أهـ.

المعلم الخامس: سرعة الاستجابة والعمل بالقرآن والوقوف عند حدوده

المنهج الشرعي قائمٌ على سرعة الاستجابة، قائمٌ على التنفيذ، قائمٌ على التطبيق، قائمٌ على المبادرة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم، وعندما ننظر إلى سيرة الفاروق رضي الله عنه في تعامله مع القرآن نجد ذلك جليًا واضحًا، ومن ذلك: لـمَّا نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انتهينا، انتهينا !!"([24])

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قَدِمَ عُيينةُ بن حصن فنزل على ابن أخيه الـحُرّ بن قيس -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا- فقال عُيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، فاستأذنَ فأذِن له عمر، فلما دخل قال: هِيْ يا ابن الخطاب!! فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به، فقال له الـحُرّ: يا أمير المؤمنين؛ إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ﴾، وإن هذا من الجاهلين.. واللهِ ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافًا عند كتاب الله تعالى " رواه البخاري([25]).

وعن مجاهد في قول الله عز وجل ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ قال: "كَتَبَ عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أنْ يبتاع له جاريةً من (جَلولاء) يوم فُتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب فقال: إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فأعتقها عمر" ا.هـ.([26])

المعلم السادس: استغلال الأحداث في الربط بكتاب الله

فمما يعين على تدبر القرآن الكريم استغلال الأحداث والمناسبات والوقائع وربطها بالآيات القرآنية لما في ذلك من الأثر الكبير في فهم القرآن والانتفاع به وتدبره، وقد كان الفاروق رضي الله عنه يستغل الأحداث والمواقف في ربط الناس بكتاب الله تبارك وتعالى، ومن المواقف التي تُبين ذلك: موقفه عندما جاء إليه بعض المسلمين يشكُون من الجدب وانقطاع المطر حتى يئس الناس: عن قتادة قال: "ذُكر لنا أن رجلا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين قحط المطر، وقنط الناس، قال: مُطِرْتُم (أو مُطِرُوا بإذن الله)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾" ا.هـ([27]).

وعن الشعبي قال: "خرج عمر بن الخطاب يستسقي فما زاد على الاستغفار، ثم رجع فقالوا: يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يُستنزَل بها المطر، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، وقرأ الآية التي في (سورة هود) حتى بلغ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾" ا.هـ([28]).

وعن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار وقال لرسوله: أنظر ماذا يصنع بها إذا أخذها، فما لبث أن لبس ألين الثياب وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره فقال: رحمه الله؛ تأول هذه الآية: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّـهُ﴾.ا.هـ.([29]).

أخيرًا فتلك جملة من المعالم المتعلقة بالتدبر في حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

إننا بحاجة إلى إعادة بناء وترميم علاقتنا مع القرآن الكريم من خلال سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم من خلال سير هؤلاء الأعلام.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

كتبه

زكريا بن عبد الرحمن بن محمد با فضل

 

([1])- سير اعلام النبلاء.

([2])- انظر تفسير الطبري والشوكاني

([3]) - المصدر السابق.

([4]) - انظر تفسير الطبري وابن كثير.

([5]) - انظر تفسير ابن كثير

([6]) - رواه مسلم برقم (779).

([7]) - رواه مسلم برقم (780).

([8]) - انظر تفسير ابن كثير.

([9]) - انظر تفسير الطبري وابن كثير.

([10]) - أبو نعيم في الحلية 1 \ 258.

([11]) - التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص / 84.

([12]) - أخرجه الحاكم برقم (2949).

([13]) - رواه مسلم برقم (772).

([14]) - انظر فتح القدير للشوكاني.

([15]) - المصدر السابق.

([16]) - انظر تفسير الطبري والشوكاني.

([17]) - انظر تغليق التعليق 2\300وإسناده صحيح.

([18]) - رواه البخاري برقم (4970)

([19]) - رواه أبو داود برقم ( 1304 )

([20]) - أخرجه ابن جرير في تفسيره.

([21]) - البحر المديد:3/283.

([22]) - الآداب الشرعية:3/341.

([23]) - انظر فتح القدير للشوكاني.

([24]) - انظر تفسير ابن جرير.

([25]) - رواه البخاري.

([26]) - انظر تفسير الطبري.

([27]) - انظر تفسير ابن جرير.

([28]) - المصدر السابق.

([29]) - انظر تفسير ابن جرير.


اظهار التعليقات