الحلقة الثانية - من أعلام المتدبرين عبدالله بن عباس رضي الله عنه
زكريا بن عبد الرحمن
QR code
21/02/2017       2700 مشاهدة

الحلقة الثانية سلسلة أعلام المتدبرينكهل الفتيان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

ومع نجم آخر من نجوم الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، والذي كان له دور مهم في تعليم القرآن الكريم في الأمة، بل كان من أعلم الصحابة بالقرآن الكريم وتفسيره، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالفقه والعلم والتأويل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يردفه معه على دابته، وكان على صغر سنه راجح العقل سديد الرأي يُرجع إليه في النوازل والمعضلات، وكان يجلس مع أكابر الصحابة وأهل الشورى؛ منهم من أهل بدر، وكان يفتي في زمن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، وكان عمر بن الخطاب يحرص على مشورته في كل أمر كبير، وكان يلقبه بفتى الكهول، وكان إذا ذكره قال: "ذاكم كهل الفتيان"، وكان يحبه محبةً خاصة، حتى قال: "لا يلومني أحدٌ في محبته".

اسمه ونسبه:

هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (شَيْبَة) بن هاشم (واسمه عمرو) بن عبد مناف بن قُصَي بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال عنه الذهبي: "البحر؛ حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير".

وُلد بشِعْب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين. ولما توفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان له ثلاث عشرة سنة فقط، ومع ذلك فقد حفظ للمسلمين عن نبيهم ألفًا وست مئة وستين حديثا؛ أثبتها البخاري ومسلم وغيرهما.

ثناء الصحابة وأهل العلم عليه:

1.    أُبي بن كعب رضي الله عنه أثنى عليه، وهو من شيوخه؛ روى ابن سعد من طريق يُسْر بن سعيد عن محمد بن أُبي بن كعب عن أبيه أنه سمعه يقول -وكان عنده ابن عباس فقام- قال: (هذا يكون حبر هذه الأمة؛ أوتي عقلًا وجسمًا، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَفْقَه في الدين)

2.    ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد)([1])، وفي رواية (ما عاشره). أي: ما بلغ عُشره؛ أي: عُشر ما عنده من العلم، وقال: (ولَنِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس)([2])، وقال: (لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا، ما تعلقنا معه بشيء)([3]).

3.    عن طاووسٍ قال: " أدركت سبعين شيخًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا تدارؤوا في شيء أتوا ابن عباس حتى يُقْدِرَهم عليه"([4]).

ونحاول في هذا المقال أن نتلمس بعض المعالم المنهجية عند الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه في تلقي القرآن الكريم وتعليمه وتدبره والعمل به، ومن هذه المعالم ما يلي:

المعلم الأول: تعليم الهدف من تلقي القرآن

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصحَّحه عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قال: "يُـحِلُّون حلاله، ويحرِّمون حرامه، ولا يحرِّفونه عن مواضعه". وأخرجوا عنه أيضًا قال: "يتَّبِعونه حقَّ اتباعه"، وهذه هي ثمرة التدبر والتلقي للقرآن الكريم،، وكم نحن بحاجة اليوم إلى إشاعة ونشر هذا الهدف بين الناس، لأن معرفة واستحضار هذا الهدف من أعظم الأسباب المعينة على التدبر.

وكان هذا منهج عامة الصحابة كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: "إنَّا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلَّموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأُخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنَّا نتعلم القرآن والعمل به" ا.هـ.

والمتأمل اليوم في كثير من محاضن تعليم القرآن الكريم يجد تقصيرًا عن تعليم هذا الهدف وجعله رؤيةً لكل متعلمٍ لكتاب الله تبارك وتعالى، وأصبح هَمُّ كثيرٍ منهم مجرد الحفظ والتلاوة وتكثير الختمات، قال الحسن البصري: "أُنزل القرآن ليُعمل به، فاتَّـخذ الناس تلاوته عملًا" ا.هـ؛ يعني أنهم اقتصروا على التلاوة وتركوا العمل به، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "ويُريهم إبليسُ أن في كثرة التلاوة ثوابًا وهذا من تلبيسه" ا.هـ؛ حيث أشغلهم عن التدبر والعمل.

المعلم الثاني: توجيه الناس نحو تدبر القرآن الكريم

عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني رجلٌ سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلةٍ مرةً أو مرتين، فقال ابن عباس: لَأن أقرأ سورةً واحدة أعجب إليَّ من أن أفعل ذلك الذي تفعل"([5]).

إن المتأمل في هذا الموقف يجد أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قد لفت انتباهه إلى كيفية القراءة وأيهما أفضل؛ ما يصنعه من الاستعجال أو قراءة عددٍ قليل من الآيات مع التفكر والتأمل فيها، فكان هذا توجيهًا من ابن عباس رضي الله عنه للرجل أن يعتني بتدبر ما يقرأ لا أن يَهُذَّ القرآن هَذًّا.

وكم نحن بحاجة إلى المعلم المربي الذي يوجه طلاب الـحِلَق القرآنية بمثل هذا التوجيه الحاني لهذا الأمر العظيم.

المعلم الثالثبيانه لأساليب التدبر وطريقته.

إن معرفة الأساليب المعينة على تدبر القرآن الكريم من أهم ما ينبغي أن يحرص على معرفتها قارئ القرآن، وقد كان لابن عباس رضي الله عنه دورٌ في بيان هذه الأساليب للناس أو تطبيقها معهم، ومن ذلك:

1.    أسلوب مدارسة القرآن الكريم:

المدارسة سُنَّة نبوية غفل عنها بعضٌ من المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة.

وقد نقل لنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه مما نقله من علم عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بهذا الأسلوب من أساليب تدبر القرآن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" رواه البخاري ومسلم([6]).

وقد كان كثيرًا ما يشارك في مجالس المدارسة القرآنية في مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير: قال ابن زيد في قوله ﴿وإذا قيلَ له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبْحَة وفرغ دخل مربدًا له، فأرسل إلى فتيانٍ قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة، قال: فيأتون فيقرأون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف..."([7])

وعن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَدَ في نفسه فقال: لِـمَ يُدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أَجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أعلَمَه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ، فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول([8]).

ويؤخذ من هذه الأحاديث والآثار جملةٌ من الضوابط والآداب المتعلقة بمجالس المدارسة؛

منها: أنها عامة لأهل العلم والقُرَّاء وعامة الناس.

ومنها: أنها ليست خاصة بمجالس معينة، بل هي في مجالس الكبراء كما أنها في مجالس أهل العلم وعامة مجالس المسلمين.

ومنها: أنها تستحب في أوقات إقبال الناس على القرآن الكريم، وفي الأزمان الفاضلة كرمضان وغيره.

ومنها: أن لهذه المجالس أثرًا يظهر على أهلها، كما وصف ابن عباس النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أجود الناس، ولكن كان أكثر ما يكون جودًا في رمضان عند مدارسة القرآن الكريم.

ومنها: بيان الأعمار المناسبة لمثل هذه المجالس، وهي الخامسة عشرة أو نحوها فما فوق، وذلك أن هذا كان سن ابن عباس رضي الله عنه عند دخوله تلك المجالس وهو المأخوذ من قوله: "فأرسل إلى فتيانٍ".

ومنها: أن المدارسة تكون من جَمْعٍ من الناس، وأقلُّ الـجَمْعِ اثنان، وتكون محاورةً مشتركة عن طريق السؤال والجواب والنقاش.

ومنها: أهمية أن يكون في هذه المجالس رأسٌ يضبطها؛ يكون من أهل العلم أو لديه الأهلية الكافية، لئلا تخرج هذه المجالس عن الهدف منها.

ومنها: أهمية أن تكون هناك مجالس مستمرة لأهل القرآن وحُفَّاظه ومُعَلِمِيه، فإن عمر رضي الله عنه كان يرسل لأهل القرآن.

ومنها: اختيار المكان المهيأ المناسب لإقامة هذه المجالس.

وقد طبَّق ابن عباس رضي الله عنه هذا الأسلوب الذي تعلَّمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم من عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع تلاميذه لينقل إليهم هذا الأسلوب، فعن مجاهدٍ قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات؛ من فاتحته إلى خاتمته، أستوقفه عند كل آية وأسأله عنها"([9])

وكم نحن بحاجة إلى إحياء هذه السنة التي هجرها كثيرٌ من أهل العلم وأهل القرآن فضلًا عن غيرهم، بينما كانت هي أصل من أصول العلم عند السلف كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (التبيان في آداب حملة القرآن): "روى ابن أبي داود في كتاب المصاحف: فعل الدراسة مجتمعين عن جماعات من أفاضل السلف والخلف وقضاة المتقدمين"([10]).

2.    اسلوب الترتيل والتمهل:

الترتيل معناه التمهل في القراءة والتأمل فيما يقرأ، وللترتيل وظيفة كبيرة في الطَرْقِ على المشاعر ومن ثَـمَّ استثارتها وتجاوبها مع الفهم الذي سيولِّده التدبر، ولقد اعتنى الصحابة رضي الله عنهم بالترتيل ووجهوا نظر من بعدهم إليه، لأن القراءة المتأنية أدعى لحسن الفهم والعمل، ومن الصحابة الذين كان لهم اعتناء بالتوجيه لذلك -لما له من الأثر في التدبر- عبد الله بن عباس رضي الله عنه؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لَأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله"([11]).

3.    اسلوب القراءة بالليل:

فهو اسلوب من أساليب التدبر، ولذا وجَّه القرآن كثيرًا إلى أهمية القراءة بالليل، خاصة في الصلاة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴿٦٤﴾ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴿٦٥﴾ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، وقال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾، وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ  وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾؛ قال: "هو أجدر أن يفقه القرآن" رواه أبو داود([12]).

وقد طبَّق ابن عباس هذا الأسلوب تطبيقًا عمليًا أمام طلابه، فعن أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب"([13]).

وعن معتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء، قال: رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من البكاء.

4.    اسلوب ربط اللسان بالقلب عند القراءة [القراءة الواعية]:

فأول جارحةٍ تُـخاطب بهذا القرآن هي القلب، فإن استجاب القلب استجاب له بقية الجوارح، وإن أعرض أعرضت بقية الجوارح، فعن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس إني رجلٌ سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلةٍ مرةً أو مرتين، فقال ابن عباس: لَأن أقرأ سورةً واحدة أعجب إليَّ من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا ولابد فاقرأ قراءة تُسمعها أذنيك ويعيها قلبك"([14]).

ما أجمل هذا التوجيه لهذا الأسلوب الذي يستطيعه كل تالٍ وقارئ للقرآن الكريم.

5.    اسلوب الجمع بين النصوص والتأمل فيها:

عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه فقال: "إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: وما هو؟ قال: قال الله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، فقال ابن عباس رضي الله عنه: "فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى، ثم في النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتسآلون" رواه البخاري في كتاب التفسير: (سورة حم السجدة).

فهذا مجال من مجالات تدبر القرآن، وهو مجال كذلك لرفع وإزالة التعارض المتوهَّم عند بعض الناس.

6.    اسلوب النظر والتأمل في المقاصد:

المقصد هو مغزى السورة الذي ترجع إليه معان السورة ومضمونها، ويمثل روحها الذي يسري في جميع أجزائها، وهو باب عظيم من أبواب تدبر القرآن الكريم، وقد أشار لهذا المعنى الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى حيث قال: "إنما يكون التدبر لمن نظر إلى المقاصد"، ومن خلال النظر إلى ابن عباس رضي الله عنهما نجد أنه كان يتدبر من خلال هذا الأسلوب.

فعن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَدَ في نفسه فقال: لِـمَ يُدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أَجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أعلَمَه له، قال: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ، فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول.([15])

المعلم الرابع: الإنكار على من ترك التدبر باللطف.

فقد أنكر على أبي جمرة التعجل والسرعة في القراءة من غير تأمل فيها، فعنه قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة؛ إني أَهُذَّ القرآن، فقال ابن عباس: لَأن أقرأ سورة البقرة فأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله هذرمة"([16])، وعن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلةٍ مرةً أو مرتين، فقال ابن عباس: لَأن أقرأ سورة واحدة أعجب إليَّ من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلًا ولابد فاقرأ قراءةً تسمعها أذنيك ويعيها قلبك" ا.هـ.([17])

فتلك بعض النماذج من تفسيره رضي الله عنه وأرضاه.

وبعد.. فتلك جملة من المعالم المتعلقة بالتدبر في حياة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ إننا بحاجة إلى إعادة بناء وترميم علاقتنا مع القرآن الكريم من خلال سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم من خلال سير هؤلاء الأعلام.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

__________________________________

([1]) - المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان برقم (517).

([2]) - المصدر السابق.

([3]) - تهذيب الآثار للطبري برقم (1996).

([4]) - تهذيب الآثار برقم (2008).

([5]) - زاد المعاد (1/328).

([6]) - رواه البخاري برقم (6)، ومسلم برقم (2308).

([7]) - أخرجه ابن جرير في تفسيره.

([8]) - رواه البخاري برقم (4970)

([9]) - "الإتقان" جـ2 ص176.

([10]) - التبيان في آداب حملة القرآن للنووي.

([11]) - التبيان في آداب حملة القرآن 1/89

([12]) - رواه أبو داود برقم (1304)

([13]) - رواه أحمد في فضائل الصحابة برقم (1626).

([14]) - شعب الإيمان 3 / 475.

([15]) - رواه البخاري برقم (4970)

([16]) - رواه عبد الرزاق برقم (4187) والبيهقي في السنن برقم (2258).

([17]) - شعب الإيمان للبيهقي 3 / 475.


اظهار التعليقات
العزي محمد فتحي
10/03/2017
  نفع الله بكم.