تدبر القرآن ودعاء الله تعالى
د.غنية عبد الرحمن النحلاوي
QR code
25/05/2016       7820 مشاهدة

مقدمة: لقاء الدعاء والتدبر :  

 إن تدبر القرآن الكريم هو علم بمرامي الآيات, وما تؤول له, مبني على التفكر والتأمل, ومشفوع بسعي إلى العمل بما فيها.

 أما دعاء الله تعالى : فهو ببساطة خطاب العبد, إذ يتوجه لخالقه بالثناء والرجاء ، رغبا ورهباً, تضرعا وخفية ؛ يُضمّنه سؤْله مهما عَظُمَ أو دقّ ، وسواء عمّ أم خصّ .

وإذ يلتقيان: الدعاء والتدبر ، فإن الدعاء المخلص لله تعالى هو من أجلّ أعمال العبد المتدبر انطلاقاً من تدبر آيات تدعونا إلى الدعاء : سواء باللفظ, مثل قوله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60], أم بالمعنى : مثل قول الله تعالى :﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات50], ولعلّ أحد أشكال الفرار إلى الله تعالى أن نُقْبل عليه سبحانه بالدعاء والتضرع!

ولأن الدعاء من أمضى أسلحة المؤمن وأضمنها, فمن المؤلم إضاعته أو الزهد به من سواد الناس, وأكثرهم مستبطئ الإجابة ، أو عاجز عن استلهام الدعاء, ولقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أبخلَ الناسِ من بخلَ بالسلامِ ، و أعجزُ الناسِ من عجز عن الدعاءِ" صححه الألباني (صحيح الجامع)   .

 علاقة الدعاء والتدبر: هما متآزران ، فالدعاء يفتح أبواب التدبر, والتدبر يطلق لسانك بالدعاء(1)  .

*الدعاء يفتح أبواب التدبر  وكأنه سرّ من أسراره : إذا صدفت نفسك, ولم يلن قلبك للتدبر؛ وهذا فتور يحدث ، أعد المحاولة, واقرأ  من جديد في مكان آخر .. بعد أن تتوجه بالدعاء إلى الله تعالى, بما هو محفوظ من أدعية طلب العلم ،  وقد تكون العبارة بسيطة جداً, ومباشرة جداً، مثل قول إمام المسجد النبوي في دعاء ختم القرآن لتراويح رمضان في المدينة المنورة : "اللهم اجعلنا لهذا الكتاب من المتدبرين" .. ووجدتني أمّنْتُ وأنا أسمعه راغبة راجية: اللهم آمين آمين ياربّ العالمين  !! وهكذا, فالدعاء من مفاتيح التدبر حين نتضرع إلى الله تعالى أن ييسره لنا..

 **وتدبر الآيات القرآنية يطلق لسانك بالدعاء ، فلا تكاد آية تخلو من مفتاح دعاء تدعوه إلى منزلها سبحانه إذا تدبرتها ، ويكون الدعاء هو الوجه العملي لتدبرك لها (التعريف أعلاه) :وهذا مثال من تدبري قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ [النور: 43], تلك الآية وجدتني إذ أتدبرها في ساعة ضيق وتفرّق أدعوه سبحانه بقولي :ربنا ألف بين قلوبنا كما ألّفت بين السحائب, وكما أمرتها, فتجمعت كالجبال, وأمطرت برداً .. نسألك مولانا الحي القيّوم تجمّعاً وفرجاً قريباً لأهلنا, ولمن نعرف ومن لا نعرف من عبادك الصالحين ، ورحمتك ربنا وسعت كل شيء فلتسعنا بها, ونحن من هذه الأشياء في ملكوتك العظيم، أذلاء لفضلك, ضعفاء لرضاك, فقونا, وأعزنا باتباع ما يرضيك، وارحمنا برحمتك يا حيّ يا قيّوم.

 تدبر في أصناف الدعاء: من خلال العيش مع القرآن الكريم تجد أن دعاء الله تعالى أصناف, أوجز منها صنفين :

الأول: دعاء المضطر, واليوم يكثر الاضطرار :*وقد يكون الباعث حالة فورية قاهرة وطارئة (بالمصطلح الطبي)

 **كما قد يكون كرباً شديداً مديداً, ولو لم يكن طارئاً, كالجوع والحصار والمرض ، ومثاله دعاء أيوب عليه السلام. وإن كل إنسان مضطر يلجأ إلى ربه وحده في أعظم الشدائد ، لعلمه الفطري أنه  لا إله إلا هو تعالى يملك أن يجيبه, ويفرج كربته إذ يدعوه ، قال الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَـهٌ مَّعَ اللَّـهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62] , والمضطر: "اسم مفعول ، وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو حادث من حوادث الدهر إلى الالتجاء إلى الله, والتضرع إليه ، وقال  ابن عباس : هو المجهود. وقال  السدي : هو الذي لا حول ولا قوة له"(2) . وصحيحٌ أن تلك الظروف تشيع في الكوارث والحروب ، إلا أنها سِمَةُ كلِّ بلاء مطبق, أو أمر مُـجْـهدٍ مكروه ؛ مما لا يصلح معه من قبل أي إنسان إلا التوجه بالتضرع للرب الحيّ القيوم، والرؤوف القوي ؛ لذلك كان دعاء المضطر في هذه الآية  مجاباً للمسلم وغير المسلم, كما قال العلماء ، والمناط هو الإخلاص في اللجوء إلى الخالق ، قال القرطبي في هذه الآية: "وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة ، وُجـِدَ من مؤمن أو كافر ، طائع أو فاجر"؛ وهذا هو رد الفعل الفطري للعبد المخلوق باللجوء إلى خالقه إلى عندما يتعرض لما يسوء ، بل إن من يقرأ هذه الآية وهو غير مضطر ولا مجهود لا يملك إلا ختمها بدعاء مشتق منها كالقول : أبداً لا إله إلاك سبحانك, يجيب المضطر, ويكشف الضر, وكلنا في لحظة الاضطرار يتبيّن ويتدبر هذه الحقيقة القرآنية في قوله تعالى: ﴿ضلّ من تدعون إلا إيّاه﴾ [الإسراء: 67] جوابا لسؤال المشككين: "لمن الدعاء ولماذا "! والذين يبهتهم أنّ المضطر- لا إرادياً- يُحيل تلك الحقيقة واقعاً بالدعاء !

كذلك نتذكر آيات نتعلم من تدبر الحبيب والصحابة وعلماء الأمة لها، أن دعاء ربنا بها سبحانه هو علاج فعّال في النوائب والملمات والاضطرار؛ وهي آيات يحْسُن أن يحفظها كل مسلم بشكل وقائي, ويعرف فضلها.

مثال : دعاء أيوب عليه السلام ربه  .. قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 83-84] ، قال الـمُفَسّرون في تدبر هذه الآية :"لم يُصرّح أيّوب بالدعاء ، ولكنه وصف نفسه بالعجز والضعف ، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه ، فاستجاب له الله تعالى "(3)  .

ومثال : دعاء يونس عليه السلام, وهو في بطن الحوت في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:87] ؛ وقد يظن الظانّ أنه ليس دعاء, فهو نداء بالتوحيد والتسبيح, وإقرار بالذنب !!  ولكنه دعاء، بل دعاء مستجاب من خلال الآية التي تلت, وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين﴾ [الأنبياء:88], وكذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها دعوة متميزة, وعلمنا أن ندعو بها بقوله: "دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت ﴿لَّا إِلَـهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾, لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قطّ إلا استجيب له " صحيح أحمد .

 سبحانك ربنا كما أخرجته من بطن الحوت ، عسى أن  تخرجنا من بطن الكرب و الابتلاءات

والثاني: هو الدعاء الدائم على جميع أحوالنا : وهو كالذكر, فنحن نكاد ندعوه تعالى كلما ذكرناه ، قياماً وقعوداً وعلى جنوبنا، وكما نتنفس ؛ وأنت تسأل ربك دون واسطة: فتطلب, ويستجيب, كما وعدك فضلاً عن أنك مثاب لمجرد الدعاء ! ولعل هذه العلاقة من أجمل أسرار الدعاء التي تريح العبد, وتسعده حقاً، وكلّ من يوقن بها  يستشعر الطمأنينة لجنب الله , فما علاقة هذا بتدبر القرآن ؟! العلاقة تجدها وأنت تتلو كتاب الله, أو تسمعه متدبراً آياته، ثم دون تكلّف ، تجد نفسك منطلقاً بالدعاء, سبحان الله! بألفاظ الآية أو مضمونها! فيزيد رصيدك من النفع التالي للدعاء أضعافاً, إذ التلاوة والتدبر ، والدعاء:كل منها عبادة تثاب عليها, وفضلٌ من الله تعالى ورضوان.

ومن صفات الدعاء الدائم المتكرر والمرتبط بالتدبر أذكر:

1-أنه علاج ووقاية: فهذا الدعاء ليس فقط طلباً لعلاج أمراض الروح والنفس والجسم ، بل هو كذلك لدفع ضرر نتقيه على صحتنا، والدعاء الوقائي يشبه تحصين الجسم بالطعوم (اللقاحات)، ومثاله المعروف لكل منا الدعاء بأواخر سورة البقرة ! إذ جاء في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم :"من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ", وهما من قوله تعالى: {آمن الرسول .. } حتى نهاية السورة الكريمة .. ومما قاله ابن حجر في تفسير الحديث : "كفتاه من كل شر تلك الليلة ، ومن شر الإنس والجن ، وكفتاه شر الشيطان اللعين ، و المعنى الآخر: أغنته قراءتهما بشأن العقيدة إذا تأمل معناها، ففيهما أصول الإيمان ؛ والمدهش تدبر تلك المناجاة لله تعالى التي وهبها سبحانه لنا في الآية الأخيرة حين قال عز من قائل:﴿لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:286]؛ إذ نجد بتدبرها, والدعاء بها دفعة كبيرة لنا من الثقة بالنفس على بشريتنا المشوبة بالخطأ والنسيان والضعف، وقوة منبعها اليقين أنه تعالى لن يكلفنا إلا وفق وسعنا وطاقتنا, نختمها كما يعلّمنا رب العزة بطلب : العفو , والمغفرة , والرحمة , منه تعالى! ثم فوق كل ذلك وبحق أنه "مولانا" نطلب منه النصر المبين. ولاحظ تصدير هذا الدعاء : بالإيمان ، وبالسمع والطاعة لله تعالى، والاستغفار .وهذا ينقلنا إلى الصفة الثانية :

2-ربط هذا الصنف من الدعاء بالإيمان بالله تعالى وتوحيده والثناء عليه: إما بتقديم أسمائه وصفاته بين يدي الدعاء تواضعاً لله وتأدباً، وإما بالدعاء بها؛ وهذه صفة للدعاء عموماً, ولكن تتجلى أكثر في هذا النوع منه, وذلك الأدب قد فُطر عليه الإنسان عموما ،وتثبت بما وقر في نفس المسلم خصوصاً منذ نشأته الأولى, وهو يقرأ القرآن, ويتعلم سيرة الحبيب في تدبره, وما روي عنه من أحاديث ، ثم وهو يتدبر الأدعية القرآنية ، وهذه أمثلة للحالين :

 أ) تقديم أسماء الله تعالى والثناء عليه بصفاته بين يدي دعائك:كما في هذا الدعاء الشامل لأولي الألباب : فقد قدموا الذكر والثناء على الله تعالى بالتفكر في عظيم صنعه في الكون وتسبيحه, كما قدموا أرجى أعمالهم وهو الإيمان بالله ، بين يدي سؤلهم : وهو النجاة من النار, وتكفير السيئات, وأن يختم لهم مع الأبرار، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(١٩٢) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:191-  193]؛ بتدبرها تذكر قبل أن تسوق حاجتك, وتسأله تعالى من فضله أن توحّده، وتسترحمه, وتستغفره بأنه الغفور الرحيم, وتستهديه, وتسبّحه.

ب) الدعاء بالأسماء والصفات والمحامد لله تعالى: فجوهر الدعاء ومضمونه الثناء على ربنا، ومعلوم أن التسبيح بحمد الله قد يكون دعاء(4) ، والاستغفار دعاء، والاسترحام دعاء, ومرت أمثلة (كأواخر البقرة), ويتبع المزيد :

- مثال دعائنا في الركوع, وفي السجود, وهو مشتق من آيات قرآنية مثل أول سورة الأعلى ، ودعاء سورة النصر يوم فتح مكة ، وكان الرسول يدعو متمثلاً في سجوده وركوعه ،يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك رب اغفر لي ".

- وجميل أن نتدبر أن الدعاء بالحمد والتسبيح هو دعاء أهل الجنة ، وحسنٌ أن تدعو بحمده تعالى في الدنيا على جميع أحوالك حتى تصبح كلمة الحمد دائمة على لسانك, فلعلك من أهل الجنة, وهنالك يقولونها كثيراً, بل هي مع التسبيح آخر دعواهم, قال تعالى: ﴿ دَعواهُم فيها سُبحانَكَ اللَّـهُمَّ وَتَحِيَّتُهُم فيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعواهُم أَنِ الحَمدُ لِلَّـهِ رَبِّ العالَمينَ﴾ [يونس: 10], قال المفسرون : دعواهم : دعاؤهم .

ج) الجمع بين تقديم الثناء عليه تعالى بأسمائه وتوحيده، وبين الدعاء بها : وهنا أذكِّر نفسي وإياكم بدعاء قرآني يجمع الأمرين هو قوله تعالى ﴿... ذَلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 64و65], فدعوتُ إذ تدبرته مستعبرة بالحمد بعد أن قدمت التوحيد والثناء :أدعوك ربنا لا إله إلا أنت الحي القيوم : اللهم لك الحمد مولاي  رب العالمين, الحمد لله رب العالمين, كذلك فإن فاتحة الكتاب هي دعاء بالحمد لله تعالى والثناء نسوقه بين يدي طلب الهدى للصراط المستقيم .

 علما أن الدعاء بأسماء الله تعالى وصفاته هو خير أنواع الدعاء وأشملها ، فهو للمضطر مثلما أنه لغيره في الأدعية المعتادة ،كما بيّنا في دعاء أيوب عليه السلام , وانظر دعاء موسى عليه السلام للسبعين الذين اختارهم, وقد أخذتهم الرجفة  في قوله تعالى: ﴿...أَتُهلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِن هِيَ إِلّا فِتنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وَتَهدي مَن تَشاءُ أَنتَ وَلِيُّنا فَاغفِر لَنا وَارحَمنا وَأَنتَ خَيرُ الغافِرينَ﴾ [الأعراف: 155] ،قال السعدي -رحمه الله- متدبراً :"أي أنت خير من غفر, وأولى من رحم, وأكرم من أعطى وتفضّل, فكأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا رب القصد الأول لنا كلنا هو التزام طاعتك والإيمان بك" إلى قوله "ومع هذا فأنت أرحم الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا ، فأجاب اللّه سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم"(5) ! وبالإجمال، فأحد الأوجه المسنونة للتفاعل مع القرآن الكريم أن تتجاوب مع آيات الأمر بالحمد فتحمد ، والتسبيح فتسبح, والاستغفار فتستغفر, بل قد ندعو بها حتى لو لم يرد لفظها في الآية, من ذلك آيات تدعو لحمد الله تعالى ، ويدهشك أنه مع بعض تدبر معانيها ينطلق لسانك حامداً داعياً, فمثلاً: إذا قرأت قوله تعالى ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّـهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّـهِ أُولَـئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: 22], قلت: الحمد لله أنني مسلم ،اللهم اجعلني على نور, وثبتني ؛ وإن قرأ أحدنا في سورة التين قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾, قال: الحمد لله الذي وهبني البصر والسمع والتنفس, أسألك اللهم العفو والمعافاة في بدني ونفسي ؛ وإن كل قارئ بوسعه أن يشتقّ من الآيات المزيد من الدعوات بالحمد والتسبيح والاستغفار .. متدبراً.

3- ومن صفات الدعاء الدائم والمتكرر ارتباطه بأعمالنا التعبدية منها والمعاشية :

ومثال ذلك تخلل الدعاء المرتبط بالتدبر للصلاة: فعن عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: " قمت مع النبي صلي الله عليه وسلم ليلة, فقام, فقرأ سورة البقرة, ولا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل, ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ, ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحانك ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة, ثم قال في سجوده مثل ذلك " ، وقال ابن عثيمين رحمه الله  في هذا الحديث الصحيح : "يُسَنُّ له أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة؛ اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولأن ذلك أحضرُ للقلب, وأبلغُ في التدبر "(6) ؛ ومع ورود أدعية محدّدة للعبادات ، إلا أنه في الأمر سعة, وباب الدعاء مفتوح لكل من يعيش مع القرآن، ولقد ورد في الصحيحين قول الحبيب صلى الله عليه وسلم بعد أن علّمنا ما يقول الـمُصلّي في آخر جلسة في صلاته :" ثم ليتخيّر من المسألةِ ما شاء" ، فكيف بك, وقد أكرمك الله من خلال تدبرك آياته أن يكون "ما تشاء" مرتبطاً مباشرة  بما يشاء الله تعالى لفظاً أو مضموناً أو كليهما ، ويكون ذلك جلّ دعائك, أو يكون مما تقدمه بين يدي دعائك!

 وفي الختام : من المؤسف أننا قلما نرى اليوم الأثر الإيجابي لقراءة القرآن في حياتنا عموماً, وفي أبنائنا وفي سلوكهم بشكل خاص ، والدعاء أحد أوجه ذلك ليس غير ؛ ويتوجه الناس إلى الناس ،في خسائرهم الدنيوية, ومصايبهم وإفلاسهم .. ورب العزة يقول: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه" .. يمرون عليها لا يتدبرونها بحقّها, فيعلمون مراميها, ويعملون بها !! ولعل من أهم أسباب ذلك ، انفصالنا عن مضمون القرآن, إذ نتلوه أو نسمعه, والتقصير في تدبره !

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

(1) الكتاب الفائز ثالثاً في مسابقة الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم العلمية والإعلامية:10-2015 الفرع العلمي(مخطوط).

(2) شبكة إسلام ويب – نقلا عن التفسير الكبير للأندلسي, وتفسير القرطبي.

(3) صفوة التفاسير للشيخ محمد علي صابوني المكتبة العصرية بيروت, طبعة سنة 1424ه/2003م, مج 2, سورة الأنبياء.

(4) ومعنى التسبيح بالحمد :أي: نسبح تسبيحاً مقترناً بالحمد, فنقول: "سبحان الله وبحمده".

(5) تفسير سورة الأعراف, تيسير الكريم الرحمن ،الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي.

(6) حديث "عوف بن مالك" رواه أبو داود والنسائي في سننهما, والترمذي في الشمائل بأسانيد صحيحة, وقد رجّح ابن عثيمين أن يكون ذلك في صلاة النفل.


اظهار التعليقات