وعود الرحمن: الإيمان بها والعمل لنيلها
د. غنية عبد الرحمن النحلاوي
QR code
24/08/2017       522 مشاهدة

مقدمة: كلما تعهدنا أنفسنا بالإيمان والتقوى، ونأَيْنا بها عن السوء والفحشاء والمنكر والبغي كان امتزاجنا مع القرآن الكريم أيسر وأعمق، ومع سيرة الحبيب؛ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وسنته أصدق وأوثق، فطرة الله التي فطرنا عليها ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ﴾ [الروم : 30]، ومن بين ما تجده في القرآن الكريم والسنة من كنوزٍ وعودًا من الله تعالى لعباده.. أحيانا تشعر أنها لك شخصيا.. أحيانا تتمنى ذلك وتشعر بالحياء من رب العباد.. رباه هل أنا المقصود؟! اللهم اجعلني منهم، وقد توجل وتخشع: رب لا تجعل لي في هذا الوعد نصيب..

ونحن اليوم في وضع البائس اليائس.. نتحرى الوعود الرحمانية متلهِّفين.. ورياح السموم تجتاحنا، والقصف الفكري والمادي لأعداء الله ورسوله يستهدفنا، وسهامه وفتنه الإلكترونية تتناوشنا.. نبحث في ثنايا الآيات عما يسكِّن روعنا! نستنجز وعود الرحمن وقد نغفل عن شروطها فصاحب الحاجة أرعن.. غفر الله لنا.

وسيكون المقال بإذن الله لاستجلاء ماذا تعرف عن وعود الله تعالى لعباده، وكيف تتعامل معها، وما سيرد من أمثلة هو على سبيل المثال لا الحصر.

أولا: الإيمان بالوعود الربانية:

أ) تمتين إيماننا بها: الإيمان كما نعلم يزيد وينقص، وهو أول شروط تحقق الوعود؛ فإذا شبهنا الإيمان بحصن ذي أبواب فأنت على خطر عظيم ما لم تتعهده بالحفظ والصيانة والجنود باستمرار، وإن أحدنا يؤتى غالبًا من باب الإيمان بالوعد الحق بالقيامة، ومع وباء "التبعيض" يضعف الإيمان بوعود الرحمن فلزم تمتينه بدعائم كاليقين والتقوى، وهما شرطان لها.

* اليقين: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴿٦٠﴾[سورة الروم] ، فأمر تعالى رسوله ونحن من بعده أن نلجأ بشأن وعوده سبحانه ليقيننا، فلا نقع في مطبِّ الاستخفاف كالأكثرية اليوم، وهم بين مُخذِّل وساخر، أو مستنجز غير عابئٍ بالشروط. ولا يأخذك بقوة إلى رحابة وعود الرحمن مثلُ الإيمان اليقيني بأنه لن يخلف الله وعده؛ مقتديًا بيقين الرسل، ومستمدًا من يقينك بأن الذي كتبها على نفسه هو القوي العزيز؛ قال تعالى: ﴿فَلا تَحسَبَنَّ اللَّـهَ مُخلِفَ وَعدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّـهَ عَزيزٌ ذُو انتِقامٍ ﴿٤٧﴾ [سورة إبراهيم]، وكيف لا يكون "ذو انتقام" لناسٍ مكرهم ﴿لِتَزولَ مِنهُ الجِبالُ﴾[سورة إبراهيم]. ولأن علاقتنا معه سبحانه مباشرة دون وسيط فيقيننا يغلب الشك بعون الله.

* التقوى: منذ بدء الخليقة كان ابنا آدم.. وكانت التقوى.. وقال أحدهما لأخيه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴿٢٧﴾ [سورة المائدة ].. هو وعد رباني يدعونا اليوم وكل يوم للتسلّح بتقوى الله لنضمن قبوله ورضاه ومن ثَمَّ تحقق وعوده في الدارين، ومنها وعد الفلاح؛ قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّـهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠٠﴾ [سورة المائدة ] ، وإن الأخذ بقوة من التنزيل تدبَّرًا وذكرًا وتذكيرًا هو سبيلنا لنتحلى بالتُّقى، معتبرين بحال أمم رقَّ إيمانها بوعود الله القائل لبني إسرائيل ﴿ خُذوا ما آتَيناكُم بِقُوَّةٍ وَاذكُروا ما فيهِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ ﴿١٧١﴾ [الأعراف]، فنتقي عذابه بطاعته لنستحق وعوده!

ب) فوائد الإيمان بوعود الرحمن: الله تعالى غنيٌّ عنَّا، ولو شاء لحرمنا وعودَهُ.. ولكن جعلها رحمة ورأفة بنا سبحانه:

- ذلك أنها تجعلنا نراجع مسيرتنا بين الكفر والإيمان ونقدم لأنفسنا وعيننا على رأسها الوعد بقيام الساعة!

- وتعالج قنوطنا، ومخاوفنا وأحزاننا ببشارات ربانية تتفوق على مجرد الأمل والفأل بأنها الوعد الحق!

- ووعود ربنا تذكرنا بأعمال صالحة زهدنا فيها في عصر المادة، وتحضنا لنؤديها فنستحق الوعود، فهي شروط لها؛ مثل الدعاء والذكر والتسبيح، والتوكل والاستغفار والشكر والحمد لله تعالى أنه منحنا تلك الوعود، والصبر لحين تحقق الوعد؛ قال صلى الله عليه وسلم ((صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)) حديث حسن صحيح.

ج) حالنا أمام وعود الرحمن:

قال تعالى: ﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿٦١﴾ [القصص ] ، فالحال: وعدٌ حسن.. فهو لاقيه(1)، أو متاع الدنيا ووعود الشيطان.. فهومن المحضرين! قال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّـهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦٨﴾[البقرة] ، والوعد الحسن يحرك في الإنسان الشوق لبلوغه كما هي طباع البشر، فكيف إن كان من رب البشر لقلب مؤمن متيقن صدقه وتحققه؟! لذا يتباين ردُّ الفعل تجاهه بين مؤمن وكافر أو ظالم ومظلوم أو ضالٍّ ومهتد! والعجيب أن الكفار يسمونه وعدًا رغم أنه لهم وعيد؛ ربما للتقليل من شأنه.. وما علموا أنهم بذلك يرفعون شأنه فالرحمن لا يتوعد بمفهومنا البشري الضيق بل يعد ووعده حق واقع! وقد يسمونه فتحًا يسخرون (السجدة: 28- 29) وهو فتحٌ وأنوفهم راغمة.. إنما للمؤمنين!

فسبيلنا في الحياة على أنه محفوف بالشهوات والمزالق، إلا أنه بفضل الله وتحذير وتبشير رسله محميٌّ بالفطرة السليمة، مستقيم بتشريعه ومنهاجه، قائم ومقوّم بمغفرته وطاعته، وتأتي تلك الوعود للمؤمن لتجعل مسيره يشرق بالنفحات والطيبات وليُحلِّق بالأنس برب رحيم؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ ﴿٥﴾ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿٦﴾ [فاطر] ، والعاقل من يثق بوعد الرحمن ويتخذ الشيطان عدوًّا.. والشقي من يرتد على أعقابه!

ثانيا: وعود البارئ: أنواعها وشروط تحققها: مصدر وعود الرحمن غالبًا القرآن الكريم والسنة، واستنبط الصحابة والتابعون المزيد، وهي ترد باللفظ والمضمون أو نعلم بها بالدلالة من دعاء المستنجز وسؤاله الإيتاء من الله تعالى، كقول نوح عليه السلام ﴿ وَإِنَّ وَعدَكَ الحَقُّ ﴿٤٥﴾ [هود]، أو من مضمونها والذي غالبًا بين البشارة والإنذار، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه)) في دينه ودنياه وآخرته، فهذا وعد من الله تعالى على لسان الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى. واللبيب يسعى للوعد الحسن، ويتجنب حمى أو حدود الوعود المشروطة بسوء؛ من ظلمٍ وكفرٍ وشركٍ. وهذا تصنيف بالأمثلة:

أ) وعودٌ ربانية حتمية التحقق دون شروط: وهي عامة وجامعة منها:

1) القوارع الدورية والبلايا تنزل بالكفار ردعًا وجزاءَ ظلمهم لعباد الله؛ قال تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذينَ كَفَروا تُصيبُهُم بِما صَنَعوا قارِعَةٌ أَو تَحُلُّ قَريبًا مِن دارِهِم حَتّى يَأتِيَ وَعدُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لا يُخلِفُ الميعادَ ﴿٣١﴾ [الرعد] ، فهي وعود بين يدي الوعد بالساعة.

2) إهلاك القرى الظالمة ودكُّ صروحهم: أحدنا لا يعرف متى ولماذا! ولكن الله تعالى الحكيم الخبير يعلم.. وأكثر المظالم لم توثَّق، ويبلغ الظلم وبطش الأمم الجائرة -الغابرة والحاضرة- بعباد الله حدًّا لا تنفع معه القوارع؛ قال تعالى: ﴿وَتِلكَ القُرى أَهلَكناهُم لَمّا ظَلَموا وَجَعَلنا لِمَهلِكِهِم مَوعِدًا ﴿٥٩﴾ [الكهف] ، ومهما بلغ البطاشون من قسوة وإجرام فالله حدد لهلكتهم موعدا.. وأنذرهم: قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا ﴿٨﴾ [الزخرف].

3) البعث بعد الموت: ﴿ وَكَذلِكَ أَعثَرنا عَلَيهِم لِيَعلَموا أَنَّ وَعدَ اللَّـهِ حَقٌّ ﴿٢١﴾ [الكهف] وهو في التفاسير الوعد بالبعث، وقد اقتضت حكمة ربنا أن يذكِّر الغافلين عنه بمعجزةِ بعثِ فتية الكهف، علاوة على أنها تكرمة لهم. وجَسَّد لنا سبحانه هذا الوعد ببلاغة عجيبة كأنه خلاصة الخلاصة في قوله تعالى ﴿مِنها خَلَقناكُم وَفيها نُعيدُكُم وَمِنها نُخرِجُكُم تارَةً أُخرى ﴿٥٥﴾ [طه]، بينما نحن نجادل ونستكبر، نأثم ونظلم، نسخط ونغلو! وما نحن إلا عباد بارئنا يختزلنا بهذه الثلاثة: خلق.. وموت.. وإحياء، ففيم التبجح؟! غفرانك.

وإن ذكر الموت أول منازل الآخرة يترتب عليه اليقين بالحساب بعد البعث:

4) الوعد بقيام الساعة والحساب: لعل أعظم وعدٍ ينتظر تحققه مليارات البشر، بل سكان الأرض خلال عمرها كاملًا بين مصدِّق ومشكك هو الذي يتحقق بعد البعث هناك! قال تعالى: ﴿ وَنادى أَصحابُ الجَنَّةِ أَصحابَ النّارِ أَن قَد وَجَدنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَل وَجَدتُم ما وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا قالوا نَعَم فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُم أَن لَعنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظّالِمينَ ﴿٤٤﴾ [الأعراف]، والفرق الذي صنع الأعراف بين أصحاب الجنة وأصحاب النار أننا صدقنا في الدنيا وعود ربنا.. جعلنا الله منهم، والفريق الثاني لم يصدقه! وإلا فأي عقل يسلِّم أنهم صدقوا أن النار مأواهم ثم استمروا في غيِّهم وظلمهم يعمهون؟! لكن تأخر تصديقهم! بل زعموا أن "الوعد الحق" وَهْمٌ! قال تعالى: ﴿ بَل زَعَمتُم أَلَّن نَجعَلَ لَكُم مَوعِدًا ﴿٤٨﴾ [الكهف]، (أي: لإنجاز الوعد بالبعث والجزاء)، وزعمهم هذا أرداهم، فذاقوا وبال ظلمهم واستحقوا اللعنة ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُم أَن لَعنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظّالِمينَ ﴿٤٤﴾ [الأعراف] .. وما ترانا، نحن والأمة والناكصين على أعقابهم، إلا على خطر عظيم ما لم نعد النظر في حساباتنا للوعد الحق.

ب) وعودٌ رحمانية عامة مشروطة: تجد شروطها واضحة في عنوانها أحيانا أو نَصِّها:

1) الوعد بألا سبيل للكفار على المؤمنين: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴿١٤١﴾ [النساء ] ، والشرط: هو كلمة: "المؤمنين"! وعندما يجدوا سبيلا.. فهي ثغرة.. ثُلمة في إيماننا؛ حَوَّلُوها لغفلتنا نفقًا عبروا منه واجتاحونا!

2) وعد الاستخلاف والأمن والتمكين لدين الله:

*وهو وعد ورد باللفظ: قال تعالى ﴿وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٥٥﴾ [النور] ، وهو وعد عظيم شروطه الإيمان وعَملُ الصَّالِحَاتِ وعبادته فلا نشرك به، ومعها ضمنًا أداء حق العبودية، وشرط حمل الأمانة، ولأهميته تجده يأخذ صيغة عقد مع الله تعالى(2)، فلا يناله كافر ولا فاسق؛ والتمكين والأمن متداخلان، فالمتمكِّن مطمئن آمن، كما أن الآمن يبدع وينجز.

**وورد بالمضمون؛ قال تعالى: ﴿ وَقالَ الَّذينَ كَفَروا لِرُسُلِهِم لَنُخرِجَنَّكُم مِن أَرضِنا أَو لَتَعودُنَّ في مِلَّتِنا فَأَوحى إِلَيهِم رَبُّهُم لَنُهلِكَنَّ الظّالِمينَ ﴿١٣﴾وَلَنُسكِنَنَّكُمُ الأَرضَ مِن بَعدِهِم ذلِكَ لِمَن خافَ مَقامي وَخافَ وَعيدِ ﴿١٤﴾ [إبراهيم ] ، وكأنه تعالى يُكافئ عبده على الخوف المحمود لمقام ربه سبحانه بوعد محقق: بـسَكَنٍ ليس فيه ظلم! وإهلاك الظالمين، وهم مصدر الخوف والتهجير القسري والدمار. والله قدَّم معه وعدًا لرسله إذ استفتحوا -ولنا فيهم أسوة- (أي: استنصروا به سبحانه) بأن يريهم الظالم الجبار في جهنم ويسقى ماء صديدٍ بعد الكبر! قال تعالى: ﴿وَاستَفتَحوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنيدٍ﴿١٥﴾ مِن وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسقى مِن ماءٍ صَديدٍ ﴿١٦﴾ [إبراهيم ]، والآيتان للمؤمنين بشارةٌ قائمةٌ حتى الآزفة، بوعدٍ محقق ومسلَّط على رأس كل جبار عنيد سقاهم الذل وسيسقى الصديد! سبحان الله..

3) الوعد بالرحمة: وما أفقرنا لرحمة ربنا اليوم، وأهم شيء لنُرحم أن نتقيه تعالى في الفتن والخلافات.. غفر الله لنا، وإلا مشكوكٌ استحقاقنا الوعد برحمته؛ قال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴿١٠﴾ [الحجرات] ، وقد نغذي الفتن ونحن نسمع {فأصلحوا}!! ثم نجأر بالسؤال: أنت الرحمن ووعدتنا! أفلا ترحمنا؟! وننسى أنَّه وعد قريب المنال.. إنما للمحسنين: ﴿ إِنَّ رَحمَتَ اللَّـهِ قَريبٌ مِنَ المُحسِنينَ ﴿٥٦﴾ [الأعراف] ، فهلَّا أحسنَّا! وأنَّ مقابله الخلود في اللعنة.. وهذا مروِّع!! ولكن لن تراع إذ ترى سعة رحمة الله تعالى.. والقدر الهائل من الفرص لابن آدم ليدخلها! بل ويدهشك كيف يدخلنا ربنا فيها إدخالًا.. فمن حُبِّه تعالى لعباده أن هذا الوعد يأخذ شكل "الإدخال في الرحمة"! تعبير قرآني يستوقفني في كتاب ربي مرارًا وتكرارًا.. أقول لنفسي: كأننا لقصورنا وتقصيرنا لا نعرف أن ندخل في رحمة ربنا إلا أن يدخلنا برحمته في رحمته! قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴿١٧٥﴾ [النساء] ، ويبرز مع الإيمان شرط الاعتصام (وهو التمسك بعهد الله ودينه وكتابه)، وهذا وعدٌ شاملٌ للعالمين لذلك أرسل سبحانه لهم رسوله رحمةً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾ [الأنبياء]، ويقابله وعيده تعالى لمن يتكبرون على رحمته: ﴿ وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحمَةِ إِن يَشَأ يُذهِبكُم وَيَستَخلِف مِن بَعدِكُم ما يَشاءُ كَما أَنشَأَكُم مِن ذُرِّيَّةِ قَومٍ آخَرينَ﴿١٣٣﴾ إِنَّ ما توعَدونَ لَآتٍ وَما أَنتُم بِمُعجِزينَ ﴿١٣٤﴾ [الأنعام ].

4) الوعد بنصر المؤمنين: قال تعالى‏ ﴿ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسبُكَ اللَّـهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ ﴿٦٤﴾ [الأنفال]، ورأى السعدي الموفق رحمه الله فيها وعدًا؛ قال: "أي‏‏: كافيك ‏وكافي أتباعك من المؤمنين،‏ وهذا وعدٌ من الله لعباده المؤمنين المتبعين لرسوله بالكفاية والنصرة على الأعداء"، "وإنما تتخلف الكفاية بتخلف شرطها"(3)، فهو وعد مشروط بالإيمان والاتباع. ويردف وعد النصر من الله وعده بإزهاق الباطل؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقًا ﴿٨١﴾ [الإسراء ]، (ويزهق؛ أي: يذهب ويتلاشى) وهو وعدٌ مستمرٌ للحاضر والمستقبل، فإذا سأل أحدنا: فلماذا لا نراه اليوم يزهق؟! لوجد الجواب في الجزء الأول من الآية: {وقل جاء الحق}: والحق القرآن، وفُسَّر بدين الإسلام، وهو كل ما يناقض الباطل: فأين الحق بينكم اليوم؟ إذا كنتم على الحق، وتمسكتم بالحق، وقارعتم الباطل به أزهقتموه، وإلا ستطول المعركة حتى يتم التمحيص، ويبينه قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴿٧﴾ [محمد]، فعليكم أن "تنصروا الله" بأن تكونوا "الذين آمنوا" أولًا، وتُـحِقُّوا الحق ثانيًا، فينصركم، لذلك يهتم أهل الباطل بحرفكم عن الحق أكثر من اهتمامهم بقتلكم! فإذا قتلوا فيكم الحق صارت المعركة دنيوية والحرب سجال.. إلى أن تقيموا الحق مجددًا! ربنا اجعلنا من أهل الحق فنستحق وعدك.

ج) وعودٌ عامة ذات طابع خاص: وهي عامة إنما تخص فردًا أو أمة في ظرف معين؛ منها:

- الوعد بمعية الله تعالى للصابرين: والصبر- على مرارته- عونٌ عظيم لاستحقاق هذا الوعد العظيم، والمؤمنون مأمورون به ومخاطبون بالاسم؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴿١٥٣﴾ [البقرة] ، والوعد بمعية الله تعالى يستحق مقالًا.

- وعد الرحمن بالمغفرة لذنوب عبد مؤمن! بل ويعمل الصالحات! وهذا وجه الخصوصية، ولعلها آثام تحيك في نفسه؛ قال تعالى: ﴿٨﴾وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٩﴾وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴿١٠﴾ [المائدة] ، وصحبةُ الجحيم وعدٌ مزلزل لمن يعيه! لكن باب التوبة مفتوح؛ قال تعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّـهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرونَ ﴿٣٣﴾ [الأنفال ].. هو وعدٌ برفع العذاب عن كل مستغفر؛ يخصُّ هنا من عظمت ذنوبهم (عدوان وهزء وصدّ).

- وعد الرحمن بكشف الضر وإرادتنا بخير: في وعدٍ من الله لرسوله ولأمته من بعده عن مس الضر -وهو وعد قد نستهين به- قال تعالى: ﴿ وَإِن يَمسَسكَ اللَّـهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ وَإِن يُرِدكَ بِخَيرٍ فَلا رادَّ لِفَضلِهِ ﴿١٠٧﴾ [الأنعام ]، ومحتوى الوعد أن كشف الضرِّ لا يكون إلا من الله تعالى، والخير فضلٌ منه لا رادّ له ولله الحمد؛ ذلك أن مسَّ الضرّ الذي قد يبدو باهتًا خفيفًا، يغدو شديدًا إن استوطن ولم يُكشَف، ولا يكشفه إلا الله تعالى.. فلنلجأ إليه؛ لا نغتر، ولنتذكر إنْ جعلنا هذا الوعد وراءنا ظهريًا أنَّ المسَّ قد يتحول للأسوأ.. الأنفلونزا قد تتحول لـذاتِ رئةٍ! وتحسُّسٌ بسيط قد يتحول لإزعاجٍ صحي ينغص حياتك.. خلافٌ بسيط قد ينتهي بالطرد من العمل! ولحظةُ غضبٍ قد تتحول لجبلٍ من الشقاق المستحكم ولقطعِ رحمٍ يغضب الله! اللهم أردني بخير لا رادّ لفضلك.

د) وعودٌ خاصة ابتداء: ومن الوعود الخاصة الغريبة في القرآن، وشرطه العبودية لله بحقها (وهو شرط ضخم ولكنه يناسب هكذا وعد كما سترى) قوله تعالى: ﴿ وَلَقَد أَوحَينا إِلى موسى أَن أَسرِ بِعِبادي فَاضرِب لَهُم طَريقًا فِي البَحرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخشى ﴿٧٧﴾ [طه] ، وما أجمل وقعها كلمة الرحمن: "أسر بعبادي".. هي مفتاح وعد كريم يعلمك أنك عندما تتقن العبودية لله تعالى وحده بحقها ينجيك على بصيرة! وحتى البحر ارتصف الفرج من بين موجه المتلاطم طريقا يبسًا.. وينمحي الخوف.. ويسقط الفرعون في اللجة.. غريقُ طغيانه وأنَّه شاقّ الله ورسوله!

ثالثًا: العمل لنيل وعود الله تعالى:

أ) مسوِّغات الاستنجاز: ولكل مسوغاته، لكن هذه عامة:

- النأي بالنفس الأبيَّة عن وعود العبيد الـمُذِلَّة وعن عروضهم التي تمزج بريق الـمُتَع بالهوان والبخس!

- لهفة العبد وحسن ظنه بربه، فيفرُّ إليه ويُقبل عليه.. يارب إن وعدك الحق فانتصر!

- شدة الحاجة والاضطرار (كنبي الله نوح)، فالظروف تُلجئ المقهور لوعد القوي! والموفق من أيقن أنه ليس إلا الله القدير.

ب) عوامل تحقق وعود الله: تسود اليوم لهجة التشكيك "لماذا لا تتحقق وعود الله"! ولو نظر الناس لأنفسهم لعرفوا! فهناك فساد استشرى، وعوامل وشروط أُغفلت، مررنا بأكثرها وللقارئ استنباط المزيد، وهذه للاستئناس:

- التحلي بأدب الاستنجاز: مقابل من يعتبر الوعد حقًّا له على الله تعالى فيتذمر ويسئ الأدب مع ربه والعياذ بالله، تجد في القرآن الكريم صور عباد مثلنا (ليسوا أنبياء ولا ملائكة)، لنقتدي بأدبهم, مثل قوله تعالى من دعاء أولي الألباب يستنجزون الوعد والميعاد: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٩١﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴿١٩٢﴾ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴿١٩٣﴾ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿١٩٤﴾ [آل عمران] ، ونتعلم منهم أن نقدم إيماننا الحق وصدق عبوديتنا لله تعالى, والتفكر بآلائه والتسبيح والدعاء والرجاء.. واستغفارنا وحبنا للأبرار، بين يدي استنجاز وعد عظيم ضمنوه كل ما وعدنا سبحانه على رسله (بعد أن فصلوا بعضها).

الإلحاح بعد بذل أقصى الجهد في اتخاذ الأسباب، وإخلاص حسن الظن بالله: ومن أكثر مشاهد ذلك تأثيرًا وأعظمها للاقتداء، وقوف الحبيب صلى الله عليه وسلم ببدر: فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله القبلة، ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض))، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز ما وعدك" صحيح مسلم.

لزوم التسبيح بحمد الله: ويجمعها مع شرطي الصبر والاستغفار -وقد مرَّا- آيةُ الوعد الحق وحنان الرحمن والتي تمنحنا الرضا والسكينة، وهي قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم ونحن من ورائه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴿٥٥﴾ [غافر] ، كلماتٌ معجزة للحبيب صلى الله عليه وسلم ولكل مسلم يتدبرها موقنا بوعد ربه:

 اصبر.. واثبت.. فإنك على الحق، ووعد الله لك حق.

واستغفر لذنبك.. فأنت بَشَرٌ وتذنب

وسبح بحمد ربك.. اربط يومك بالتسبيح والحمد تطمئن نفسك، وتحلق روحك.

خوف الله تعالى وخوف وعيده بالبعث والحساب: قال تعالى:﴿فَأَوحى إِلَيهِم رَبُّهُم لَنُهلِكَنَّ الظّالِمينَ ﴿١٣﴾وَلَنُسكِنَنَّكُمُ الأَرضَ مِن بَعدِهِم ذلِكَ لِمَن خافَ مَقامي وَخافَ وَعيدِ ﴿١٤﴾ [إبراهيم ] ، فإذا أردت مقتديا بالرسل أن تستنجز وعد الله بأرض لا ظلم فيها تسكنها آمنا وممكنا لدينه، ومتمكنا من العيش الكريم وذريتك، فاجعل دعامتاه

1) أن تخاف مقام ربك.. تطيعه ولا تفسد في الأرض.

2) وأن تخاف وعيده بالبعث والحساب العادل.

وهما شرطان لتحقق الكثير من وعود الرحمن، ومن عَجَبٍ أن أولهما اقترن بشرط نهي النفس عن الهوى ليكونا شرط الوعد بالجنة مأوىً وسكنًا؛ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ [النازعات ] ؛ وهذا يذكرنا بمقارعة الهدى للهوى وبأقدم شرط لوعد اتباع هدى الله لوعد تجاوز الخوف والحزن، قال تعالى تعقيبًا على هبوط أبوينا من الجنة؛ ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ [البقرة].

وسواء كنت تستنجز وعودًا خاصة بك، أو عامة للأمة: لئن حققت الشروط فإن الله سبحانه يفتح لك فتوحًا عظيمة.

ج) متى وأين تتحقق وعود الله: نحن نتخذ الأسباب لكن تقصر بشريتنا عن معرفة "الموعد" وهو زمن ومكان إنجاز الوعد وفق القانون الإلهي العادل؛ قال تعالى: ﴿وَتِلكَ القُرى أَهلَكناهُم لَمّا ظَلَموا وَجَعَلنا لِمَهلِكِهِم مَوعِدًا ﴿٥٩﴾ [الكهف] ، فموعد مهالك القرى الظالمة حدده الحكيم الرحيم بعلمه، وحققه ويحققه بمشيئته عقابًا لها وإنصافًا ورحمة بالمظلومين.

وهناك نصوص قرآنية تبيِّنُ الوعود التي تتحقق في الدنيا والتي للآخرة.. ويقينًا لا يخلف اللهُ وعده ولكن من الوعود ما يؤخر تحقيقه، أو يؤتي الموعود خيرًا بقدره، وفي هذا قال صاحب الظلال: "وقد جعل الله انتصار الحق سُنَّة كونية كخلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار؛ سنة لا تتخلَّف، قد تبطئ لحكمة يعلمها الله، وتتحقق بها غايات يقدرها الله؛ ولكن السنة ماضية؛ ﴿وَعْدَ اللَّـهِ لَا يُخْلِفُ اللَّـهُ وَعْدَهُ﴿٦﴾ [الروم]  ، ولا يتم الإيمان إلا باعتقاد صدقه وانتظار تحققه، ولِوَعدِ اللهِ أجلٌ لا يستقدم عنه ولا يستأخر"

رابعًا: عدم تحقق الوعود الربانية:

أ) تخلُّف الوعود بتخلف العباد عن تحقيق شروطها وفقدانهم الأهلية.. ومثال للتقريب: مُدَرِّسٌ خاص وَعَدَ أهل طالب أنه سينجح، ولكن الوعد تخلَّف! لأن الابن ببساطة قدَّم ورقة امتحان كلها أخطاء! ولله المثل الأعلى، وهذه أمثلة قرآنية:

- ضلال الإرادة: فالإنسان بإرادته ينتقي الوعود ويعمل لتحقيقها، فلا يلومَنَّ إلا نفسه من يخسر وعد الجنة، وهذا ليس بخاف على بشر، فهو معلن ومنشور وتم تبليغه ويُذاع صبح مساء: قال تعالى ﴿مَن كانَ يُريدُ العاجِلَةَ عَجَّلنا لَهُ فيها ما نَشاءُ لِمَن نُريدُ ثُمَّ جَعَلنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصلاها مَذمومًا مَدحورًا ﴿١٨﴾ وَمَن أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولـئِكَ كانَ سَعيُهُم مَشكورًا ﴿١٩﴾ كُلًّا نُمِدُّ هـؤُلاءِ وَهـؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحظورًا ﴿٢٠﴾ [الإسراء ] ، وإذا كان الله تعالى يَعِدُ كلا الفريقين أن يمدَّهما بعطائه، أليس من الغباء والظلم لنفسك إذن أن تختار العطاء المؤقت والعذاب السرمدي؟! وألا تذهب مع فريق الذين {كان سعيهم مشكورا} ونعيمهم خلود؟!

سؤال بِرَسْم الذين يكتفون بالعاجلة جحودًا وكبرًا عن تصديق وعود الرحمن!

- الادعاء والتبعيض: قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ ﴿٣١﴾ [آل عمران] ، فنحن ندعي حُبَّه تعالى ونستنجز وعده المقابل مطمئنين لحبنا له، ولكن هل نتبع رسوله حقا؟! هذا ما نفتقده فينا إلا من رحم ربي.

- الذنوب والآثام: مثل قطيعة الرحم، وكسب المال الحرام، والظلم والربا وشيوع الفاحشة و... إلخ.

ب) تخلُّف وعودٍ لمشيئة الله تعالى: وهذه هي الحالات المحيرة ظاهريًا، والتي نستقي منها العبر، وهي محيرةٌ إلى أن تتبين الحكمة فتزول الحيرة، لكننا نؤمن به تعالى وليس بالحكمة، وأنه فعَّال لما يريد، ونخضع لإرادته في تحقيق الوعد! فقد تبدو الحكمة آجلا وقد يموت أحدنا قبل التبين فتتبين لأولاده أو الأجيال التالية! أمثلة:

-مثال صلح الحديبية: وبداية ليس المراد هنا أن يخلف الله وعده لمجرد مشيئته، بل المراد أن الموعود خاضع لمشيئة الله عز وجل؛ يأتي به سبحانه في الوقت الذي يشاؤه وموازين السماء تخفى دقتها على العباد، كحال الصحابة في مثالنا وقد خرج بهم الرسول صلى الله عليه وسلم مُـحْرِمًا (وهو من هو، لذلك فالعبرة لنا هنا قوية)! فكان أن مُنعوا وأُلجؤوا لتوقيع الصلح، فتحللوا كارهين ورجعوا مغمومين! ثم تبينوا منافع ذلك الصلح العظيمة الذي ألغى به تعالى وعده للمؤمنين بالعمرة في هذا الخروج بالذات سنة ٦ هـ لعلمه بما لم يعلموا قال تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّـهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّـهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿٢٧﴾ [الفتح] (4).

- دروسٌ في الابتلاء: نتعلمها من تخلف وعد الله بعد تحققه! مثال غزوة أحد، ولو شاء الله لنصر رسوله وصحابته فيها رغم عصيان الرماة، لكنه سبحانه جعلها عبرة لمؤمنٍ يضيع وعدًا ربانيا كان تم.. فنحذر الوقوع بمثلها؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّـهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥٢﴾ [آل عمران]  ، وقد استوقفني الختام العجيب للآية؛ كل هذه الأحداث في غزوة أحد، التي فيها طعم الهزيمة المؤلم، هي من فضل الله تعالى.. سبحان الله! وبرحمته وفضله أنه اكتفى بالصرف {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} وليس بعقوبة أشد!

- {ليس لك من الأمر شيء}، وهذا قوله تعالى لخليله صلى الله عليه وسلم ليعرف الإنسان حجمه الحقيقي أمام طلاقة المشيئة الإلهية فيتواضع، فحتى الحبيب ليس لزومًا أن يرى تحقق كافة الوعود؛ قال تعالى: ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذي نَعِدُهُم أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴿٤٦﴾ [يونس ].. ولنا فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فلا نعجل ولا نتذمر من وعود يخترق توقيتها أجلنا المحدود فنراها بعد البعث! اكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين

د. غُنية عبد الرحمن النحلاوي

هوامش:

1) "الوعد الحسن": النعيم الخالد في الجنة (تفسير القصص)، وكل وعود الرحمن للمؤمن حسنة.

2) مقال "عهود وعقود قرآنية نشرف بها"؛ رابطه:

http: //www.tadabborq.com/tadabbor/detailspensforethought/tadaborhuman/16.html

3) تيسير الكريم الرحمن، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار ابن حزم، (1426ه)، ص303

4) أُرِيَ الرسول في منامه أنهم دخلوا مكة آمنين ومُحلقين، ورؤياه حق.. فخرج صلى الله عليه وسلم مع (1400) من الصحابة مُـحْرِمين وقد ساقوا الهَدْي لأداء العمرة فمُنعوا.. ونزلت الآيات تبيِّنُ لهم أن الصلح فتحٌ، ووعده حقٌ، وإن تغير زمنه لحكمة جهلوها (27 سورة الفتح).


اظهار التعليقات