العـيش مع القرآن (مقامة)
عبد الغني حوبه
QR code
30/07/2017       2490 مشاهدة

في زمن مضى، ودهر قد انقضى، كنت أحث الخطى بهمة عَليَّة، وأسارع الريح بنفس تواقة أبيَّة، فاصطدمت -فجأة- بباب مفتوح لإحدى المدارس القرآنية، فكانت هناك مشاهد حية، سأنقلها لكم بكل صدق ومصداقية; طلاب يلتفون في حشودٍ مستديرةٍ جماعية، يحملون معهم مصاحف يحدقون فيها برَويَّة، وعالِـمٌ في الوسط يرقب الأوضاع بجدية، فلما أتموا، قال لهم: هلموا.. نتذوق هذه الزبدة التفسيرية، التي فيها من الرقائق الإيمانية واللطائف الوعظية، والنكات الأدبية ما يجعلها غضَّةً طرية، ونسائمها ذات هبة فجرية، وخلاصتها معطرة بفوائد علمية، فتأملت فيما يقولون مليا، وتسللت إلى الفناء عرضيا، وسجلت في قراطيسي ما يسر الله لي، فهيا -أيها المسافر- نحلق في سماء القرآن سويا. 

استقام المدرس حين قام واستهل بخير الكلام: يا أحبابي اسمعوا وتدبروا، وفي آي الذكر تبصروا وتفكروا، فالتدبر حياة القلب، والتفكر مناجاةٌ للرب! قبل الدخول في عالم القرآن الرحيب، وفضاءه المعجز العجيب، ووصف ما بداخله عن قريب، أردت أن أهمس في أذن كل حبيب: إنها لحظات ندية وطيوب إيمانية ذات نكهات رمضانية، سالت منها -بفضل الله- أودية من الهدايات القرآنية، تدعوا الأمة المحمدية للعودة إلى مصدر العزة الإسلامية.. هذه مجالس التدبر والإيمان، ننتقل فيها وإياكم من جنان إلى أفنان، من آي القرآن، وإلى أحكام الفرقان، نتجول مع قصص الأنبياء، نطلب الهداية والاقتداء، نجني أطايب الثمر، من عظات وعبر، وأمثال نُقوِّم بها بنات الفكر، عسى الله أن يمن علينا وعليكم بالتمسك بحبل الله المتين، ومدارسة كتابه المبين، فيكون لنا -بعد ذلك- منهج حياة، وعنصر التزام وثبات، وقارب نجاة! فيا رب اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا.

يا سادة يا كرام: لقد هجر بعض المسلمين المتأخرين روضة القرآن، وانشغلوا بالقنوات والمجلات ذات الزخارف والألوان، وأكَبَّ البعض الآخر على ضبط التلاوة من الألحان، والرقي بها للتحقيق والإتقان، ونسوا أو تناسوا أن الهدف من إنزال القرآن هو ضبط سلوك الإنسان، بما يحقق الرحمة والعدل والإحسان.. وتَنَهَّد المدرس بعد أن بكى، ثم صاح بأعلى صوته واشتكى: يا أمة الآيات البينات، لـِمَ كل هذه لآهات والزفرات، والدمعات والصيحات! ألم تعلمي أن القرآن هو الدواء، فبالعودة الكاملة له تشفين من كل الأدواء، ويموت معك كل شقاء وعناء، ويتحقق الميلاد الجديد ويشع الضياء، فاستجيبي -رحماك- لنداء السماء. 

وواصل المدرس حديثه الماتع بدعوتهم للحياة مع هذا الكتاب الجامع فقال وصال وجال: يا رجال الجد، يا شموس الغد؛ العيش مع القرآن يثير في النفس أشواقا، يعالج ملتاعا وينعش مشتاقا، يسيل في الجسم ترياقا، ويفتح للروح الطموحة أفاقا، يجمع أحبة له ورفاقا.. العيش مع القرآن رحلة إيمان وينبوع معرفةٍ بالرحمان، هو هزيمة كاسحةٌ للشيطان وهدايةٌ للإنسان.. العيش مع القرآن انفعالٌ وتفاعل، وامتثالٌ وتماثل، عملٌ وتعامل.. العيش مع القرآن انسجامٌ وتلاحم، تناسقٌ وتناغم، فهمٌ وتفاهم.. العيش مع القرآن آياتٌ وسور، دروسٌ وعبر، كنوزٌ ودرر.. العيش مع القرآن عمليةٌ تفاعلية، بين الوحي والقلوب المستعدة الحية، بتحقق الشروط الأساسية، وانتفاء الموانع الفهمية، هنالك تؤتي التلاوة أكلها، ويتضاعف أجرها بمثلها، حينما يتمثل القارئ الآيات في حياته تطبيقات في كل المجالات. 

أيها الطلاب الكرام: هذه قصة البداية، توضح للعالَـم الهدف والغاية، وتدلل على المنهج الرباني للهداية، نحن الآن في موسم رمضان، ورمضان شهر القرآن، فرمضان والقرآن قرينان لا يتفارقان، وصاحبان متلازمان، فرمضان يأنس بالقرآن، والقرآن يستأنس برمضان، فتقدس الملك الجليل، الذي جمع بينهما بالتنزيل، على قلب صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، بواسطة أمين الوحي جبريل! والدليل في الصحيحين من حديث بن عباس رضي الله عنهما: ((كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)).. إنه لقاء النور، فيه الشوق والمحبة والسرور، فيه المتعة والأنس والحبور، إنه لقاء التميز والريادة، والضبط والإتقان والإجادة، اتصلت فيه الألفاظ بالمعاني فحصلت الإفادة، إنه لقاء الهداية والرعاية، فيه التلقين والمشافهة والعناية، فأنعم به من مجلس رواية ودراية، إنه بحق لقاءٌ والتقاء، فيه علوٌ وارتقاء، اتصلت فيه الأرض بالسماء، وتنورت بالوحي البطحاء، وأشرقت الأرواح بالضياء، ولاح النور القدسي الوضاء.. جمع اللقاء بين عظيمين; أفضل الرسل والنبيين، وأفضل الملائكة أجمعين، وكان محور النقاش الذي بينهم قد جرى، هو أحسن الحديث نزل به الروح الأمين على خير الورى، فصلى الله عليه ما قلم جرى! إنها معجزة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ التي صنعت الإنسان المسلم المتوازن الفريد، وانتشلته من ركام الوثنيةِ والجهالةِ والظلمةِ من جديد، حيث صار المؤمن يستمد قيمه ومبادئه من السماء لا من الأرض، وينشغل بالروح والمخبر لا بالشكل والطول والعرض، إنه مصنع القرآن الذي يخرج صُنَّاع التأثير ورواد التغيير! فعاش أُناسٌ مع القرآن وهداياته، ففتحوا القلوب بإشراقاته، ودانت لهم الدول بمناراته. 

لقد أثَّر القرآن على محمدٍ النبي، الطاهر الزكي، فذرف الدمع عند تلاوته، وارتعدت فرائصه لجلالته، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((اقرأ عليَّ القرآن))، قال: يا رسول الله؛ أأقرأ عليك، وعليك أُنزل! قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري))، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: ((حسبك الآن))، فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان.. تدبَّر النبي القرآن فإذا قلبه في خفقان، وقد ذرفت منه العينان! ولقد عاش الصحابة بالقرآن وللقرآن مع القرآن، فجعلوه دستورًا لحياتهم اليومية، وانصاعوا لما فيه من الأحكام الشرعية؛ قال عبد الله بن مسعود: (كُنَّا إذا تعلمنا من نبي الله عشر آيات من القرآن، لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعلم ما فيها) وبَيَّن الله أثرَ القرآن العظيم على الجبال الجوامد، فلو خاطبها به لتفاعل معها كل قاس وبائد؛ قال تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ قُرآنًا سُيِّرَت بِهِ الجِبالُ أَو قُطِّعَت بِهِ الأَرضُ أَو كُلِّمَ بِهِ المَوتى بَل لِلَّـهِ الأَمرُ جَميعًا﴾ ، وقال أيضا: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ﴾

ما أعظم القرآن! وما أحلى العيش في طيوبه، وما أندى التنقل بين سواقيه ودروبه، فهنيئا لمن أخذه بحق، وأعطاه الـمُستحَق، فقاده إلى دار الحق.

القرآن هو المعجزة المستمرة الباقية، فيها السور والآيات الراقية، والمواعظ البليغة المؤثرة، والقصص المعبرة، المحفزة والمنفرة.

في القرآن وعدٌ ووعيد، وتخويفٌ وتهديد، فيه تنسيقٌ وترتيب، وترغيبٌ وترهيب، فيه اعجازٌ وإيجاز، واختصارٌ وتكرار، فسبحان الواحد القهار! 

ياعباد الله: لابد من ذكر المفهوم، لتتضح في الذهن الفهوم، وتدرك دقائق العلوم؛ القرآن هو كلام الله المنزل على قلب محمد بواسطة أمين الوحي جبريل، المنقول إلينا بالتواتر، الـمُتعبَّد بتلاوته، المحفوظ في الصدور والسطور، الـمبدوء بسورة الفاتحة، والـمُختَتَم بسورة الناس.

وصف الله القرآن بأنه سر تميز المسلمين؛ قال تعالى في كتابه المبين: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، وقال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وقال أيضا: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.

وطالبنا الله بالأدب الجم أجمعين، إذا ما قرأنا هذا الكتاب المبين، الذي هو موعظةٌ للمتقين؛ قال تعالى﴿وَإِذا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ﴾، فالسماع غير الاستماع، والزيادة في المبنى زيادةٌ في المعنى فلن تراع.. إن السماع هو وصول الأصوات إلى الأذن من غير قصد، والاستماع هو الفهم والاستيعاب والرصد.

ولقد دعانا الله للتهيؤ حين تلاوته، والاستعاذة عند بدايته؛ قال تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأتَ القُرآنَ فَاستَعِذ بِاللَّـهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ﴾.

ولقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فضل القرآن وقراءته، فقد روى مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اقرؤا القرآن فإنه يأتي القرآن شفيعا لأصحابه)).

ولابد لهذا القرآن من تعاهدٍ والتزام. والزهراوان -وهما سورة البقرة وآل عمران- تدفعان صاحبيهما إلى الأمام، فقد روى مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران)).

اسمع أيها الطالب النجيب الألمعي، ما قاله الإمام علي كرم الله وجهه: (كتابٌ فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، هو الذي لا تزيغ به الألسنة، ولا تلتبس به الأهواء، ولا يَـخْلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه)، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (جمع الله في هذا الكتاب علم الأولين والأخرين، وعلم ما كان وما سيكون). 

يا أحباب: انتبهوا لمقاصد الكتاب، وكونوا من أولي الألباب: يهدف القرآن الكريم إلى ترسيخ القيم التربوية الإصلاحية، على جميع المستويات الفردية منها والمجتمعية من خلال أربعة مقاصد أساسية: فالمقصد الأول هو تخليص العقائد من الشرك والالتباس، والمقصد الثاني هو القضاء على البدع في عبادات الناس، والمقصد الثالث هو ترسيخ الأخلاق وتزكية النفوس بالأساس، والمقصد الرابع إصلاح الدنيا من خلال أفضل تشريع ينير الدرب ويزكي الحواس.

أما خصائص كتاب الله؛ أولها: أن القرآن الكريم هو من عند الله، والعظيم لا يأتي إلا بعظيم؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَد آتَيناكَ سَبعًا مِنَ المَثاني وَالقُرآنَ العَظيمَ﴾، وثانيها: أن كتاب الله لا شك فيه ولا باطل؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ .. هذا وقد جعله الله ميسرا للاعتبار، مذللا للاستبصار؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾، وهو المخرج من كل المحن، والنجاة من جميع الفتن؛ قال تبارك وتعالى: ﴿كِتابٌ أَنزَلناهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ﴾

أيها الطلاب النجباء، ارفعوا رؤوسكم للسماء: إن العيش مع القرآن يقتضي أولًا معرفة فضله، وفهم نصوصه وعقله، ثم استعمال المفاتيح في فن التعامل مع وحيه، والتأدب حين تلاوته واستشعار أمره ونهيه.

اعلموا أن أهم المفاتيح هي النظرة الكلية الرامية، وفهم أهداف الوحي النبيلة السامية، وملاحظة المهمة القرآنية العملية، والمحافظة على جو النص القرآني والسياقية.

اعلموا أن التلاوة لها آداب، تُبذَل كأسباب، منها استحضار النية، والإخلاص لله في الطوية، ثم تفريغ النفس من الشواغل المهمة، وقضاء الحوائج النازلة الملمة، ثم الاختيار الأمثل للزمان والمكان، والجلوس كما للتشهد بحثًا عن الخشوع وطلبًا للاطمئنان، والبدء يا فهيم، يكون بالاستعاذة من المجرم العاتي الأثيم، كما قال الرب العظيم: ﴿فَإِذا قَرَأتَ القُرآنَ فَاستَعِذ بِاللَّـهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ﴾، ثم افتتاح السور بالقول الكريم، بسم الله الرحمان الرحيم. 

يا قراء! عظموا المتكلم سبحانه وتعالى واشعروا بكرمه، وجزيل نعمه، يا من تلوت البينات، تأمل فأنت مخاطب بهاته الآيات وما فيها من التكليفات، قفوا طويلًا مع الآيات وكرروها وابكوا وتباكوا حتى تفهموها، واعلموا أن القرآن كالمطر لا يؤثر في الصخر ولا الجماد، بل يتفاعل مع التربة المهيأة بالسماد، فأصلحوا قلوبكم التي تـمثل المحل والوعاء، ووظفوا كل حواس الغطاء لعملية التفاعل والانفعال مع القرآن سواء بسواء.

وفي الأخير، أسأل ربي العفو عن كل تقصير، وصل الله وسلم على البشير النذير والسراج المنير.


اظهار التعليقات