﴿يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾
حنين باسل
QR code
26/07/2017       1037 مشاهدة

 

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾
(١)

لماذا هم ونحن لا؟ لماذا نصلي معهم خلف الإمام نفسه يقرأ السورة نفسها ولكن هيهات هيهات أن نحمل ذات القلوب.

يكاد قلب أحدهم ينفطر وهو يستمع ربما لسورة الفاتحة.. ابتلَّت لحيته..  تغيرت ملامحه وأصبح يكاد أن يقف.. ماذا فعل القرآن بهم؟ أين وصل؟

استمعت كثيرًا في بداية الأمر لمحاضرات ومقاطع دعوية.. لكن كان شيئًا مـختلفًا كرر على مسامعي كثيرًا كلامًا ربما للوهلة الأولى شعرته عاديًا أو أنه يخص أولئك الملتزمين..

لماذا الله يقول: {فإنه نزله على قلبك}، {كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}، {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا}، {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}، {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}

لماذا يقترن ذكر القلب بذكر القرآن؟

ما العلاقة بينهم.. تردد ذلك على مسمعي كثيرًا؛ مما سمعت وأغلبهم يقولون كلامًا كان بالنسبة لي شبه غير مفهوم، وربما إلى الآن هو كذلك.

لماذا اهتم الله بذلك القلب الصغير الذي تحمله في جسدك..

كما لو أنه أساسًا لجسدك وبدونه لا حياة.. كذلك هو لروحك، فالله قد خلق لكل عضوٍ وظيفةً يؤديها فلا يعقل أن تُبصِر بأنفك أو تسمع بعينك، وكذلك هو القرآن.. شدَّني كثيرًا كلام الدعاة حينما قالوا: ومكان تذوق القرآن هو القلب، فيستحيل أن تعرف طعمَ ما تأكل إن وضعت غلافًا على لسانك..

وكذلك الذنوب ستصبح رانًا فلا تشعر حلاوة القرآن وتفقه غايةَ الله منه.

 (٢)

كم عام أنا وأنت لنا على الإسلام وربما حتى هذه اللحظة لم نفهم {الحمد لله رب العالمين}؟ نكررها في كل صلاة ولكن أين وصلت بنا؟

والله لم تتجاوز الآذان.

هم عاشوا هكذا.. أنت وأنا كيف سنعيش مما تبقى لنا؟

نحن نفني أعمارنا لأجل البحث عن شيء واحد فقط؛ ننفق الأموال.. نبلي الأجساد.. نغدو ونروح.. لكن هدفنا في نهاية الأمر الحصول على شيء واحد وهو السعادة، وربما مِنَّا من بحث عنها في غير محلها، فزنى وسكر وغنى ورقص وكذب وفجر وبلغ من الذنوب ما بلغ لكنه ليس سعيدًا، بل هو والله أتعس العالمين، والله أن الأيام تمر عليه وهو يتمنى ان تقف.

وترتفع نسب الانتحار أكثر في الدول المتطورة التي يتمنى الجميع العيش فيها، وهذا أكبر دليلٍ أن المال لا يصنع السعادة ولا يشتريها، وأنك مهما جربت وغيرت وتطورت فلست سعيدًا إلا إن كانت سعادتك مع الله.. تفكَّر: كم مرة لـملَمَت ركعتان في غسق الدجى شتاتنا؟ كم أمنية تحققت بدعواتٍ صادقةٍ بإلحاح؟

أتذكر تلك الدمعة التي سقطت مرة على وسادتك حينما ندمت على ذنب فعلته.. أليس الله يحبها؟ ((عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله))، ألم تسأل نفسك يومًا ما الذي جعل ذاك الشاب الذي في أجمل أيام عمره أن يغض بصره ويحصن فرجه ويترك الملذات والشهوات والملهيات وتجده ساجدًا قائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ ربما تجلَّت له شهواتٌ وشهوات بأبهى صورها لكنه قال لها: {معاذ الله}.. تمنى سماع تلك الأغنية، لكن {معاذ الله}.. تمنى أن يرى تلك الفتاة، لكن {معاذ الله}، والكثير الكثير.. وقلبه يردد برضى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون}، فمتى قلبي وقلبك يقولان {معاذ الله} لملذات الدنيا؟

(٣)

ألم تسأل نفسك يوما لماذا يبكون؟

لماذا تلك الفتاة التي ليست أقل من الأخريات بشيء بل هي أغلى منهن جـمَّلَت نفسها بحجابٍ فلا يُرى منها شيء، فهي والله ليست معقدةً ولا جاهلة، وتدرك تمامًا أين وكيف ولمن تتزين..

والذي حرم نفسه الطعام والشراب والشهوة ابتغاء مرضات الله، فأبدله الله فرحتان

ومَن هو {قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه}.. ترك سريره الدافئ، وزوجةً حسناء، وبعد تعب يوم طويلٍ جدًا يقطع لذة نومه إلى لذة أعظم وأبقى، فيسبغ الوضوء ويصلي لله ما استطاع، ويبكي ولكن بكاؤه واللهِ فرح، واللهِ كما قيل: "كل الذين بكوا لله ضحكوا".

فمتى تستيقظ نفسي أنا وانت؟ متى نشحذ الهمم ونعود؟

(٤)

حتى نملك ولو قليلا من ذاك.. يجب أن تجعل قلبك لله، فمهما كُبلت وقُيدت سيبقى قلبك محررًا، وهذا ما يريده الله منا؛ يريد قلبك.. فقط قلبك، فإن صلحت تلك المضغة صلح سائر الجسد..

هناك خطوات لتمتلك قلبًا أدَّبه القرآن:

كن مثل سليمان عليه السلام.. سليمان عليه السلام حينما قال الله عنه: {نِعْمَ العبد إنه أواب}.

تأمل قليلًا.. أرأيت ماذا قال عنه: {أواب} أي: كثير العودة والرجوع الى الله، وحينما يقول الله: {نِعْمَ} عن أحدٍ فاعلم أنه استحقها حقَّ استحقاق.

ماذا قال بعدها؟

{ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق}

أرأيت تلك الأحداث تحدث كل يوم لي ولك، فنحن نذنب ولكن هل كنا كلنا سليمان عليه السلام؟ هل قطعت ما ألهاك عن عبادةٍ وطاعة؟ هل ندمت؟

ما الذي تغير بك حينما أنبت إلى الله؟ فعُد وأقبِل فالله يفرح بك، وحقٌّ على الله أن يهديك، لا تقل لم يهدني الله، بل قل أنا لم أرد الهداية.

قال تعالى: {إن علينا للهدى}، وكما قال حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم في فرح الله بتوبة عبده: ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة)) متفق عليه.

أقبِل واذهب إلى الله فهو يحبك، وليكن شعارك: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين}، وتخيل أنك إن عصيت الله أعوامًا وأعوامًا، ثم أقبلت بقلب منيب فإن كل خطوة.. كل حركة.. كل همسة ستبدِّل سيئاتك إلى حسنات، وأنت بذلك ربما سبقت الصالحين.

تذكر قصة هذه الآية: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}

اسأل نفسك لماذا إلى الآن أنا هنا.. لم أُقبِل على هذه السعادة الأبدية التي لا وصف لها.. إلى حياة طيبة..

والتوبة معناها الرجوع إلى الله تعالى، والإقلاع عن المعصية، وبغضها، والندم على التقصير في الطاعات، قال النووي رحمه الله تعالى: "التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عن المعصية، والثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدًا، فإن فُقِد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالًا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كانت حدَّ قذف ونحوه مكَّنه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحت توبته -عند أهل الحق- من ذلك الذنب الذي تاب منه، وبقي عليه الباقي" انتهى كلامه.

(٥)

{فاتبعوني يحببكم الله}

بعد ما طهَّرت قلبك وأصبح قادرًا على حمل تلك الرسالة وفهمها

فالله قد أعد النبي صلى الله عليه وسلم وجهز قلبه لاستقبال تلك الرسالة العظيمة: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إناسنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا طويلا}..

{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}.. إن صدقت حقًّا في حب الله فاتبع رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يحببك الله.

كيف تتبعه؟ افتح القرآن الآن.. ابدأ من الفاتحة واعرض كل آية عليك وانظر هل هي فيك، واجتهد أن تعمل بها.. استشعر أن الله يخاطبك أنت يا فلان

يا فلانة وكأنما أُنزل عليك

حينما تسمع {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} يا فلان هل تقيم الصلاة؟ هل تصبر عليها؟

يا فلانة حجابك صحيح؟ {يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما}، {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن}.. كم مرة لم يرض حجابك الله؟

وهكذا كل آية قف عليها.. تأملها.. افهمها.. أوليس أحدنا إن أتته رسالة من أحد ملوك الدنيا قرأها، وإن كانت بلغة أخرى ترجمها وفعل الأفاعيل كي يفهم..

ولله المثل الأعلى


اظهار التعليقات