ثُمَّ عَادْ
عبد الله صبري عبد المولى
QR code
18/05/2017       1222 مشاهدة

[1]

مُنهكًا مُثقلًا، تفجَّرت من محاجرك الدموع حتى تقرَّحت عيناكَ ألـمًا، وعربد الأسى في قلبك، واقتصَّت الأوجاع من عُمركَ عُمرًا!

ربما لا أكون حانثًا إن أقسمت أن الدنيا ضيعتك في أزقَّتها.. ولا تزال، وأنك أصبحت في حياةٍ لا تجدك فيها.

 

[2]

تلفُّ وشاح الصبر على عنقك حتى كاد يخنقك.. يُضنيكَ البحثُ عن مخرجٍ مـما ألـمَّ بك!

تتذكَّرُ ما أخبرَكَ بهِ أحدُهم أنه -سبحانه- كما جعل لكل داءٍ دواءً، ولكل ضيقٍ مخرجًا، جعل في كتابه وصفًا لكل دواءٍ، وطريقًا لكل مخرج!

تُهرَعُ إلى كتاب ربك تبحث فيه عن ذاتك.. تبحث دون إيمانٍ حقيقي لقوله تعالى: "﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، كِتَابٌ مُبَارَك"

لكنها - نفسك - تُحدِّثك قائلةً: علَّ آيةً واحدةً يمتدُّ نورُها إلى قلبك، تجد فيها ما تبتغيه، فتتكشَّف الكُرُبات، وتنجلي الهموم!

 

[3]

تشرعُ في تلاوتك بحضورٍ للقلب وتفهُّمٍ وتعظيم: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ.. يا الله؛ تهتز أوصالُك، وتخفق نبضاتك بشدة.. رغم غناهُ عنك وجمِّ تقصيرِك وعظيمِ معصيتك فإنه "رحيمٌ" بك!

حينَها تشرقُ مخابئ روحك بعد أفولها، وتعمرُ قفاركَ بعد بوارها، ولا تملك إلا أن تتابع تلاوتك التي شرعت فيها: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

يتملَّككَ العَجب؛ كيف أنه سبحانه لـمَّا تحدَّث عن الرحمة والمغفرة نسبهما إلى نفسه، وجعلهما اسمًا له وصفةً، فقال: "أنا" الغفورُ الرحيم، ولـمَّا تحدَّث بعدها عن العذاب جعله مخلوقًا له، وليس من صفاته، فقال "هو" العذابُ الأليم.

حينها تذوبُ حياءً، وتتقازم أمام قدسيَّتِه، تتمتِمُ في خجلٍ وانكسارٍ وحب: والله يا رب ما دنا لنا أوسعُ من حلمكَ ومغفرتك، ولا أعظمُ من رحمتكَ وودِّكَ، ولا أكثرُ من شُكركَ ومنِّك.

حينها يأسرك القرآن.. ومن عجبٍ أنك أحببت الأسر! فتتابع بتدبُّرٍ وإبصار:

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا

دوَّى الخبرُ بين حناياك مجلجلًا، وروحك كصحراء شاسعةٍ بجدبٍ أصابتها غيمة شهيَّة بالمطر، فأنبتت بها زهرًا، وعمَّرت بها القفار.

تلتزمك الآية فتقف عليها، وتأبى أن تمرَّ عليها دون تدبُّر، تُعيدُها مراتٍ ومرات، وتلاوتكَ تُصغي مسامعكَ صدَّاحةً تجمعُ بها كل ما تناثر منك، وتضيء بها كل تقاسيم العتمة بداخلك؛ كيف لا وقد شرعت شمسك في شروقٍ بعد طويلِ غياب؟!

تشرئبُّ روحكَ للمزيد، فتتابعُ بترقُّبٍ ونظر!

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ

أما تلك فتجردك من دنياك الموحشة ومشاغلها المرهقة إلى فضاءِ الأُنسِ بالله، تروي جفنك بالدموع.. تناجيه بقلبٍ وجِلٍ، وروحٍ مفعمةٍ بالأمل.. تحدثه طويلًا، تخبره بكل شيء.. بكل ما تحتويه حناياك، حتى أحلامك الصغيرة التي تخبئها سرًّا تحت وسادتك!

ترفع رأسك وقد نفضتَ عنك أوجاعك وجعًا وجعًا.

ترفع رأسك وقد عاهدتَه عزَّ وجلَّ ألا تتركها - سجدتكَ - أبدًا ما حييت!

 

[4]

أحضرتُ قلمي وقارورة حبري؛ لأكتب إليك يا نفس، أكتب بروحٍ مفعمةٍ بالحب، وأناملَ مُنتشيَةٍ بالفرح، وإليكَ الهَطْلَ:

دقَّت أجراسُ الحنين، وتاق قلبي، فذهبت إليه - سُبحانه - قرأت وِردي متأملًا في كتاب ربي مُبصرًا فيه، وها قد انتهيت، وقد لحفتني السعادة، وضمَّتني السكينة، وضحكاتُ روحي مختالةٌ بشروق الحياة بعد ليلٍ طويل!

أحيطكِ علمًا أني مُذ سلكتُ هذا الطريق وآلامي قد لفظتها، وأوردتي اليابسة تنبض بالحياة، كأنَّ بستان الخُزامى فيهم نبت.

أتعلمين - يا نفس - لا أكون حانثًا إن أقسمتُ أن الحياة الحقيقيَّة في تلك الدنيا بين طيَّات قرآننا - قراءةً وتلاوةً وتعلُّمًا ومدارسةً وتدبُّرًا وعملًا - وأن السعادة - كل السعادة - في القرب من كلام ربنا، والأُنس به، ومناجاته بآياته.

 

[5]

تتمتمُ روحي والشوق يكتنز أضلُعي: رب بلِّغني الـمُنى، وافتح عليَّ - علينا - بالقرآن، واجعله لنا زادًا لا يبور ولا يفنى، واجعلنا من أهله وخُدَّامِه!

تمت..


اظهار التعليقات
ياسين العمري
18/05/2017
  شكر الله لكم و بارك فيكم و نفعكم و نفع بكم..