توأمة الإيمان والعمل الصالح
د. غنية عبد الرحمن النحلاوي
QR code
13/04/2017       5671 مشاهدة

مقدمة: أهمية الفكرة: تكاد لا ترد آية قرآنية فيها ذكر الذين آمنوا إلا ويتبعها إشارة لعمل الصالحات باللفظ أو المضمون، ولأن التشخيص نصف العلاج، فينفعنا أن نعلم متدبرين أن من أهم أسباب تقهقرنا مخالفة آيات الله تعالى تغافلا وتكاسلا عن حمل الأمانة، أو تحرجا! قال تعالى:﴿ المص ﴿١﴾ كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ فَلا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكرى لِلمُؤمِنينَ ﴾، وينتشر اليوم الحرج من بعض آيات القرآن كأنها تهمة.. ليس في الصدور وحسب، بل في الأفعال والأقوال، ويأخذ ذلك في بحثنا منحى الفصل بين القول والعمل وبالذات بين الإيمان والعمل الصالح وتحجير مفهوم الأخير؛ من ذلك ترسيخ مقولات: أن الإيمان في القلب، وأن الدين المعاملة، وأن الله غفور رحيم فلا تضيّقوا ولا تعسّروا، وأن الدين لله، وعلى الأرض هو فتنة وجمود و"رجعية" (والرجعية تهمة)، وكانت تلك المقولات وأمثالها مادة الإعلام بل وأدخلت في مناهج المدارس في كثير من الدول "المسلمة"! وحفظونا إياها رفقة شعار: "الدين أفيون الشعوب"؛ ثم إن تلك المقولات توارت مع الصحوة الإسلامية.. ولكن لتعود اليوم وبقوة! وبين شباب مسلمين مثقفين دينيا وبعضهم كانوا ملتزمين! عادت بألفاظ منمقة أحيانا وبالصيغ القديمة أحيانا أخرى، مع تجديد المحتوى ليناسب روح العصرنة وأهداف "الحضارة" ونُقلت من الشعارات إلى العمل المتضمن إزالة بعض المبادئ والثوابت بدعوى إعاقتها بلوغ تلك الأهداف ومعارضتها للتفوق المادي والتقدم والمجد! عادت ليتلقفها كل متعطش للتخلص من عبء التكاليف ومتبع لهوىً أو "أنا": وبعضهم اقتنع بها فاعتنقها عن حسن نية وانبرى مناقشا: "لا علاقة بين تحقيق أهداف حياتك في الدنيا وبين العمل للآخرة. أنا مع فصل الفكرتين" وعندما تذكره بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، يُجيبك يخلط حقا بباطل: "الأهم أن نعيش حياتنا بالملموس وننجح في أعمالنا في الدنيا.. لأنه مهما فعل ابن آدم لا يستطيع ضمان الآخرة، ولأن ديننا العظيم يدعونا لإعمار الأرض"! سبحان الله، ولا ينطبق على هؤلاء مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَـؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا 

(التوأمة).. كيف ولماذا: جميع الأنبياء أمروا قومهم بضم الركنين، وكان الفصل بداية انحراف أهل الكتاب من قبلنا ويجرّوننا إليه: فهم آمنوا بالله إيمانا قويا لدرجة أنهم بزعمهم"أحبّاؤه"، لكن إيمانهم لم يمنعهم مثلا أن يؤاكلوا المجرم ويجالسوه مساء.. بعد أن يجرّموه صباحا! ولقد حرم الله عليهم الربا وأكلوه، والزنا فاستحلوه! وأُمروا بالتوكل وأن يدخلوا الأرض المقدسة على القوم الجبارين تصديقًا لإيمانهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فردّوا بوقاحة وقعدوا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾! فاستحقوا عقوبة التشريد في التيه أربعين سنة نظير فسقهم: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾(1) ووسمتهم اللعنة وقسوة القلب!

بالمقابل، ولننجو من مستنقعهم؛ نحن نستيقن أنه لابد من ترجمة كل يقين فكري قلبي لواقع عملي، ونحن نعلم أن الإسلام ليس تهويمات تتركها في مكان العبادة، وتخرج إلى بيتك أو عملك دون تأثير يغيرنا إيجابًا كأفراد ويترك صبغته علينا كمجتمعات! ثم إن الناس في هذا الشأن على حالين:

الأول: تحقيق تلازم الإيمان والعمل الصالح:

التكليف والطاعة: إن ذلك التلازم هو مبتدأ التكاليف وميزان الطاعة، وهو ما يريده الله تعالى منا وبعث رسله به وبشرنا بالجنان لتحقيقه، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وقد بيّن لنا تعالى أن تكليفنا بالأمرين مجتمعين متناسب مع وسعنا ومقدرتنا كما أن جميع التكاليف تقع بتفاصيلها ضمن نطاق: الإيمان وعمل الصالحات؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفسًا إِلّا وُسعَها أُولـئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ هُم فيها خالِدونَ﴾، وهذه المزاوجة تضمن أداء التكليف بأمانة لا سيما وقد ربطتها الآية إذ نتدبرها ببشرى: تناسب التكليف مع الوسع والطاقة البشرية، وأنه جلَّ في علاه لا يكلفنا إلا وسعنا، أما مقدار هذا "الوسع" فيقيننا أن الله تعالى أعلم به لأنه هو الذي زودنا بأدواته جسميًّا ونفْسيًا وروحيا.. وبالتالي فالجمع بين الإيمان والعمل الصالح لأداء التكاليف بتنوعها، ورخصها وعزائمها، هو ضمن وسع كل إنسان وعندما يقول سبحانه لك: آمن واعمل صالحا.. ويشرع لك ما تفعل وما لا تفعل، فهو العليم الخبير إذ فطرك وسوَّاك وناسب بين صنعتك ووسعك.. وكلفك وفق الصنعة.. وله الحمد، فلا حجة لمحتج للنكوص عن الطاعة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فتردف الآية الإيمان بثلاث من أصول الأعمال الصالحة: التقوى نتحلى بها وتقوينا لجمعهما (الإيمان والعمل)، والوسيلة وهي كما في التفسير: "الزلفى بفعل الطاعات وترك المعاصي"، وبهما نحقق الأصل الثالث: الجهاد بأنواعه ومنه جهاد الكلمة(2) ومن شروطه السداد، قال تعالى: ﴿يَا أيّهَا الذَيِنَ آمَنُوْا اتّقُوْا اللهَ وَقولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وانظر كيف يكرمنا تعالى نظير طاعتنا بالعمل والقول السديد مع الإيمان فيصلح عملنا ويغفر قصورنا وتقصيرنا كبشر.. وصولا للفلاح وللفوز العظيم.

ما هو العمل الصالح؟

1) تصحيح مفهوم: هو بداهة ليس محصورًا بالعبادات الجسمية (الشعائر) من صلاة وصيام و..، كما يروِّج البعض تجاهلا أو جهلا بسعة العبودية، لكنها منه، وإذا بدأنا من حيث انتهينا أعلاه: فالزلفى بالطاعة عمل صالح، والجهاد عمل صالح، والقول السديد عمل صالح؛ وتجد المزيد والكثير في آيات القرآن، مثال: قال تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: هذا ركن الإيمان، ثم تابع تلاوة الآية الكريمة تجد ركن العمل الصالح المصدق للإيمان بتسمية عناوين رئيسة منه؛ قال تعالى: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾، فالشهادة بالعدل عمل صالح.. والعدل رغم البغض عمل صالح.. بل والتقوى وتكررت في الآيات التي أوردتها كضمانة لصلاح العمل، هي بدورها عمل صالح مع أنها في الصدر لقول الحبيب في الصحيح ((التقوى هاهنا)) ويشير لصدره!! وردا على سؤال عن الآية (21) في سورة البقرة مؤداه: نحن مأمورون بعبادة الله تعالى فكيف نعبده؟ ألَّف ابن تيمية كتاب العبودية(3) وبدأه بتعريف العبودية بأنها (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة)، وهذا المعنى يشمل ضمنًا ركني العبادة: العمل الصالح والإيمان.

2) قياس العمل الصالح: هو لا يقاس بموازين الأرض فللسماء موازينها، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، لأن أثره الطيب لا يتوقف على فاعله؛ قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وبديهي أن الحق والصبر من الصالحات ولكن خصَّهما تعالى بالذكر ليلفتنا لأهميتهما وللفائدة المتبادلة في العمل الصالح، ممثلةً بذلك التواصي.

3) نوع العمل: =يكون العمل صالحا بذاته، وهذا يقتضي خلوص النية والإتقان والأمانة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا الإحسان في العبادة: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) رواه البخاري ومسلم، فضمان صلاح أعمالك الظاهرة والباطنة (العبادة بالتعريف) أن تؤديها بإخلاص وتراقب الله عز وجل خلالها ما استطعت مستيقنًا أنه معك سبحانه.

=ويكون صالحًا مصلحًا *إما لصاحبه ولو عظم ذنبه؛ قال تعالى في حدِّ السرقة: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه}، فالتوبة عمل صالح إذ تنعقد في القلب ولكن تستتم وتثبت بعمل مصلح لنفس التائب (باطنه)، ولشؤونه الظاهرة. **أو المصلح لغيره من الناس، ويدخل فيه التواصي (سورة العصر) والنصح والشفاعة والوازع التربوي.. والمزيد، فهو باب واسع، وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)).

الثاني: مخالفة هذا القانون والإخلال بأحد الركنين:

وتتجلى المخالفة (التي قد تبلغ الكفر) بخلل في ركن الإيمان أو فساد وإفساد في العمل، وإن تهاوي أحدهما يهوي بالآخر ففصلهما وهْمٌ في عقل مدَّعيه؛ قال تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّـهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وانظر كيف أن رفضهم لحكم الله الذي في كتابهم، ثم التولي عما يوافقه وهو هنا حكم نبينا صلى الله عليه وسلم -رغم أنهم هم من طلبه- جردهم من الإيمان فأسقطه تعالى عنهم لتلاعبهم بالأعمال.

ومن الناس المضيِّع للأمرين ابتداء: جهرًا كالملحد أو سرًّا كالمنافق الذي يدعي إيمانًا دون عمل صالح أو يتظاهر بالعمل الصالح دون إيمان، وأخسر الجميع وأضلهم أعمالًا الذين قضوا حياتهم لا يؤمنون بالآخرة ولا يعملون لها (ولو صلح عملهم للدنيا)، وعند القيامة يُعذَّبون وليس لهم أن يطلبوا رفع العذاب ولا الجنة! فقد كفروا بها عقيدة وعملًا في حياتهم، ولو آمنوا لعملوا لنيلها؛ قال تعالى: ﴿وَمَن كانَ في هـذِهِ أَعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمى وَأَضَلُّ سَبيلًا﴾، عمى وضلال سبيل! أعماهم حب الدنيا فعاشوا له ويموت معهم ويقوم معهم آخذا بخناقهم إلى جهنم!

عمل دون إيمان: إن مبدأ ضلال السعي خلل الإيمان! والذي يعمل صالحا ولم يؤمن حتى ولو طبق بعض قوانين وتشريعات منهج الله عز وجل وقطف ثمارها في الدنيا فما له في الآخرة من خلاق (نصيب)، فالتكاليف لا يؤديها بحقها وينال ثوابها إلا من سلمت عقيدته وصحَّ إيمانه؛ قال تعالى يعلمنا بحبوط العمل مهما بلغ عندما يؤدى بمعزل عن الإيمان في ختام آية تبيُّن تكاليفًا مادية: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، والحبوط بالأصل انتفاخ مرضي في عنق الإبل التي قد تبدو لامعة معافاة، وهو ممن نكرر وصفهم كل يوم جمعة بأنهم ﴿الَّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنونَ صُنعًا﴾ (الكهف: 104)، آيات إذ تتدبرها تصبغ أيامك السبعة حتى الجمعة التالية، وهذا ينطبق على الشعائر التعبدية، كما على الأعمال ذات المردود المادي وعلى المكاسب والمتع التي صارت أهداف معظم المسلمين مع الأسف.

إيمان دون عمل صالح: إن عمل المؤمن هو التعبير عن صدق السريرة، وأبلغ رد على من يقول الإيمان بالقلب قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، وعموما لا يوجد إنسان يعيش بدون عمل يدل على يقينه بمعتقده، لكن المعتقد الصحيح الخالد هو الذي يصمد أهله للفتن، وإن العمل بثوابته رغم ضغوطها هو أقوى كاشف لصدق وصحة إيمانهم.

 (التوأمة).. نتائج وثمرات: سواء أدركنا الثمرات أو لم ندركها، فالتوأمة شرط لصحة العبودية، مع ذلك وبناء على قانون مفاده أن الله تعالى لا يفترض علينا شيء إلا وفيه خير لنا ومصلحة في الدارين.. هذه بعض الثمرات من القرآن والسنة للاستئناس.. وهي بعضٌ من كل لا أحسب بشرًا يملك الإحاطة به:

(1) حب الله تعالى والجنة: روى أبو هريرة رضي الله عنه عن الحبيب صلى الله عليه وسلم: ((إذا أحَبَّ اللهُ عبدًا نادَى جِبريلَ إنِّي قدْ أحبَبْتُ فلانًا فأحِبَّهُ، فيُنادِي في السماءِ، ثمَّ تَنزِلُ لهُ المحبةُ في الأرضِ، فذلكَ قولُهُ تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، وإذا أبغضَ اللهُ عبدًا نادَى جِبريلَ إنِّي أبْغضْتُ فُلانًا، فيُنادِي في السماءِ، ثُمَّ تنزِلُ لهُ البغضاءُ في الأرضِ)) والمعنى أن هذا الأخير ليس من الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" (صححه الألباني)، وليس لمن أحبه تعالى مآلا أحسن من الجنة، وهي الحسنى من الجزاء التي خص سبحانه من آمن وعمل صالحا بها في الآخرة مع التيسير في الدنيا على يد عباده الصالحين، واقرأ الآية في قول ذي القرنين؛ قال تعالى: ﴿وأما مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾.

(2) التوأمة تمكين ورقي: تخيل أنك طرف في عقد وعهد مع أعظم سلطة كونية(4) وتحصل بموجبه على أعظم الامتيازات! فأنت كذلك مع رب الكون! قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، والآية بينت:

1) الطرفين المتعاقدين: فهو عهد بين الله تعالى وطرفه الثاني الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.

2) وموضوع العقد ونصه ان الله تعالى يتعهد للطرف الثاني بهيئته المنصوص عليها بأنهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بالاستخلاف والتمكين والتأمين مقابل قيام الطرف الثاني بعبادته حق العبودية وعدم الإشراك به سبحانه.

(3) تحقيق التدبر والعيش مع القرآن: إن كتاب الله هو مصدر هداية البشر ﴿لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ﴾، وهي ملة الإسلام والتوحيد كما في التفسير، والتي لا بد لتمامها من جمع الإيمان والعمل الصالح، علاوة على أنه يُبَشِّر الذين حققوا هذا الجمع، قال تعالى: ﴿إِنَّ هـذَا القُرآنَ يَهدي لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَعمَلونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا كَبيرًا﴾.

فالتدبر يهدينا ويحدونا لتطبيق توأمة الإيمان والعمل الصالح(5) وإن تدبر القرآن أحد ثمار هذه التوأمة.

قال ابن القيم: "هجر القرآن أنواع؛ أحدها: هجر سماعه والإيمان به، والثاني: هجرُ العملِ به وإن قرأه وآمن به، والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه، والرابع: هجر تدبره وتفهم معانيه، والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب، وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي  اتَّخَذُوا هَـذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾". ووجدت أنه يجمع بينها أن "الإيمان" يقتضي “العمل"، و"التحكيم" أحد أقسام العمل.. والتحاكم إليه يرتبط بالإيمان به، و"التدبر وتفهم المعاني" يدعو "للإيمان والعمل" مجتمعين، كما أنهما يدعوان للتدبر ويفتحان لنا إشراقات علمية ودعوية من خلاله(6).. وإن الإيمان والعمل بالقرآن والتحاكم إليه والاستشفاء به، كلها تصب في اتباع القرآن والعمل به، وهذا يتم بإسقاط ذلك التدبر والتفهم للمعاني على واقعنا فكرا وعملا؛ فبذلك هو أحد أشكال التوأمة بين الإيمان والعمل وفي هذا المعنى يقول الحسن البصري في قوله تعالى ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ  لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾: "وما تدبُّر آياته إلا اتباعه والله يعلم، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده" وهذا بيان قوي في أن التدبر جمع الإيمان بالنص والتفكر فيه إلى إسقاطه على الواقع والعمل به.

(4) تحقيق سنة الحبيب: إن توأمة الإيمان بالله مع العمل الصالح هو ما نعيشه مع سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم التي تعلمنا أنه لا قيمة لأحدهما بغياب الآخر؛ ولا معنى لحبنا له وتكرار الصلوات عليه ونحن نخالفه في أعمالنا، وهذا مثال عن الهدي النبوي العظيم في التوأمة من حياتنا اليومية: قال صلى الله عليه وسلم ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)) البخاري. وكأن الحبيب يرشدنا لتوثيق إيماننا في كل مرة ينتابنا ضعف أوشك بأن نختبره بعمل صالح، وتلك الأعمال أمثلة يقاس عليها الكثير مما يعد مصداق الإيمان ومقتضاه على مستوى الفرد لتشمل على مستوى الأمة الدعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

(5) تحديد الهوية: الانضمام للصالحين في الدنيا، ودخول الجنة معهم في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾، وهذه نعمة تثمر دون توقف ندركها اليوم أكثر من أي يوم، لأن الأمر لا يبدو بهذه السهولة وهذا الوضوح في دنيانا، حيث الدخن والفتن تتغلغل بين الصالحين، وعندما تسعى بإخلاص لتتجنب الشبهات والشكوك، ثم يقال جاء فلان صعدت روحه، تخيل رب العزة يقول، وهو أعلم بك: "ما فعل عبدي؟"، فيقال: كان من "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" فتسمعه سبحانه يقول للملائكة: "أدخلوه في الصالحين".. الله أكبر ولله الحمد.. تخيل.. تقول: الحمد لله نجوت منها ومن فتنها.. نجوت وربي.. اللهم لك الحمد!

ترددها تريد أن تسمع الكون.. صدق الله.. صدق الله؛ ذلك أنك صدقت الله فصدقك!

ثمرات خاصة: من فضل الله علينا أن لكل عمل صالح ملازمٍ للإيمان خاصٍ بأحدنا نتائجه وجوائزه الخاصة لكل منا، والتي تتبرعم وتثمر دون توقف في حياتنا وبعد مماتنا، إضافة لما ذكرناه من ثمرات عامة مشتركة؛ من ذلك:

مثال: بذل المال إيمانا وتصديقا لوجه الله تعالى له ثمار خاصة وغير متوقعة في عصر المادة؛ أولها: أن ((الصدقة برهان)).. من حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم.. وتفسيره: "برهان على صدق الإيمان"(7)

 ومنها: النجاة من الأمراض النفسية وعلى رأسها الخوف والحزن! قال تعالى ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فهي حرية مطلقة من الخوف والحزن يمنحها للمؤمن عمل صالح هو الإنفاق بصفاته التي يحبها الله (في سبيل الله، بالليل والنهار، سرًا وعلانية، دون منٍّ أو أذى..)! وعندما يؤديه الإنسان بهذا الشكل وهذا الاندفاع، فإنه ينعتق من العبودية للمادة (بلاء عصرنا وفتنة أمتنا كما أنبأنا نبينا في الصحيح) فإذا هان المال في عينيه وصار بذله عبادة.. وإنفاقه في سبيل الله غاية وأمنية.. فممّ يخاف؟! وعلام يحزن؟!

وختاما: نختم بهذا التعبير القرآني عن ضلال العمل نتدبره من (سورة البقرة:264)، وهي آية عجيبة فيها أرباح عظيمة وكسبٌ كثير.. لكن ضمنه بذور فساد مجهرية، وفيه قلوب فاسدة لأصحاب المكتسبات: ظلمت أرواحهم فلم تؤمن وحبستهم في صناديق وبين جدران! وأعجزتهم عن التمتع بها، قال تعالى: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.. سبحان الله!! كيف لا يقدرون على شيء مما كسبوا.. وهو عمل كثير.. وهي مكاسب ضخمة؟!!

هذا حال الإنسان الذي يعمل ويكسب وينجح ويصعد سلم المجد.. ولكن.. ولكن كأنه ما كسب!!

كأنه كسب لأرفف البنوك.. للبنائين وللرشوة.. للمستشفيات وللورثة.. لعصابات الخطف وتجار المخدرات.

هذا في الدنيا.. أما في الآخرة فالخسائر أعظم وأبشع بكثير.

أين ذهب الكسب؟! ذهب بكسبه زغل النية وخلل الإيمان! لا يقدرون منه على شيء.. ما قيمة "الشيء" مهما ضؤل؟! ولا شيء.. ولا أثارة منه!! فهي مكاسب ولدت بلا روح.

جعلنا الله وإياكم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأدخلنا في الصالحين..

ربنا اجعل إيماننا يزيد بالعمل والطاعة ولا ينقص بالمعصية.

___________________________

- هوامش-

1) وفسقهم خروجهم بعملهم هذا عن الإيمان، وترك العمل بمقتضاه؛ قال الشافعي: (الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا قوله تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا}.

2) مقال الجهاد بالكلمة وتدبر القرآن الكريم للكاتبة على الرابط:

http://www.tadabborq.com/tadabbor/detailspensforethought/tadaborhuman/22.html

3) العبودية لابن تيمية بمقدمة الأستاذ عبد الرحمن الباني ط1963 المكتب الإسلامي.

4) مقال عهد وعقود قرآنية نشرف بها للكاتبة

http://www.tadabborq.com/tadabbor/detailspensforethought/tadaborhuman/16.html

5) وهذا المقال مثال على ذلك، بحثنا فيه التوأمة من خلال التدبر، ومن جميل ما وجدت بعد إتمامه قول الإمام الآجري رحمه الله: "اعلموا يا أهل القرآن، ويا أهل العلم بالسنن والآثار أنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله تعالى علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله: العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح، فقرن مع الإيمان العمل الصالح، واعلموا أني قد تصفحت القرآن فوجدت ما ذكرته في شبيه من خمسين موضعًا من كتاب الله تعالى، أن الله تبارك وتعالى لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده؛ بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان والعمل الصالح". وقال ابن تيمية: "يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صيامًا ولا غير ذلك من الواجبات، وأن يؤدي الأمانة ويصدق الحديث أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله لا لأجل أن الله أوجبها".

 6) من كتاب "تدبر القرآن في الزمن الصعب" تأليف د. غنية عبد الرحمن النحلاوي، الكتاب الفائز ثالثا في مسابقة الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم العلمية والإعلامية: (10-2015) الفرع العلمي: قسم البحوث العلمية، إذ بالتدبر أنت تتوجه لمضامين الآيات بالتأمل والتفكر وتسقطها على الواقع قولًا وعملا، بعد علاج مظاهر الانفصال عن النصوص والآيات. وقول ابن القيم ذكره في الفوائد (ص: ٨٢)

7) من حديث صحيح رواه مسلم ومطلعه ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ))؛ قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين: "برهان على إيمان العبد".


اظهار التعليقات