العالَم والوجود في ظلال القرآن
سيد قطب -رحمه الله-
QR code
29/12/2016       1839 مشاهدة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد، فإن للقرآن أثرٌ عظيم في واقع الفرد وتصوره للحوادث من حوله، فإنه نورٌ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وفي هذا الشأن يذكر السيد قطب رحمه الله عيشه في ظلال القرآن وكيف أثَّر في رفع تصوراته لهذا الوجود والعوالم من حوله، فقال: "عشت أتملَّى في ظلال القرآن ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود.. لغاية الوجود كله، وغاية الوجود الإنساني.. وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية في شرق وغرب، وفي شمال وجنوب.. وأسأل.. كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن وفي الدرك الهابط وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتع الزكي وذلك المرتقى العالي وذلك النور الوضيء؟

وعشت في ظلال القرآن أحسُّ التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله وحركةِ هذا الكون الذي أبدعه الله.. ثم أنظرُ فأرى التخبُّطَ الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية، والتصادمَ بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تُـملى عليها وبين فطرتها التي فطرها الله عليها، وأقول في نفسي: أيُّ شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم؟

يا حسرة على العباد!

وعشت في ظلال القرآن أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود.. أكبر في حقيقته، وأكبر في تعدد جوانبه.. إنه عالم الغيب والشهادة لا عالم الشهادة وحده، وإنه الدنيا والآخرة لا هذه الدنيا وحدها.. والنشأة الإنسانية ممتدةٌ في شعاب هذا المدى المتطاول.. والموت ليس نهاية الرحلة وإنما هو مرحلة في الطريق، وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه مقدمة كله إنما هو قسط من ذلك النصيب، وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك، فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع. على أن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هي رحلة في كونٍ حيٍّ مأنوس وعالمٍ صديق ودود.. كون ذي روح تتلقى وتستجيب وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع: ﴿وَلِلَّـهِ يَسجُدُ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ طَوعًا وَكَرهًا وَظِلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ﴾.. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبعُ وَالأَرضُ وَمَن فيهِنَّ وَإِن مِن شَيءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ﴾.. أيُّ راحة وأيُّ سعة وأيُّ أُنس وأيُّ ثقة يفيضها على القلب هذا التصور الشامل الكامل الفسيح الصحيح؟

وعشت في ظلال القرآن أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد.. إنه إنسان بنفخة من روح الله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.. وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.. ومُسَخَّرٌ له كل ما في الأرض: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.

_____________________

(من مقدمة كتاب "في ظلال القرآن" للسيد قطب رحمه الله)


اظهار التعليقات