المرأة والتدبر
فاطمة بنت محمد الشاشي
QR code
15/12/2016       1885 مشاهدة

كتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: "علموا نساءكم سورة النور"([1]) ويروى عن عالمة الأمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "وعلموهن سورة النور والغَزْل"([2]) ويروى عنها كذلك قولها للنساء: "لا تعجز إحداكن أن تقرأ سورة الواقعة"([3]).

سقنا هذه النصوص الدالة دلالةً واضحة على اعتناء السلف رحمهم الله بتعليم المرأة كتاب ربها، فعائشة رضي الله عنها والتي استقت من وحي النبوة بلا واسطة وعمدًا نقلنا عنها لما يبين أن هذا هو منهج النبي صلى الله عليه في تزكية وتعليم أهله؛ ولهذا كانت توصي رضي الله عنها النساء بما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أدل على ذلك من جعله صلى الله عليه وسلم تعليم المرأة للقرآن مهرًا لها كما في حديث "زوجتكها بما معك من القرآن"([4]).

ونلحظ في هذه النصوص أنه لم يرد فيها (حفِّظوا نساءكم)، بل ورد فيها ما هو أعم وأجل من ذلك ألا وهو (علِّموا)، فعلم القرآن عند السلف لا يعني حفظه كما نفهمه نحن في العصور المتأخرة بل معناه كما يقول أبو عبد الرحمن السلمي "حدثنا الذين كانوا يقرؤننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا"([5]) وإذا ثبت هذا فتعلم القرآن عند السلف كان التدبر يدخل فيه تضمنا ولزوما.

·      أهمية تدبر المرأة للقرآن:

يقول الخطابي رحمه الله شارحًا أثر أمير المؤمينن عمر رضي الله الآنف الذكر: "إنما خصَّ النساء بتعليم هذه السورة من بين سائر السور ليبعثهن بذلك على العفة ولزوم  الحياء، وذلك أنهن إذا تأملن ما فيها من بيان حكم الزناة وإغلاظ العقوبة لهم وترك الهوادة في أمرهم ارتدعن عن الفواحش، وإذا تدبرن ما فيها من بيان الحجاب وما أخذ عليهن من غض البصر وحفظ الأطراف وترك التبرج بالزينة لَبِسْنَ به الحياء ولزمن الخفر"([6]) يُـجْمِل الإمام رحمه الله ثمرات تدبر المرأة لسورة النور، وإذا كانت هذه ثمرات تعلمهن لسورة النور وحدها فما هي ثمرات تدبرهن لكامل الكتاب المنزل؟ لا شك أنه سيكون أعظم أثرًا وأكثر أجرًا.

ونظرة سريعة وخاطفة لواقع المرأة عامةً نجد أن أكثرهن لم يتعلمن سورة النور وإن كُنَّ يقرأنها وربما قرأنها مجوَّدةً لا يسقطون منها حرفًا ولكنهن لم يقرأنها حق قراءتها، وغياب الحياء عنهن شاهد على ذلك، وحتى من يلزم بيته يرى ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي، ولو أن أولياء المرأة تمثلوا بأمر عمر: (علموا نساءكم سورة النور) لعاد الحياء إلى قلوب الفتيات غضًّا طريًّا، وما رأينا هذه المشكلات التي يطفح بها المجتمع من تمرد بعضهن على الشرع مما لا يخفى على أحد.

نهج السلف لا تقتصر على الحفظ، إننا نريد من دُور التحفيظ أن تربي نسائنا وبناتنا وأمهاتنا على سورة النور والأحزاب والنساء.

هذا الإقبال المثلج لصدور المؤمنين من قبل النساء لدور التحفيظ ينبغي أن يكون دافعًا لإداراتها -وهم فضلاء كرام- في بعث ثقافة التدبر بين النساء، ونريد من هذه الدُور أن تخرج لنا متدبرات لا حافظات وخريجات فقط يجهلن معاني غريب القرآن.

إننا نعلم علم اليقين أنَّ من أهداف دُور التحفيظ هو تخريج من قال الله تعالى عنهم: ﴿ وَالَّذينَ يُمَسِّكونَ بِالكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ المُصلِحينَ ﴾، وتخريج حافظة بهذه المواصفات القرآنية يتعدى صلاحهم إلى مجتمعها، فتؤثِّر بالقرآن، وتربي بالقرآن أهلها وذويها وبنيها وبني إخوانها وبني أخواتها؛ لن يكون إلا بتعليم المرأة تدبر القرآن.

 


([1]) تفسير القرطبي (12/158)

([2]) تفسير القرطبي (12/158)

([3])  الدر المنثور (8/3)

([4]) البخاري ح (5029)

([5])  تفسير الطبري (1/74)

([6])  غريب الحديث للخطابي (2/67)


اظهار التعليقات