أصحاب مجالس عمر رضي الله عنه
فاطمة بنت محمد الشاشي
QR code
05/12/2016       1213 مشاهدة

لا شك أن ملازمة عمر رضي الله عنه منقبةٌ للمرء أي منقبة، والعضوية في مجلس شوراه شرفٌ ديني قبل أن يكون دنيويًا لا تضاهيها برلمانات ومجالس عصرنا.

وإن من مناقب عمر أن يكون القراء هم أصحاب مجالسه ومشورته وهذه العبارة مقتبسة من حديث ابن عباس في البخاري([1]) نوردها بتمامها (وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا).

كان المؤهل لدخول مجلس عمر رضي الله عنه والدنو منه أن يكون المرء من زمرة القراء لكتاب الله بغض النظر عن السن فلم يكن يعبأ بالسن، فكان رضي الله عنه يدني ابن عباس ويدخله مع أشياخ بدر، وإذا تفحص المرء أصحاب مجالسه وجد ثُلةً من شباب الصحابة كابن عباس والمسور بن مخرمة الذي ورد في ترجمته أنه كان من الملازمين لعمر، ودلائل ذلك أنه لما طعن رضي الله عنه أيقظه المسور بقوله (الصلاة يا عمر) مما ينم عن قرب هذا الشاب الفتى من عمر، وحري بالقراء الشباب ملازمة العلماء أسوة بهؤلاء الصحابة فلا تتخطفهم الأهواء والشبهات والتيارات المنحرفة.

إن هذا التقريب والتدنية لأهل كتاب الله هو من فقه عمر رضي الله لقوله تعالى ﴿ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾، إنه يدرك رضي الله عنه أن هؤلاء بلغوا بالقرآن مراتب الربانيين، وهكذا كانوا رضي الله عنهم.

هذه الآية حريٌّ بكل من انتسب للقرآن أن يتدبرها ويتأملها ويعرض نفسه عليها، فيربي نفسه عليها قبل أن يطلق عليه الناس لقب (قارئ)، إنها آيةٌ عظيمةٌ تنبئنا عن قدر هذا القرآن وعن تربيته لأهله، وقراءتها دون تدبرها هو الذي أوجد الهوَّة والفجوة الكبيرة بين قرائنا وقراء الصحابة!!

(قارئ) عند الصحابة ليس كـ (قارئ) عندنا فقد كان عندهم مُصانًا، إذ كان اصطلاح الصدر الأول أنهم كانوا يطلقون القراء على العلماء كما يقول العيني رحمه الله، وإذا عرفنا صونهم للقب قارئ وفقههم لإطلاقه عرفنا سر تقريب عمر وتدنيته لهم.

بيد أن هذا الإطلاق لم يأت من عندهم إنما كان من وقوفهم مع كتاب الله: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾، ولا مانع من المرور على القراءات الواردة في هذه الآيات لنستضيء بها في تدبرها.

قُرئ قوله تعالى ﴿تعلمون﴾ بالتخفيف وبالتشديد، فقراءة التخفيف تنسب إلى العلم؛ أي: بما كنتم تعلمون وأما قراءة التشديد ﴿تعلِّمون﴾ فمن التعليم، وكلتا القراءتين صوابٌ وهما من القراءات السبع التي قُرئت بها الآية، وأما معنى ﴿تدرسون﴾؛ أي: تتلون الكتاب، كما ذكر ذلك إمام المفسرين ابن جرير الطبري.

إنها آية عظيمة حريٌّ بأهل القرآن تدبرها ثم تعقلها ثم العمل بما فيها، إنهم هم المعنيون بها فكانت أولى بالتدبر منهم، إنها تلخص لهم ما يريده القرآن منهم، إنها تربية القرآن لأهله فلماذا أهل القرآن عنها معرضون؟

(الربانية) هو وصف الله لأهل كتابه، وقد جعل الطريق إليها أمورًا ثلاثة ذكرتها الآية الكريمة: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾ بكلتي قراءتيها، فتمام المعنى من مجموع هاتين القراءتين، فالأمر الأول هو تعلم الكتاب، والأمر الثاني تعليمه للناس، والأمر الثالث للوصول إلى هذه المرتبة العلية هو تلاوة الكتاب.

ولما كانت الربانية مرتبة علية في الدين، فهم فوق الأحبار كما يقول مجاهد وَجَبَ علينا تبيين معناها من أفواه المفسرين أولي الفهم في الكتاب، وقد كفانا ابن جرير رحمه الله مؤنة التبيين هذه فقال: "والرباني: الجامع إلى العلم والفقه البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم"، فهم "أهل عماد للناس في دينهم ودنياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربية"، كما يقول رحمه الله في موضع آخر.

وهذه المرتبة التي أمر الله بها أهل كتابه أن يكونوا من أهله لتستنهض همم أهل القرآن، فلا يرون للحياة طعمًا دون بلوغ رتبة الربانية، فينطلقون من القرآن فيتفقهون في دين الله فـ (حق على من تعلم كتاب الله أن يكون فقيهًا) كما يقول الضحاك، فحريٌّ بأهل كتاب الله أن نجدهم الأوائل في كليات الشريعة وأصول الدين.

وليس من تدبر هذه الآية أن يبتدئ طالب العلم بمتون العلماء ويترك كتاب الله، فهذه الطريقة لن تخرج لنا ربانيين بل هي مما يعاب على طالب العلم فقد ذكر ابن عبد البر في جامعه عن ابن الحواري قال: "أتينا فضيل بن عياض ونحن جماعة، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول، فقال بعضهم: إن كان خارجًا لشيء فسيخرج لتلاوة القرآن، قال: فأمرنا قارئًا فقرأ فاطَّلَع علينا من كوَّة، فقلنا: السلام عليك ورحمة الله، فقال: وعليكم السلام، فقلنا: كيف أنت يا أبا علي، وكيف حالك؟ فقال: أنا من الله في عافية، ومنكم في أذى، وإن ما أنتم فيه حَدَثٌ في الإسلام، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون؛ ما هكذا يطلب العلم، ولكنَّا كنَّا نأتي المسجد فلا نرى أنفسنا أهلًا للجلوس معهم في الحِلَق، فنجلس دونهم ونسترق السمع، فإذا مرَّ الحديث سألناهم إعادته وقيدناه، وأنتم تطلبون العلم بالجهل وقد ضيعتم كتاب الله، ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاءً لما تريدون، قال: قلنا: قد تعلمنا القرآن، قال: إن في تعليمكم القرآن شغلًا لأعماركم وأعمار أولادكم، قلنا: كيف يا أبا علي؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، فإذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيلٍ وابن عيينة، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يا أَيُّهَا النّاسُ قَد جاءَتكُم مَوعِظَةٌ مِن رَبِّكُم وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدورِ وَهُدًى وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ﴾ "، ولا نقول لطلاب العلم لا تبدؤوا العلم إلا بعد حفظ كتاب الله، ولكن نقول لهم: لا تطلبوا العلم بالجهل ولا تعكفوا على كتب العلماء وتهجروا كتاب الله، ولله در الشافعي إذ يقول عن حيازة منصب الإمامة في الدين: "إن مَن أدرك علمَ أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفقه الله للقول والعمل بما عَلِم منه= فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونُوِّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة".

طلب التفقه من الدين لقارئ القرآن هو من اتباعه لهدي القرآن، فأين قراؤنا اليوم من التفقه في الدين؟! ولماذا نرى اليوم الحدود التي ما أنزل الله بها من سلطان في الفصل بين الفقه وعلوم القرآن؟ ونحن لا ننكر التخصص، لكننا ننكر أن يكون المتخصص في علوم الشريعة عَرِيًّا عن فهم القرآن، وكذلك القارئ للقرآن يكون عَرِيًّا عن علوم الشريعة الأخرى التي هي في الأصل من علوم القرآن.

يا أهل القرآن: إن عهدكم بالقرآن ينبغي ألا ينتهي باختبار الختمة؛ كلا، فالقرآن يريدكم ربانيين عمادًا للناس تربونهم بهدي الوحي وتسوسونهم بنوره، وهذه رتبةٌ تتطلب منكم همَّة وقادة، القرآن يريدكم قادة مؤثرين شامةً بين الناس فأعدوا لأنفسكم نيلَ هذه المرتبة واهجروا الدَّعَة والكسل، وذكرونا بابن عباس.. فقد كان رأسًا في علوم الشرعية كلها، وكان له مواقف مشهودة في التأثير على الناس، ومحاورته للخوارج خير دليل على ما نقول، وشتان بين قُرَّاء تدبروا ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ وقُرَّاء آخرين ((يقرؤون القرآن لايجاوز تراقيهم))([2]) فلا يُرى للقرآن عليهم أثرًا في عمل ولا خلق، وبيدكم القرار.

أيها القائمون على قراء كتاب الله:

ألا ما أسعدكم وأهنأ عيشكم إن غرستم في هؤلاء القراء: ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾، نريدكم أن تخرجوا لنا بهذا القرآن ربانيين، فهل تستشعرون ذلك في ذهابكم وإيابكم لدوامكم وعملكم؟ حقًا إنكم أهلٌ للغبطة إن جعلتم ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ رسالتكم وهمكم وحاديكم للعطاء والعمل.

___________________________________

([1]) ح (4642)

([2]) البخاري ح (3610)


اظهار التعليقات