ما يفتح لله للناس من رحمة (رحمة الله)
سيد قطب
QR code
20/10/2016       3345 مشاهدة

الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومصطفاه، أما بعد:

فيقول الله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّـهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾.

 هذه أيها المؤمنون هي الآية الثانية من سورة فاطر، وهي تتحدث عن معنى بليغ من معاني قدرة الله التي ختم بها الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وحين تستقر هذه الصورة في قلب المؤمن فإنه سيحدث في قلبه تغيرًا كبيرًا في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعا.

إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض، وتصله بقوة الله، وتيئسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض، وتصله برحمة الله، وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض، وتفتح أمامه باب الله، وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض، وتشرع له طريقه إلى الله.

ورحمة الله التي نصت عليها الآية الكريمة: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّـهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد.

ورحمة الله يجدها من يفتحها الله له في كل شيء، وفي كل وضع وحال، وفي كل مكان؛ يجدها في نفسه وفي مشاعره، ويجدها فيما حوله، وحيثما كان كيفما كان.

وما من نعمة يمسك الله معها رحمته حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة تحفها رحمة الله حتى تكون هي بذاتها نعمة!

ولا ضيق مع رحمة الله! إنما الضيق في إمساكها دون سواه؛ لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، أو في جحيم العذاب، أو في شعاب الهلاك، ولا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء.

يبسط الله الرزق مع رحمته فإذا هو متاع طيب ورخاء، وإذا هو رغد في الدنيا وزادٌ إلى الآخرة، ويمسك رحمته فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض.

ويمنح الله الذرية مع رحمته فإذا هي زينة في الحياة، ومصدر فرح واستمتاع ومضاعفة للأجر في الآخرة، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء، وسهر بالليل وتعب بالنهار!

ومن رحمة الله أن تحس برحمة الله! فرحمة الله تضمك وتغمرك وتفيض عليك، ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة، ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة، وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة. والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها، أو يأسك منها، أو شكك فيها، وهو عذاب لا يصبه الله على مؤمن أبدًا: ﴿إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ﴾.

ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان، ولا في أي حال؛ وجدها إبراهيم عليه السلام في النار، ووجدها يوسف عليه السلام في الجب، كما وجدها في السجن، ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، ووجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة! كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه، ووجد رحمة الله أصحاب الكهف في الكهف، حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض: ﴿فَأووا إِلَى الكَهفِ يَنشُر لَكُم رَبُّكُم مِن رَحمَتِهِ﴾، ووجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار، ووجدها كل من آوى إليها يائسًا من كل ما سواها، منقطعًا عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصدًا باب الله وحده دون الأبواب.

ثم إنه متى فتح الله أبواب رحمته فلا ممسك لها، ومتى أمسكها فلا مرسل لها، ومن ثم فلا مخافة من أحد، ولا رجاء في أحد، إنما هي مشيئة الله! والأمر مباشرة إلى الله﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

أية طمأنينة؟ وأي قرار؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في قلب المؤمن؟! آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة، وتنشئ في الشعور قيما لهذه الحياة ثابتة، وموازين لا تهتز ولا تتأرجح، ولا تتأثر بالمؤثرات كلها، ذهبت أم جاءت، كبرت أم صغرت، جلت أم هانت، كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء.

صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان، لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والقوى والقيم والاعتبارات، ولو تضافر عليها الإنس والجن، وهم لا يفتحون رحمة الله حين يمسكها، ولا يمسكونها حين يفتحها.

آية من القرآن تفتح كوة من النور، وتفجر ينبوعا من الرحمة، وتشق طريقًا ممهودًا إلى الرضا والثقة والطمأنينة والراحة في ومضة عين، وفي نبضة قلب، وفي خفقة جنان.

اللهم واجعلنا من عبادك المرحومين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

_________

 (مختصر من كتاب "في ظلال القرآن" للسيد قطب (٥/ ٢٩٢١) إشراف اللجنة العلمية)


اظهار التعليقات