التدبر سبيلنا لحياة طيبة
اللجنة العلمية
QR code
18/09/2016       1074 مشاهدة

كما تناول القرآن القضايا الكبرى من تقرير العقيدة وبناء الدولة وأحكام التشريع تناول أيضا احتياجات الإنسان، وأولاها عنايته واهتمامه تحقيقا لخلافته في الأرض فكان شفاء ورحمة للمؤمنين، وإنه حري بالمؤمن أن يتلمس جوانب الرحمة في هذا القرآن.

ينصرف الذهن إلى أن هذه الرحمة هي الأجر الأخروي من تلاوته، بيد أنها أوسع بكثير من هذا التضييق لمعنى رحمة القرآن.

إن من معاني رحمة القرآن بالمؤمنين تضمينه لهم الحياة الطيبة في ظلاله: ﴿ما أَنزَلنا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقى﴾، ﴿قُل بِفَضلِ اللَّـهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذلِكَ فَليَفرَحوا هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ﴾ ، فلم نجد في تاريخ المسلمين الذين أخذوا القرآن بحقه تسجيلا لحالات انتحارية رغم طول أمد الخلافة الإسلامية.

وسعادة الفرد في القرآن لا تتجزأ عن سعادة الجماعة، فلذلك نجده يعد الأمن من النعم الكبرى، إذ به سعادة الجماعة، وفي هذا المنطلق كان محاربته للجريمة وإرساء العدل ورد المظالم.

ينطلق القرآن في رسم الحياة الطيبة للإنسان من تكريم الإنسان وتذكيره بتفضيل الله له ﴿وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا﴾، ولا شك أن امتهان كرامة الإنسان من أهم موانع الحياة الطيبة.

وفي سبيل تحقيق الحياة الطيبة للإنسان يقرر قانون العدل في الجزاء والثواب، ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾  ، ولما كان الرزق المحسوس من أهم مكدرات الحياة الطيبة، فإن القرآن يطمئن صاحبه بقوله: ﴿ لا نَسأَلُكَ رِزقًا نَحنُ نَرزُقُكَ﴾ ، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ ، حتى إذا تدبرها المسلم كانت له أمانا من القلق والهم بشأن الرزق، وحصنا أشد مما يسمونه بالأمان الوظيفي.

ثم بعد تخلية المسلم من مكدرات الحياة يحليها بأسبابها: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ ، وإن من أهم هذه الأعمال الصالحة الجالبة للسعادة تلاوة القرآن حق التلاوة، ونجده من مفهوم: ﴿ما أَنزَلنا عَلَيكَ القُرآنَ لِتَشقى﴾، ﴿كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ فَلا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ ، ومنطوق ﴿وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدورِ﴾ ، فما في الصدور عام، ومنه الهم والحزن ومن تدبر هذه الآيات أدرك سبب ورود القرآن في دعاء الهم والحزن: (أن تجعل القرآن ربيع قلبي) [1].

ويجلي القرآن بوضوح أسباب السعادة فيقول: ﴿وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّكَ يَضيقُ صَدرُكَ بِما يَقولونَ ﴿٩٧﴾ فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَكُن مِنَ السّاجِدينَ﴾ ، ﴿فَاصبِر عَلى ما يَقولونَ وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُروبِها وَمِن آناءِ اللَّيلِ فَسَبِّح وَأَطرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرضى﴾، هنا ينثر القرآن بين عقولنا – لنتدبره -أسباب السعادة والتي كفلها الله للمؤمنين، فالطريق إليها هو التسبيح والصلاة.

وفي لفتة تربوية عظيمة يذكر لنا سببا عظيما من أسبابها، وهو القناعة ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى ما مَتَّعنا بِهِ أَزواجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَياةِ الدُّنيا لِنَفتِنَهُم فيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقى﴾ ، وهذا يبين لنا تفسير بعض السلف الحياة الطيبة الواردة في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ بأنها القناعة، أوليس سبب شقاء الأسر وتعاستها إلا هو النظر إلى ما عند الآخرين؟ ألم تتفكك الأسر بسببه؟

﴿وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقى﴾، سبب خفي من أسباب السعادة مودع في هذا الجزء من الآية، ومن أجمع تفاسيرها ما فسرها به السعدي رحمه الله فقال: "ورزق ربك العاجل من العلم والإيمان وحقائق الأعمال الصالحة والآجل من النعيم المقيم والعيش السليم في جوار الرب الرحيم" تحليق بالروح نحو السماء، وتعليق للقلوب بالدار الآخرة، لندرك أن السعادة قرينة الإيمان وليست قريبة المال كما يتوهم الناس أو وهموه.

وعودا على ما قلنا، فإن سعادة الفرد في القرآن كما هو الواقع لا تتجزأ عن سعادة الجماعة، فلذلك نجد التوجيه الرباني: ﴿وَأمُر أَهلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ ، فكما أن الذرية بضع من الإنسان، فسعادتهم سعادة ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ ، ومن بدائع ابن عاشور رحمه الله: "وأهل الرجل أمثل من ينتمون له".

وهذه السعادة التي تتحقق لنا من تدبر القرآن لا انقطاع لها، فتمتد إلى الدار الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.


([1]) أحمد ح (4318)


اظهار التعليقات