الأمن.. والطيبات من الرزق
د. غُـنْـيَة عبد الرحمن النحلاوي
QR code
01/02/2016       2581 مشاهدة

 هذا بحث متجدد.. منذ آدم عليه السلام وحتى اليوم. فمقابل الخوف والجوع، هنالك الأمن والاستقرار والرزق الحسن، وهي مطالب للبشر من أفراد وجماعات.

فعلى مستوى الفرد فإن الإيمان والإسلام والعيش مع القرآن يهبُ أمنًا داخليًا لصاحبه يقاوم الخوف والتشتت، بل والحزن بإذن ربّه؛ قال تعالى: {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82]، فسبحان الله الذي وهبهم الأمن.

 أتفكر بالآية وأسأل نفسي: هل يشعرون بالأمن حتى لو كان ظاهرُ ما حولهم نقيضه؟

فتجيبني: بلى، لأنهم في طريق مختلف، هو طريق الهدى. حيث ينشأ انفصال من العمق الروحي الشعوري عن طرق الفجور والضلال الكئيبة المخيفة التي كثيرًا ما تدفع سالكيها للانتحار اليوم!

أما على مستوى المجتمع، فإن الاستقرار والأمن من الخوف هو هبة وعطاء من المولى سبحانه لخلقه فالله تعالى يخبرنا في محكم تنزيله عن أهل مكة أنه هو الذي {أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} [قريش: 3-4]. وهذا الأمن ليس كما يُظَنُّ تحصيل حاصل في المجتمع لوجود الرخاء المادي والنشاط الاقتصادي والتفوق العلمي (على الرأي القاروني: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78]).

 ولاحظ أخي القارئ كيف أن توفير ذلك الأمن للتجمعات البشرية يقرنه القرآن الكريم بتوفير الطيبات من الرزق من خالقهم سبحانه، مما يضمن الاستقرار والراحة النفسية لنذكرَه عزَّ وجلَّ بآلائه، ونعبده حق عبادته.

 ومن احتفائه تعالى بنا أنه جعل في الرزق وفي التنقل تنوعًا وألوانًا وجمالًا تأنس له النفس البشرية، وليس مجرد تحقيق حاجات؛ قال تعالى: {ولكم فيها جمالٌ حين تُريحون وحين تسرحون} [النحل: 6]، وقال سبحانه:{وما ذرأ لكم في الأرض مختلفًا ألوانه إنّ في ذلك لآية لقومٍ يذّكرون} [النحل: 13]، وجاء في تفسير {ذرأ}: "خلق وأبدع لمنافعكم"، ولكن يدهشك وأنت تتدبر الآيات القرآنية أن هذه المنافع أكثر بكثير مما يُظنّ، فالانتفاع يكون بالثمرات مختلفة الطعوم تؤكل، ويكون بجمال المنظر، أو عطر الرائحة، أولين الملمس؛الحمد لله.

وحتى في تنقلاتنا فنحن نتخذ الأسباب، ولكنه تعالى الذي كرّمنا، هو الذي يحملنا إذ نضرب في الأرض، وليس السفينة أو المركبة، ولا حتى أقدامنا أو عصانا؛ قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات } [الإسراء: 70]؛ إنها رحمته ومشيئته وتسخيره لنا هي التي تبقينا محمولين في البر والبحر حتى نصل بغيتنا آمنين بفضله؛ قال تعالى:{وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدّرنا فيها السيْرَ سيروا فيها لياليَ وأيّامًا آمنين} [سبأ: 18]، ورغم تطور وسائل النقل يبقى الأمن في الأسفار من أعظم النعم الربانية.

نعمة الأمن وما يرتبط به؛ بين الحفظ والتضييع

وننسى لاستحكام القوانين المادية في حياتنا، ويذكّرنا القرآن أنها الأمن والاستقرار والشبع هي هبة الرحمن لأيِّ مجتمع أو أمة قبل وخلال وبعد اتخاذ الأسباب، وأن فقدانها غالبا مردّه الجحود والعصيان والكفر، ومن الأمثلة القرآنية:

  1. مثلُ مجتمع مكة القرشي: كما أشرنا فالله تعالى {أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} [قريش3-4]، ولاحظ أخي القارئ: بما أنه سبحانه هو الذي أطعمهم بالنص، وهو تعالى الأعلم بمن خلق؛ ما يصلحهم ويصلح لهم= فليس في ذلك الغذاء المسخّر ما يمرض أو يضرّ كالمنتشر اليوم من ملوّنات ومنكّهات ومواد حافظة ودسم صناعية (مهدرجة)، ناهيك عن التلوث الجرثومي والكيميائي للأطعمة البحرية مثلا، والمخدرات الشالّة للإرادة، والمزيد مما نراه اليوم من إضرار الإنسان نفسه بنفسه، وعواقب التدخل المسيء في أنظمتنا الحيوية، والعبث بالبيئة المحيطة بنا بما فيها البيئة المغذية.

  2. أمثلة جحود وإلحاد: ورغم خصوصية مكة ومجتمع سكانها إلا أن في القرآن آيات إذ نتأملها متدبرين نجدها تشير لعموم ذلك العطاء الرباني للمجتمعات لا على التعيين، سواء بوصفهم يرفلون في نعيمه، أومن خلال حديثها لنا عن انتزاعه، إذ بضدها تعرف الأشياء.

  3. مثل قوم سبأ:

  • نجد في القرآن الكريم أنهم قوم ظلموا أنفسهم حين بخلوا كبرًا وغرورًا حتى بشكر المنعم سبحانه على نعمه العظيمة من الأمن والقرار في السكن، والثروة المائية والزراعية العظيمة، والتجارة بها؛ قال تعالى: {لقد كان لسبأٍ في مسكنهم آية جنتان عن يمينٍ وشمالٍ كلوا من رزق ربّكم واشكروا له} [سبأ: 15]، وهو الذي أكرمهم فوق ما ذكر بنعمة المغفرة: {بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفور}[سبأ: 15]، وكأنه تعالى يدعوهم ليجعلوا من طيب بلدتهم بابًا لطيب نفوسهم وقد فتح لهم باب التوبة، سبحانه! لكنّ إعراضهم بلغ درجة الكفر، فحكموا على أنفسهم بالحرمان من هذه النعمة التي أطغتهم، وبخراب قريتهم حين وقع بهم بلاء سيل العرم؛ قال تعالى: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل () ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} [سبأ: 16-17]، وياله من بديل: أرض بور لا تنبت إلا الشحيح المقزز مر المذاق.

  • ونجد أنه تعالى يمنحهم نعمة الأمن حتى في أسفارهم لتجارتهم، فيردونها بطرًا وجحودا! فاستحقوا الشتات والتمزق، قال تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين* فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} سورة سبأ (18-19).

ومثال قرآني آخر:عندما يصبح الخوف عقوبة جماعية وملابسة للإنسان - سبحان الله - وهل يحصل ذلك؟ وكيف؟ ومتى؟

وهنا لم يحدد القرآن قومًا؛ هي قريةٌ ما من الحواضر، في لفتة محذرة منذرة من مالك الملك لكل قرية، لئلا يظن مجتمعٌ ما أنه بمنأى؛ قال تعالى: {وضربَ الله مثلًا قريةً كانتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً يأتيها رِزْقُها رَغَدًا من كلّ مكانٍ فكفرتْ بِأنْعُم اللهِ فأذاقها اللهُ لِباسَ الجوعِ والخوفِ بما كانوا يصْنعون} [النحل:112](1)، وليس أي جوع ولا أي خوف عابر، بل {لباس الجوع والخوف}،مُلازمٌ مُلابسٌ كأنفاسك، كنبضات قلبك؛ هو صنيع الجاحدين تلبّسهم إذ ظلموا أنفسهم ومن معهم.

أليست العقوبة من نوع العمل ؟! بلى، سبحانك ربنا، غفرانك، رباه؛ كيف النجاة، لأن التشخيص هو نصف التدبير العلاجي، فالبداية هي التركيز على وضع التشخيص الصحيح:

  • فتجده في مراقبة سيرة مجتمع الدعة والرخاء، حيث الاستهتار بهبات الرحمن تلك، وظهور التدهور الأخلاقي باتجاه آفة الجحود وسيرة الجاحدين.

  • وتجده في الغرور بالعلم والانجازات الحضارية - كما تسمى اليوم - في كافة المجالات العمرانية والصناعية والعلاجية.(2)

وللاعتبار فإن قوم سبأ الذين ضربناهم مثلًا في الجحود لدرجة الكفر؛ كان لهم وادٍ عظيم تأتيه سيول كثيرة، فبنوا سدًا محكما كان آية معمارية تحتجز السيول، فيجتمع لهم بذلك ماء عظيم يفرقونه على بساتينهم التي عن يمين الوادي وشماله، وبذلك تغل لهم الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم ويفيض، وعندما أعرضوا عن عبادة المنعم وبطروا النعمة، عاقبهم الله تعالى بسيل هائل خرَّب سدَّهم وأتلف جناتهم وبساتينهم ذات الحدائق العجيبة والأشجار المثمرة.

  • كما تجد اتساع الخلل في أي مجتمع بانتشار ضعف الإيمان، والتراخي في إقامة الصلاة، والتهاون في الزكاة، وهي الصورة المقابلة لقوله تعالى في الذين يستمرون آمنين: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277]. وحين تصبح {الصالحات} مراء حتى في تلك المجتمعات البسيطة         والفقيرة ربما وينتشر تضييع الحقوق والاستغراق في المتع، فإن   الأمر لا يتوقف هنا، بل ينحط لجحود النعمة والكفر بفضل المنعم وأنعمه السابغة وإنكار ألوهيته بدعوى العلم والعقل؛ سبحانه!

  • وتجده في المخالفات الصريحة للتشريع فرديًا ثم جماعيًا بالمشاركة أو السكوت: فالمرابي مثلًا في خوف وتقلقل دائم ولو بدا للناظر آمنا مستقرًا، كيف لا والشيطان يتخبطه، والربا ممحوق، وهو كفار أثيم، والله لا يحبّه! (البقرة: 276)، وآكل مال اليتيم كالذي يأكل في بطنه نارًا لا طعامًا (النساء: 10)، والخطورة أن يسيطر ما ذكر على أغلب السكان بتفاوت درجاتهم بل دركاتهم في ذلك، فيصبح هكذا مجتمع عبرة ومثلا يضرب (كالسابقين: سبأ وثمود وعاد وجميع الجاحدين المشركين).

ولا ننسى أن الوقاية بالإيمان والإصلاح خيرٌ من العلاج بعد نزول البلاء واستحكام لباس الجوع والخوف، والقرآن حافل بالمزيد من الأمثلة، لمن شاء بحثها وتدبرها.

وفي الختام

مع كتاب الله تعالى ندرك أن كل ما يحصّله ابن آدم من نعم قلّت أوكثرت، فاستمرارها منوط برب الكون وحده، ومن الحكمة أن نوقن أن الدنيا ليس فيها متر واحد مقر أو مستقر لأي منا إلا ما شاءالله، فهو عيش إلى حين، نتخذ خلاله الأسباب ونشكر المنعم، وتبقى عيننا على الآخرة، ومقاييسها التي ليست كمقاييس أرضنا هذه.

هي تذكرة، جعلتها نفسي هاجسها الدائم: ليس لي مقر أقرّ فيه؛ عملي في ميزان الله تعالى يحملني .. يرفعني، وعملي يضعني!

حتى من لديه مملكته الصغيرة، بيته، مكتبه، مزرعته، ويشعر كمال الشعور بالاستقرار؛ ليهوّن الأمر على نفسه وينظر فيما لو كان مدير مديرين، أو قائد أمة بل أمم، بل نبيا مرسلا ويقول له ربه: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128]؛ سبحان الله، يا لهذه اللعاعات، كم تذل !!

هذا ونحن هنا لم نتحدث عن الكماليات{والقناطير المقنطرة} [آل عمران: 14]، وعن الترف والسرف، بل عن ضرورات الأمن والاستقرار والطيبات من الرزق الصالح، فهلا سعيًا صادقًا فيما يرضي الله تعالى، ينجينا من مصير الجاحدين والملحدين أولئك !!

 

_ _ _ _ _

هوامش:

1) معلوم أن لفظ {القرية} في القرآن الكريم يدل على المكان الذي يجتمع فيه الناس، وهوالمعنى اللغوي فقد يقصد بها بالمصطلح الحديث: المدينة أو القرية، أو حتى الدولة: كقوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} [يوسف:82]، قال الطبري: هي مصر.

2) وأمثلة الغرور بالعلم كثيرة، قد نفردها بمقال.


اظهار التعليقات