كان خلقه القرآن
د. مجدي الهلالي
QR code
05/10/2015       2166 مشاهدة

 اختلطتْ معاني القرآن بشخصيةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم, وامتزجتْ بها, فصارت تتمثّل واقعًا حيًّا في شخصه, وكأنَّ القرآنَ أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم

لقد كان حبُّه صلى الله عليه وسلم للقرآنِ, واهتمامُه به لا يُوصف, فقد سيطرَ القرآنُ على عقلِه, واستحوذَ على مشاعرِه, وبلغتْ قوةُ تأثيره عليه أن شيَّب شعرَه, فقد دخلَ عليه يومًا أبو بكر رضي الله عنه  فقال له: شِبْتَ يا رسول الله قبل المشيبِ! فقال له مبيّنًا السببَ: ((شيبتني هودٌ وأخواتُها قبل المشيب))[1].

وفي يومٍ من الأيامِ قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((اقرأ عليَّ القرآن)), فقال: أقرأُ عليك, وعليك أُنزل؟!, قال: ((إني أحبُّ أنْ أسمَعه من غيري)).

قال: فقرأتُ عليه سورةَ النساءِ حتى إذا جئتُ إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}[النساء:41]

 قال: ((حسبك)), فالتفتُ إليه فإذا عيناه تذرفان[2].

.. لقد تشبّع صلى الله عليه وسلم بالقرآنِ تشبّعًا تامًا, وتأثّرَ به تأثّرًا بالغًا لدرجةِ أن الإمامَ الشافعي -رحمه الله- يعتبر أنَّ كلَّ ما حكمَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  فهو مما فهمه من القرآن[3].

لقد اختلطتْ معاني القرآن بشخصيةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم, وامتزجتْ بها, فصارت تتمثّل واقعًا حيًّا في شخصه, وكأنَّ القرآنَ أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا [10] رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} [الطلاق: 10، 11]

 لقد كان بحقٍ: قرآنًا يمشي على الأرض, لذلك عندما سُئلت السيدةُ عائشةُ –رضي الله عنها- عن خُلُقِه صلى الله عليه وسلم قالت: كان خُلُقُه القرآن, يرضى لرضاه, ويسخط لسخطه[4].

التأثير العملي السريع:

وكان للقرآن تأثيرٌ سريعٌ عليه صلى الله عليه وسلم من الناحيةِ العمليةِ, وليس أدلّ على ذلك من أنّ جُوده وإحسانَه كان يزدادُ أكثرَ وأكثرَ بعد أنْ يدارسَه جبريلُ -عليه السلام- القرآنَ في رمضان.

فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ((كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجودَ الناسِ بالخيرِ, وأجود ما يكونُ في شهرِ رمضان؛ لأنّ جبريلَ كان يلقاه في كل ليلةٍ في شهرِ رمضان حتى ينسلخَ, يعرضُ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ, فإذا لقيه جبريلُ كان أجودَ بالخيرِ من الريحِ المرسلة))[5].

المصدر: تحقيق الوصال بين القلب والقرآن، مجدي الهلالي، ص 50-51

 

[1] صحيح، أخرجه ابن مردويه وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح [3721].

[2] رواه البخاري [5050]، ومسلم [1864].

[3] تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/4.

[4] البخاري [4997].

[5] مسلم [746].

 


اظهار التعليقات