﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين﴾
مدير الموقع
QR code
14/12/2016       2494 مشاهدة

هذه قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل مع الخالق سبحانه وتعالى والتعامل مع خلقه، هي قاعدة وملاذٌ لمن تُواجَه أعمالهم بعدم التقدير.

وهذه القاعدة جاءت في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، وذلك حين دخل عليه إخوته فقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ما هي التقوى؟ وما هو الصبر؟

ما أكثر ما نحفظ تعريف التقوى، بل قد يحفظ بعضنا عدة تعاريف لها وللصبر، ويحفظ تقسيمات الصبر، ثم يفشل أحدنا في أول اختبار الصبر، أو يقع منه تقصير ظاهر في تطبيق هذه المعاني الشرعية كما ينبغي عند وجود المتقضي لها.

ولستُ أعني بذلك العصمة من الذنب، فذلك غير مراد قطعًا، وإنما أقصد أننا نخفق أحيانًا -إلا من رحم الله- في تحقيق التقوى أو الصبر إذا جدَّ الجد، وجاء موجبهما.

كلنا يحفظ أن التقوى هي فعل أوامر الله، واجتناب نواهيه.

وكلنا يدرك أن ذلك يحتاج إلى صبر ومصابرة، وحبس للنفس على مراد الله ورسوله، ولكن الشأن في النجاح في تطبيق هذين المعنيين العظيمين في أوانهما.

ولنا أن نتساءل هنا عن سر الجمع بين التقوى والصبر في هذه القاعدة القرآنية المحكمة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.. والجواب: أن ذلك -والله أعلم- لأن أثر التقوى في فعل المأمور، وأما الصبر فأثره في الأغلب في ترك المنهي([1]).

من تطبيقات هذه القاعدة:

إنَّ لهذه القاعدة القرآنية الجليلة تطبيقاتٍ كثيرة في حياة المؤمن، بل وفيما يقرأه المسلم في كتاب ربه، ومن ذلك:

1)  ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - تعليقًا على هذه القاعدة في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام: "ثم إن يوسف ابتُلي بعد أن ظُلِمَ بمن يدعوه إلى الفاحشة، ويراوده عليها، ويستعين عليه بمن يعينه على ذلك، فاستعصم واختار السجنَ على الفاحشة، وآثر عذاب الدنيا على سخط الله، فكان مظلومًا من جهة من أحبه لهواه، وغرضِه الفاسد..." ثم تكلم على محنته مع إخوته، وكيف أنه تعرض لنوعين من الأذى فقابلهما بالتقوى والصبر؛ أما الأذى الأول فهو ظلم إخوته له، الذين أخرجوه من انطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختياره. وأما الأذى الثاني فهو ما تعرض له من ظلم امرأة العزيز التي ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوسًا مسجونًا باختياره.

ثم فرَّق الشيخ بين صبره على أذى إخوته، وصبره على أذى امرأة العزيز، وقرَّر أن صبره على الأذى الذي لحقه من امرأة العزيز أعظم من صبره على أذى إخوته، لأن صبره على أذى إخوته كان من باب الصبر على المصائب التي لا يكاد يسلم منها أحد، وأما صبره على أذى امرأة العزيز فكان اختياريًا واقترن به التقوى، ولهذا قال يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

ثم قال شيخ الإسلام مبينًا اطراد هذه القاعدة القرآنية: "وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه، وطُلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان، وإن لم يفعل أوذي وعوقب= اختار الأذى والعقوبة على فراق دينه؛ إما الحبس وإما الخروج من بلده، كما جرى للمهاجرين حين اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين وكانوا يعذبون ويؤذون.

وقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبرًا اختياريًا، فإنه إنما يُؤذى لئلا يفعل ما يفعله باختياره، وكان هذا أعظم من صبر يوسف لأن يوسف إنما طُلب منه الفاحشة، وإنما عوقب - إذا لم يفعل - بالحبس، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طُلب منهم الكفر، وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه، وأهون ما عوقب به الحبس" إلى أن قال: "فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعةً لله ورسوله -لم يكن من المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد- من جنس حبس يوسف لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه، وهذا أشرف النوعين، وأهلها أعظم بدرجة، وإن كان صاحب المصائب يُثاب على صبره ورضاه، وتُكفر عنه الذنوب بمصائبه"([2]).

2)  ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: تربيةُ النفس على التقوى والصبر على ما يسمى بعشق الصور الذي أفسد قلوب فئامٍ من الناس، بسبب تعلق قلوبهم بتلك الصور، سواء كانت صورًا حية، أم ثابتة.. ولقد عظمت الفتنةُ بهذه الصور في عصرنا هذا، الذي لم تعرف الدنيا عصرًا أعظم منه في انتشار الصورة، والاحتراف في تصويرها، والتفنن في تغيير ملامحها، وتيسر الوصول إلى الصور؛ المحرمة منها وغير المحرمة، عن طريق الإنترنت، والجوال، وغيرهما من الوسائل، فعلى المؤمن الناصح لنفسه أن يتقي ربه، وأن يجاهد نفسه في البعد عن هذا المرتع الوخيم - أعني تقليب النظر في الصور المحرمة - وأن يوقن أن ما يقذفه الله في قلبه من الإيمان والنور والراحة والطمأنينة سيكون أضعاف ما يجده من لذة عابرة بتلك الصور، ومن أراد أن يعرف مفاسد هذا الباب - أعني عشق الصور - فليقرأ أواخر كتاب العلامة ابن القيم: "الجواب الكافي" فقد أجاد وأفاد. وليتذكر المبتلى بالعشق "أنه إذا عفَّ عن المحرمات نظرًا وقولًا وعملًا، وكتم ذلك، فلم يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلامٌ محرم؛ إما شكوى إلى المخلوق، وإما إظهار فاحشة، وإما نوع طلبٍ للمعشوق، وصَبَرَ على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى ما في قلبه من ألم العشق، كما يصبر المصاب عن ألم المصيبة، فإن هذا يكون ممن اتقى الله وصبر، و﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾"([3]).

3)  ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة: أن الإنسان قد يبتلى بحُساد يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، وقد يجد من آثار هذا الحسد ألوانًا من الأذى القولي أو الفعلي، كما وقع لأحد ابني آدم حين حسد أخاه لأن الله تقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه، وكما وقع ليوسف مع إخوته، وقد يقع هذا من المرأة مع ضرتها، أو من الزميل مع زميله في العمل، وهذا النوع من الحسد، يقع غالبًا بين المتشاركين في رئاسة أو مال أو عمل إذا أخذ بعضهم قسطًا من ذلك وفات الآخر، ويكون بين النظراء لكراهة أحدهما أن يُفضَّل الآخر عليه([4]).فعلى من ابتُلي بذلك أن يتذكر هذه القاعدة القرآنية: ﴿إِنّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وليتذكر أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾.

4)  ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة: ما تكرر الحديثُ عنه في سورة آل عمران في ثلاثة مواضع، كلها جاءت بلفظ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾؛ الأول والثاني منهما: في ثنايا الحديث عن غزوة أحد، يقول سبحانه وتعالى﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، والثاني: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين﴾. والموضع الثالث: في أواخر آل عمران، في سياق الحديث عن شيء من المنهج القرآني في التعامل مع أذى الأعداء من المشركين وأهل الكتاب، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

___________________________________________

كتبه: أ.د. عمر بن عبد الله المقبل

(من كتاب قواعد قرآنية)


([1]) جامع الرسائل لابن تيمية: (1/38).

([2]) مجموع الفتاوى: (10/121- 123) بتصرف واختصار.

([3]) مجموع الفتاوى: (10/ 133)بتصرف واختصار.

([4])  ينظر: مجموع الفتاوى(10/ 125-126).

اظهار التعليقات