﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾
مدير الموقع
QR code
13/12/2016       1896 مشاهدة

سنتحدث في هذا المجلس عن بعض مواضع العبرة والعظة في قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

إن هذه الآية تكشف لنا خُلُقَين عظيمين تخلَّق بهما الأنبياء الكرام، ومنهم موسى عليه السلام ألا وهما: نفع الناس والتواضع، ومن جمَع هذين الـخُلُقَين، فقد بلغ في محاسن الأخلاق شيئًا عظيمًا.

يظهر الخلق الأول في قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾حيث بادر موسى عليه السلام إلى فعل الخير يوم لاح له رغم ما أصابه من تعب ونصب وخوف، فبمجرد رؤية المرأتين تنتظران حتى انصراف الرِّعاء؛ سقى لهما دون معرفة سابقة ولم يطلب مقابلًا، ولذا عتب عليه الخضر -على ما ذكر- يوم قال في شأن القرية التي استطعما أهلها: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ تذكيرًا له عليه السلام بفعل الخير دون مقابل وهو ما اعتاد فعله من قبل.

﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾، بعد فعل المعروف تنحى بعيدًا لأنه لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا من أحد، وحتى لا يحرج من بذل له المعروف ابتعد عنه، كما أن ذلك يدل على تعبه ونصبه من رحلة المطاردة والخوف، ولبذل المعروف في مثل هذه الظروف شأن مختلف، فقد يُعْجَب الإنسان فيها بنفسه وبفعله، ولكن موسى عليه السلام ناجى ربه في تلك اللحظة فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، وهنا يظهر التواضع لصاحب الفضل وهو رب العالمين سبحانه وتعالى، فلم يحمله هذا العمل -وهو مساعدة المرأتين والقوة التي أعطاه الله إياها- على أن يتفاخر بنفسه ولا أن يعجب بها، بل أقرَّ بفضل الله عليه، وفقره إلى خالقه جلت قدرته.

ونلحظ الاستكانة والخضوع في المناداة: ﴿رَبِّ﴾ ولم تذكر معها (يا) للإشارة إلى قرب الـمُنادى جلت قدرته، وللإشعار بإسرار ذلك الدعاء، وذُكر اسم الرب هنا لأن الموقف موقف إعانة ورعاية، وقدَّم ﴿لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾ على ﴿فَقِيرٌ﴾ دون أن يُقال (إني فقير لما أنزلت إليّ) لاهتمامه بما أُنزل عليه من خير أكثر من اهتمامه بفقره، ودخول ﴿مِنْ﴾ على ﴿خَيْرٍ﴾ للإشعار بأن أي جزء من الخير منه سبحانه وتعالى فهو عظيم عنده عليه السلام.

والتعبير بالفقر عن حاجته للخير من ربه ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ دون أن يقول مثلًا (إني محتاج) لأن الفقر أعظم صور الحاجة، وفيه إشارة إلى أن الفقر لا يكون في المال فحسب، بل يكون في غيره أيضًا، وأن منه ما هو ممدوح، وهو كلُّ فقرٍ إلى الله في أي صورة كان.

يقول البقاعي: «وفي القصة ترغيبٌ في الخير، وحثٌّ على المعاونة على البر، وبعثٌ على بذل المعروف مع الجهد»([1]).

إن تقديم المعروف وخدمة الناس ونفعهم لا يعرف ظروفًا تُثني العزائم، بل يعرف قلوبًا تواقة إلى الثواب، لقد لحق النَّصَب والتعب والخوف به عليه السلام، لكنه نسي نفسه في تلك اللحظة وقدَّم العون لمن يحتاجه، يا لها من نفوس! وما أعظمهما من قلوب!

لقد فعل عليه السلام الخير، وطلب من الله الخير، وهكذا من أراد فضل الله، فليطلبه في نفع الناس، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

___________________

كتبه: أ.د. عويض بن حمود العطوي

(من المجموعة الثالثة لكتاب "ثلاثون مجلسًا في التدبر")


([1]) نظم الدرر للبقاعي (6/ 172).

 

اظهار التعليقات