وقفة تدبرية مع قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
مدير الموقع
QR code
11/12/2016       2157 مشاهدة

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفرهٍ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، لقد دلَّت هذه الآية على أن هناك غاية معيَّنَة لوجود الجن والإنس ووظيفة محددة هي العبادة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ومن هذه الآية يتبيَّن كذلك أن مَدلول العبادة لا بدَّ أن يكون أوسع وأشمل مِن مجرَّد إقامة الشعائر التعبُّدية، فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر في الصلاة والصيام والأذكار، فالإنسان مُكلَّف بالخلافة في الأرض، وهي تقتضي ألوانًا كثيرة من النشاط الحيوي في عمارة الأرض، والتعرُّف إلى طاقتها، وتحقيق إرادة الله في استخدامها وتنميتها، كما تقتضي الخلافة القيامَ على تنفيذ شريعة الله في الأرض.

ولنعلم أن صيغة هذا الخطاب في هذه الآية جاءت عامة لا مخصص لها، فالخطاب لكل البشر على حدٍّ سواء، فالكل مأمور بعبادة الله وطاعته، ويتوجهوا إلى خالقهم وربهم عز وجل دون أن يشركوا معه أحدًا، وصاحب العبادة يعلم أنه إن أراد الفلاح والنجاة فعليه أن يطيع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويستجيب لأمر ربه ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والاستجابة تتمثَّل بتنفيذ أوامرهما دون تردُّد أو تخاذُل، وكل أمرٍ ما هو إلا عبادةٌ يتقرَّب بها العبد من ربه لينال تلك المنزلة التي يطمع أن يصل إليها وهي رفقة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك بشرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.

كما أن المؤمن لا يصل إلى مرتبة الاستجابة لأوامر الله تعالى حتى يكون من أهل العبادة ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾، وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء من الأخبار والمواعظ البالغة، والوعد والوعيد والبراهين القاطعة، الدالة على التوحيد وصحة النبوة، وهذه الآية جاءت بلاغًا لقوم همهم العبادة والانشغال بها عن غيرها من ملذات الدنيا ومفاتنها، فالعبادة في الإسلام جاءت لأجل تزكية النفس والبدن، وتطهيرًا للذات، وتنمية للروح والإرادة، وتصحيحًا لنشاط الجسد والغريزة، فهي بمثابة معراج تتدرج به النفس البشرية مرحلةً بعد مرحلة حتى يتمَّ لها الصفاء والنقاء فتستطيع الإطلال على عالم الآخرة، واستشفاف حقيقة الوجود، والتعالي على مكاسب الحياة الفانية لسموِّ مقام الآخرة وعلوِّ غاياتها وارتباطها بعالم الخلود والنعيم الأبدي، ولذلك كان لكل فعلٍ عبادي أثرٌ إصلاحي على صحة الجسم وعلى النفس والأخلاق والعلاقة بالله, فالطهارة والصوم والصلاة والزكاة والحج والجهاد.. كلها عبادات ذات مردود إصلاحي على الفرد جسدًا وروحًا فضلًا عن أثرها التكاملي في نظام المجتمع.

إن أداء العبادات التي شرعها الله على وجهها وطاعة الله فيما أمر به من الشرائع والشعائر مما له آثارٌ حسنةٌ وطيِّبةٌ على سلوك الأفراد والمجتمعات، لأن سعادة الأمم الحقيقية في صحة عقائدها وطاعة ربها سبحانه وتعالى، فالصلاة مثلًا -وهي عِمادُ الدِّين- تنهى المقيمين لها عن الفحشاء والمنكر؛ قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ وَالله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾، وتُزكِّي أنفسَهم، وتُقوِّمُ سلوكَهم. وكذلك الصوم يعين على التقوى ويُربِّي عليها كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والزكاة -وهي فريضةٌ اجتماعيَّةٌ- جاء بها الإسلام لتطهير نفوس الأغنياء من الشُّحِّ والبخل، وتطهيرِ نفوس الفقراء من الغِلِّ والحسد، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، كما شُرعت الزكاة أيضًا لإقامة شعائر الإسلام كالجهاد وبناء المساجد والمدارس وغيرها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

وأما فريضة الحج فهي مدرسةٌ ربَّانية متكاملة تقوي صلة العبد بربه بما تُزكِّي من نفسه وتُحسِّن من أخلاقه وتُعوِّدُه على البذل والتَّضحية؛ قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الآخَرُ يقي المجتمع من العقائد الفاسدة والطِّباع المعوجَّة والسلوكيات المنحرفة: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

وهكذا نرى الآثار الإيجابيَّة للعبادات أيًّا كان نوعها تُشكِّل عاملًا ضروريًّا في بناء الفرد المسلم بناءً كاملًا يشمل الجوانب العَقدية والعِبادية والسلوكية، وفي تكوين المجتمع المثالي الذي عجزت كل الفلسفات والقوانين والآداب على تصويره وتحديد ملامحه الحضارية.

أن العبادة هي الغاية من الوجود الإنساني، ولا تكون للحياة أيَّة أهمية ما لم تكن جميع مظاهرها مُعبِّرةً عن معاني التَّذلُّل والخضوع لله سبحانه وتعالى.

وليست العبادة -كما يتصور أكثر الناس- منحصرةً في الشعائر التعبديَّة فقط، بل إن دائرة العبادات تتسع لتشمل جميع حركات الإنسان وتستوعب كل جوانب الحياة.

وللعبادة آثارٌ على الفرد والمجتمع؛ بعضها عاجلة تتمثل في تزكية النفس ونشر الخير والفضيلة بين الناس، وأخرى آجلةٌ يلقاها العبد يوم القيامة عند ربه في جنات النعيم يوم لا ينفع مالٌ ولا بَنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

__________________

كتبه:عبد العزيز سالم شامان الرويلي

اظهار التعليقات
الكصمة
25/12/2016
  انت معلم ماشاء الله تبارك الله