﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾
مدير الموقع
QR code
08/12/2016       1465 مشاهدة

«ما شيء أجده في قلبي ألذُّ عندي من قيام الليل»([1]) ما كان للتابعي الجليل ثابت البناني رحمه الله أن يقول هذا إلا بعدما زكت نفسه وصَلَح قلبه وطابت حياته، بعدما تعرَّض لنفحات الله في أسحار الليالي، وذاق لذة مناجاته في الأوقات الخوالي، فسبحان من تفضل على عباده بهذا النعيم قبل لقائه، وبصَّرهم بطريق السعادة، ورزقهم لذة هذه العبادة، فَهُم بليلهم ألذُّ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحبُّوا البقاء بالدنيا([2])!

وإن الناظر في النصوص الشرعية عن حقيقة هذه العبادة تتجلى له مقاصدها في عدة إشراقات قرآنية تظهر في كتاب الله سبحانه وتعالى بكون التهجد هو الصلة الدائمة بالله المؤدية للمقام المحمود الذي وُعده محمدًا صلى الله عليه وسلم، فما أحوج الآخرين من أمته للاقتداء به لينالوا علوَّ المقام ورفعة الدرجات، ففي سورة الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحمودًا﴾.

 وفي آيات أخرى تبرز عدة أوامر إلهية لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم للقيام بهذه العبادة الجليلة، ففي سورة المزمل نداء للرسول صلى الله عليه وسلم بترك التزمُّل (وهو التغطي بالليل) والنهوض إلى القيام بالليل والعبادة﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ، فكان خيرَ مثال في ذلك، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

 وفي آية المزمل الأخرى بينت أن القيام بالليل أجمع للخاطر وأجدر لفقه القرآن: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ  وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا  كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما([3]).

 وفي سورة الشرح خطاب له صلى الله عليه وسلم بعدم القيام إلا بعد الفراغ من أمور الدنيا وأشغالها؛ لكي يكون نشيطًا فارغ البال مخلصًا الرغبة والنية لله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ﴿٧﴾وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾.

 وفي سورة آل عمران ورد الثناء على طائفة من أهل الكتاب بسبب هذا الفعل: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾، وفي سورة الذاريات يبرز في سمات عباد الله المتقين: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا  يَهْجَعُونَ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.

 وفي إشراقة أخرى في سورة الزمر يأتي تفضيل القانت الخاشع على غيره: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ .

 ويتضح الأمر أيضًا في الأحاديث النبوية، حيث جاء الحثُّ عليها في صورة بهية وجزاء وافر في عدة أحاديث كريمة من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، تارةً في الشفاعة لصاحب هذه العبادة: «فيقول القرآن: منعتُه النوم بالليل»([4]).

 ومرة في حثِّ وتربية شباب الأمة على ذلك: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»([5]).

 وفي حديث آخر بيَّن صلى الله عليه وسلم أنه به تكون الغبطة الحقيقية: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار»([6]).

 وفي حثٍّ آخر يبيِّن صلى الله عليه وسلم أنه اقتـداء وقربة ومنهاة عن الإثم، كما في حديث أبي أُمامة مرفوعًا: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم»([7]).

 وأخيرًا أيها المبارك.. جاهد نفسك على التهجد ففيه خيرات عظيمة، وهو معين جدًا على التدبر، فلا يثبت القرآن في الصدر ولا يسهل حفظه وييسر فهمه، إلا القيام به في جوف الليل، كما يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي([8])، كما أن التعرض لنفحات الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت وقراءة كتابه بتدبر وخشوع ودعاء، زادٌ مضمون يعين على جميع مشاق الحياة وأتعابها.

__________

كتبه: الشيخ عبد اللطيف بن عبد الله التويجري.

(من المجموعة الثالثة لكتاب "ثلاثون مجلسًا في التدبر")

 

[1] صفة الصفوة (2/155).

[2] قاله أبو سليمان الداراني كما في حلية الأولياء (9/275).

[3] أخرجه أبو داود ح (1306).

[4] أخرجه أحمد ح(6626).

[5] قال ذلك لعبد الله بن عمر ب قال سالمفكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًاصحيح البخاري: (1122).

[6]صحيح مسلم، ح (815).

[7] أخرجه الترمذي، ح (3549).

[8] مقدمة أضواء البيانص4.

اظهار التعليقات