تفسير آية الكرسي
مدير الموقع
QR code
30/11/2016       1301 مشاهدة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن المعلوم أن أفضل آية في كتاب الله تعالى هي آية الكرسي، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ﴿اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وخليق بالمؤمن أن يتأمل في أسرار هذه الآية التي فُضِّلت على سائر آي القرآن، ومن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.

وهذه الآية مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جدًا:

- ﴿اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ الإله بمعنى المألوه، أي: المعبود حبًا وتعظيمًا؛ ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا الله تعالى، وهو يدل على نفي الألوهية الحقة نفيًا عامًا قاطعًا إلا لله وحده.

- ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وهذان اسمان من أسمائه تعالى، جامعان لكمال الأوصاف والأفعال، فكمال الأوصاف في ﴿الْحَيُّ﴾، وكمال الأفعال في ﴿الْقَيُّومُ﴾،فـ ﴿الْحَيُّ﴾ ذو الحياة الكاملة التي لم تُسبق بعَدَم، ولا يلحقها فناء، فهو سبحانه لم يزل ولا يزال حيًا كاملًا في جميع أوصاف الكمال.

و﴿ الْقَيُّومُ ﴾؛ أي: القائم على نفسه، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه، والقائم على غيره، فكلُّ أحدٍ محتاجٌ إليه؛ قال جمعٌ من السلف: هما الاسم الأعظمُ الذي إذا دعا به العبد أُجيب لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى، فصفة الكمال في ﴿الْحَيُّ﴾، وصفة الإحسان والسلطان في ﴿الْقَيُّومُ﴾.

- ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ أي: لا يعتريه نعاس ولا نوم لكمال حياته وقيوميته.

- ﴿ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: له وحده، ففي الجملة حصر، ففيها إثبات عموم ملكه سبحانه، وأنه لا يتصرف أحدٌ في ملكه بغير رضاه.

- ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: لا يملك أحدٌ يوم القيامة أن يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أعظم الناس جاهًا عند الله- إلا بإذنه سبحانه لكمال سلطانه سبحانه وهيبته.

- ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، فهي تدل على سعة علمه سبحانه وتعالى، فهو يعلم الأشياء علمًا شاملًا لها جملة وتفصيلًا؛ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾؛ أي: المستقبل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: الماضي.

- ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ لها معنيان:

o المعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي: لا يعلمون عن أسماء الله وصفاته وأفعاله إلا بما شاء أن يعلمهم إياه فيعلَمونه.

o المعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء مما يعلمه في السموات والأرض إلا بما شاء أن يعلمهم إياه فيعلَمونه.

- ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ؛ أي: شمل وأحاط، و«الكرسي» هو موضع قدمي الله سبحانه وتعالى، وهو بين يدي العرش كالمقدمة له؛ صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه.

- ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾؛ أي: لا يثقله ويشقُّ عليه ﴿حِفْظُهُمَا﴾؛ أي: حفظ السموات والأرض، ففي هذه الجملة التنبيه على صفات العلم والقدرة والحياة والرحمة والحكمة والقوة لله تعالى.

- ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾؛ ﴿الْعَلِيُّ﴾؛ أي: ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شيء، و﴿الْعَظِيمُ﴾؛ أي: ذو العظمة في ذاته وسلطانه وصفاته.

هذه عشر جملٍ اشتملت عليها هذه الآية العظيمة، فتدبروها -أيها المؤمنون- يزدد إيمانكم، ويعظم وقعها في قلوبكم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

______________________

(مختصر من تفسير الشيخ العثيمين لآية الكرسي في تفسيره لسورتي الفاتحة والبقرة (٣ / ٢٥٠) 

إشراف: اللجنة العلمية في مركز تدبر

اظهار التعليقات