﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾
مدير الموقع
QR code
28/11/2016       1493 مشاهدة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:

فدعونا نرتحل بقلوبنا وعقولنا إلى أعماق هذا الحوار العظيم بين إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ .

أولًا: تأملوا الخطاب وكيف أن إبراهيم عليه السلام عرض الأمر الفادح بطريقة هادئة واضحة.

إن العظماء يبدون أكثر هدوءًا في الأزمات الطاحنة، والفتن المدلهمة، والأحداث الكبرى، والكبارُ وحدهم قادرون على السيطرة على مشاعرهم وأنفسهم في الأوقات العصيبة، إنهم يلتزمون أخلاقيات الحوار مهما كان الموضوع صعبًا.

﴿ يَا بُنَيَّ ﴾؛ القرآن العظيم يؤكد بنقل هذه الكلمة أن اللحظة الحرجة لا تمنح إذنًا بالقفز عن الاتزان والهدوء والأخلاق.

ثانيًا: ﴿ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾؛ الوضوح والصدق والدقة.

إن وضع الأفراد والأمم أمام مشكلاتها الحقيقية يتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية في الصراحة والشفافية، ففي عبارة موجزة دقيقة وضع الخليل عليه السلام ابنه مباشرة في الموضوع دون تضليل أو خداع.

إننا نعاني في مجتمعاتنا المسلمة من فقدان الوضوح والمباشرة في تعاملاتنا الفردية والجماعية، إننا نمارس تضليلًا فرديًا وجماعيًا، ونستخدم اللغة -التي هي وسيلة البيان والوضوح- للتعمية والتشويش وتشويه الحقيقة، وبمرور الزمن وترسخ العادة أصبح من الصعب أن تواجه الناس بالحقيقة دون أن تخسرهم، وتجذرت فينا ثقافة الخداع والقدرة على التمويه.

لا يمكن لبيت ولا لأمة أن تنهض نهضةً حقيقة دون أن تصطدم بكل صدق مع أزماتها، وأن تعترف بكل شجاعة بحجم الآلام التي تعانيها والأخطار التي تحدق بها، وأن تتخلى على الفور عن المجاملة الخادعة التي تخدر إحساسها بمشكلاتها.

ثالثًا: النبوة والأبوة أعلى مرتبتين بشريتين تستحق التوقير في الوعي الإنساني، لكنها مع ذلك لا تعنى القهر واستلاب الخيارات الفردية؛ لقد كان الأمر واضحًا للخليل، وكان بإمكانه أن يمارس حقه في تنفيذ الأمر دون عرضٍ على الغلام الذي بلغ معه السعي، لكن إبراهيم عليه السلام أدرك أنه أمام إنسان مستقل له حقٌّ في أن يختار قراره هو بمعزلٍ عن خيار الأب.

إن إبراهيم لم يكن ليتخلى قط عن تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى، لكنه أراد أن تكون مشاركة ابنه طوعية حتى يحظى بأجر التسليم والاتباع، فقِبَل إسماعيل بالعرض مختارًا، طائعًا محتسبًا، سائرًا إلى أمر الله بكل مشاعر الاحتساب والرغبة في التنفيذ؛ لقد تحول الابن من مجرد القبول وترك الممانعة أو الفرار إلى مرتبة أعلى.

إن الغلام يتولى حفز أبيه المحب التنفيذ.. ﴿ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾؛ رسالة مهمة للخليل في الوقت الصعب، ومساندة غالية في لحظة الابتلاء المريرة، إنها ثمرة الحوار الأمين، والعرض المسؤول الذي تقدم به لابنه، ينال ثمنها هذا الموقف المؤمن الشجاع الصارم.

رابعًا: التسليم، لقد كان بالإمكان أن يأتي جبريل في أوضح صور الوحي إلى إبراهيم لينقل إليه الأمر بالذبح، لكن الابتلاء -ولأمرٍ ما- جاء في صورة منام، ورؤيا الأنبياء حق؛ لتعظم البلية به.

إنّ النفوسَ المرواغةَ تبحث عن أي منفذ  للفرار من تنفيذ أمر الله، وتفرح بكل حيلة تُسَهِّل عليها ترك أوامره، لكن الخليل لم يفعل، لقد كان في أسمى حالات التسليم، ولم يكن لديه تفكير البتة في التراجع أو التغيير.

إننا اليوم أمام مشكلة ضخمة تتعلق باهتزاز ركن التسليم في قلوبنا، إن إبراهيم لم يتساءل عن أسباب هذه الأمر، ولم يراجع ربه في توضيح أسبابه، ولم يبحث عن مبرراتٍ هنا أو هناك ليتنصل منه!

لقد بدا واضحًا أن التسليم معناه شيءٌ واحد: هو القبول بأمر الله دون تردد أو شك.

ماذا يحدث اليوم في مجتمعاتنا من المناكفة والمصادمة المستمرة للوحي بمسوغات سخيفة؟ واعتراضات سامجة، وحِيَلٍ بلهاء! لقد نصب بعض الناس نفسه حاكمًا على النصوص، يمرر منها ما يشاء، ويرد ما يشاء، بحسب ظنونه وأوهامه التافهة.

إن النص -بعد فهمه على منهج الأنبياء والصحابة- ليس لأحدٍ خيارٌ فيه إلا التسليم.

لقد فهم إسماعيل مبررات أبيه للقيام بهذا الأمر الجلل ﴿ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ سأذبحك يا بني لأن الله أمر بذلك، ليس هناك مذكرة تفصيلية، ولا فذلكة قضائية، ولم يطالب إسماعيل أباه بشيء آخر!

لقد انتهى كل شيء! فحين يأمر الله، يموت شيطان الاعتراض في قلب المؤمن، ويتخلى عن كل وساوس المشاغبة والتشكيك: ﴿ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾! كل قضيةٍ أخرى تقبل النقاش والمراجعة إلا ما تؤمر به من الله، أما أي شيءٍ آخر فلا بأس بالحوار والبحث والسؤال.

اللهم ارزقنا الانقياد لشرعك، والتسليم لأمرك ونهيك.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

_______________

كتبه: د. عبد الله بن بلقاسم

(من المجموعة الثانية لكتاب "ثلاثون مجلسًا في التدبر")

اظهار التعليقات