من صور التضرع النبوي (دعاء زكريا عليه السلام بالولد)
مدير الموقع
QR code
24/11/2016       5132 مشاهدة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن سورة مريم هي سورة رحمة الله بعباده وأنبيائه، فقد تكررت فيها مفردة (الرحمة) عشرين مرة، ولذا افتتحت السورة بقصة زكريا وابنه يحيى، وكان تقديمها لبيان ما يتجلى فيها من مشاهد عظيمة للرحمة بأولياء الله وأنبيائه.

فكان مطلعها: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، فأضيفت الرحمة للرب لأنه المنعم المتصرف: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، وفي قوله {عَبْدَهُ} إشارةٌ إلى أنها رحمةٌ خاصةٌ بعباده تقتضي الإجابة والإسعاد في الدارين، وتفيد أن التعبد لله من أعظم أسباب الرحمة والإجابة، كما أن في ذكر رحمته بأوليائه عونًا على محبته وذكره ومعرفته.

ثم يبين السياق القرآني صورة التضرع النبوي لزكريا في قوله: ﴿إِذ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ فالنداء استكانة في الدعاء لاسيما إذا كان الدعاء خفيًا، كما قال تعالى: ﴿ادعوا رَبَّكُم تَضَرُّعًا وَخُفيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُعتَدينَ﴾، وهكذا فَعَلَ زكريا، وذلك أعظم إيمانًا وإخلاصًا وتضرعًا.

ويستمر السياق مجليًا تضرع نبي الله وانكساره بين يدي مولاه: ﴿قالَ رَبِّ إِنّي وَهَنَ العَظمُ مِنّي وَاشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا وَلَم أَكُن بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، فجمع بين ضعفه وافتقاره وبين حسن ظنه ويقينه بربه، ثم يكشف عن باعثٍ عظيمٍ لدعائه بالولد وهو قوله: ﴿وَإِنّي خِفتُ المَوالِيَ مِن وَرائي﴾، فقد خاف أن يتولى من بعده من لا يدعو الناس إلى عبادة الله، فقد كان الدين مسيطرًا على همه، فلم يسأل الولد ليشبع رغبة الأبوة، أو يستعين به على نوائب الدهر، وإلا لم يكن بعد تقدم عمره واشتعال الشيب في رأسه، وهذا يؤكد صدق ضراعته وصلاح مقصده.

ثم بعد هذه المقدمة المتضمنة كمال الادب والافتقار، والإخلاص وحسن الظن والثناء، يأتي الطلب الذي يدل على علو همته، وشريف قصده، وحسن اختياره: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا}، فهو تعلقٌ بالكرم الإلهي، وتأكيدٌ على الاختصاص بالموهوب من الواهب لتكون هِبةً إلهية معجزة متميزة من مصدرها، مُؤكَّدَةً بتميز نوعها، ولذا طلب أن يكون الموهوب {وَلِيًّا}؛ ولاية الدين وميراث النبوة، ولذا قال: ﴿يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعقوبَ﴾، فالأنبياء لا يورثون، وإنما يُورث علمهم ودينهم، وهو لم يخلف مالًا.. كما أن آل يعقوب قد انقطعوا من زمن بعيد.

ثم يزيد زكريا طمعًا في فضل ربه، بأن يكون الموهوب صالحًا فيقول: ﴿وَاجعَلهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾؛ أي مرضيًا عندك وعند خلقك.

وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، فاستجاب الله دعوته فقال: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾، فما أجمل إجابة الله لضراعة عبده حينما يناديه في الملأ الأعلى باسمه، ويقول نبشرك بغلام، بل ويسميه بنفسه سبحانه!

إنها رحمة عظيمة تعجَّب منها زكريا فقال: ﴿أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ وَكانَتِ امرَأَتي عاقِرًا وَقَد بَلَغتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾؛ مع وجود المانع لديه وزوجته! فأُجيب: ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: يسير ﴿ وَقَد خَلَقتُكَ مِن قَبلُ وَلَم تَكُ شَيئًا﴾ فخَلْقُكَ من عدم أعظم، فسبحان الله القدير، المستحق للعبادة والضراعة.

فيا أيها المؤمن.. ما الذي يحول بينك وبين أن تنطرح بين يديه وتقبل عليه، وتسأله من واسع رحمته وسابغ فضله؟ فهو قريب من عباده ﴿ وَادعوهُ خَوفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحمَتَ اللَّـهِ قَريبٌ مِنَ المُحسِنينَ﴾.

اللهم ارزقنا صدق الضراعة بين يديك، ولا تحرمنا لذة مناجاتك بذنوبنا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

___________________________

كتبه: د. عبد الله بن منصور الغفيلي.

 

(من المجموعة الثانية من كتاب "ثلاثون مجلسًا في التدبر")

اظهار التعليقات
محمد المرحبي
27/03/2017
  بارك الله فيكم ونفع بعلمكم شيخنا الفاضل
الحسينى انور
27/11/2016
  جزاك الله خيرا لطائف ودروس طيبة لمن أراد أن يتدبر