{وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى}
مدير الموقع
QR code
21/11/2016       687 مشاهدة

من أهم أغراض القرآن هو (تعريف العباد بربهم).. ولهذا افتُتِح الكتاب بأم القرآن التي جاءت مفتتحة هي بدورها بالتعريف بالله وأسمائه.. 

وهو موضوع أعظم آية في القرآن (آية الكرسي).. ومن هنا كان شرف العقيدة لتعلقها بالله..

وأعظم العلم هو العلم بالله، فإنه بقدر معرفة العبد لربه تكون عبادته له، ولهذا كان ثلث القرآن في التعريف بالله، فمن أوجه الرحمة في القرآن تعريفُه للمؤمنين بربهم فيعبدونه حُبًّا وخوفًا، ويدعونه رَغَبًا ورَهَبًا، وبقدر الانحراف عن منهج القرآن في تقرير العقيدة الصافية تجد البؤس والشقاء، وهذه اعترافات المتكلمين وأذكيائهم مسطرة في كتب العقائد.

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ﴾، وهكذا كانت العقيدة أولى مقاصد القرآن؛ نجدها في أول آية أُنزلت وفي آخر آية أُنزلت، فأي انتكاسة لمنهج القرآن تلك الدعوات التي تنادي بعدم تدريس العقيدة للناس، فهل الناس في زماننا أعلم من الصحابة رضوان الله عليهم؟!

وعندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن مؤسِّسًا بذلك ما نستطيع تسميته بأكاديمية إعداد الدعاة؛ جعل العقيدة في رأس الهرم سيرًا على خطى إخوانه من أنبياء الله ﴿وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّـهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ﴾.

ومن الآيات في هذا الصدد قوله تبارك وتعالى عن نفسه الكريمة: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ مثبتًا لنفسه وهو أعلم بها من غيره صفةَ العلم على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، وأثبتها له نبيه صلى الله عليه وسلم كما في دعاء الاستخارة: ((وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب)).

يقول تبارك وتعالى عن نفسه في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، ردَّ الله تبارك وتعالى علم المهتدين من غيرهم إليه وحده تبارك تعالى، فعلام تضيع الأوقات وتهدر في تصنيف الناس؟! إن فيها لردعًا لأولئك الذين امتحنوا الناس بالتصنيف، وكأنهم لهم ضمان من الله بأنهم هم المهتدون.

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، وإن كان هذا المهتدي مُفِرًّا إلى كهف يكتم إيمانه، أو منقطعًا في بيداء من الأرض يرعى الغنم فرارًا بدينه، يعلمهم الله أينما كانوا لا يخفى عليه دعواتهم وصلاحهم وتبتلهم ولا يضيعها عليهم، فلا تبال بالناس إن بخسوك لصلاحك فرُبَّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره، لا تبتئس إن لم يعرفك أهل الأرض بصلاحك وتقواك فحسبك أن الله يعلم بك، ولا تحزن إن لم يقبلوا شفاعتك أو لم يُنكحوك.

من تدبر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ أورثه تواضعًا للناس؛ يعدُّ خادمه أهدى منه، بل يرى دابته التي يركبها أطوع لله منه كما في مسند الإمام أحمد: ((فرُبَّ مركوبةٍ خيرٌ من راكبها وأكثر ذكرًا لله منه))([1])، وحاله كما يقول الشاطبي:

يعد جميع الناس مولى لأنهم *** على ما قضاه الله يُـجرون أفعُلا

يرى نفسه بالذم أولى لأنها *** على المجد لم تعلق من الصبر والألا

إن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ تقشع عمن تدبر ظلمات الجهل فلا يحصر الهداية في حدوده الإقليمية الضيقة ولا في زمنه المحدود، ولايركن لتقديم الناس له في دعوة وتعليم فالله وحده هو أعلم بمن اهتدى.

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، فاطلب منه وحده الهداية كما علمنا ربنا في دعاء الفاتحة أم الكتاب: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، وعلمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت: ((واهدني فيمن هديت))([2]).

_________

كتبته: فاطمة بنت محمد الشاشي

_____________________

([1]) الإمام أحمد ح(15629)

([2]) أبو داود ح (1425)، الترمذي ح(464)، النسائي ح(1745)، ابن ماجه (1178)

اظهار التعليقات