﴿ وَمَن أَرادَ الآخِرَةَ ﴾
مدير الموقع
QR code
13/11/2016       736 مشاهدة

جعل الله للكون نواميس يعبر عنها القرآن بـ (سنة الله) ومن هذه السنن الإلهية؛ هذه السنن المودعة في هذه الآية.

و(مَن) في هذه الآية شرطية تفيد العموم، وهكذا السنن الإلهية لا تحابي أحدًا، هي سنة مطردة في كل الخلق؛ عجمهم وعربهم، وأحمرهم وأسودهم، والناس في ميزان الإسلام كأسنان المشط، و﴿ إِنَّ اللَّـهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ ﴾.

﴿ أَرادَ الآخِرَةَ ﴾، ليس تمنى، ولكنها إرادة، وهي راسخة، عبر عنها بالفعل الماضي لأجل هذه العلة، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّـهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّـهِ قِيلًا ﴿١٢٢﴾ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾، ومنشأ كل مشروع عظيم هو الإرادة الراسخة، ما نسميه بـ الإصرار، وورد في النصوص أيضا بالعزيمة، وفي الدعاء الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم شداد بن أوس رضي الله عنه (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر و العزيمة على الرشد)، وبالعزيمة تنقلب الأمنيات واقعًا وجسدًا وإنجازًا، وغيابها هو سبب تعثر المشاريع العلمية والدعوية؛ الفردية والمؤسسية؛ تجدهم يبدؤون ثم يتعثرون ولايعرفون أنهم أتوا من قِبَل غياب العزيمة، ولو تأملنا لماذا قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الثبات والعزيمة لعلمنا أن العزيمة هي سبيل الثبات على الملة وديمومة المشاريع العلمية والدعوية.

إنها تثمر: ﴿ وَسَعى لَها سَعيَها ﴾، هنا المحك، وهنا البناء للمسلم وكشف للحقائق الكونية والشرعية، فالفلاح منوط بالعمل، عبَّر عنه القرآن بالسعي، هل تعرفون معنى السعي؟ هو المشي دون العَدْو، فهل يليق بمسلم يدعوه ربه في قرآنه بالسعي أن يتتبع الرخص في دينه؟ هل يستقيم السعي مع التراخي في العزائم فضلًا عن اللهو؟ كم أُتيت الأمة من قِبَل تضييعها لفهم هذه الآية، فلم تُربَّى عليه الأجيال، بل هل نحن حقيقة في مشاريعنا العلمية والدعوية نسعى أم نعرج؟ الترفية ليس محرمًا ولكن الآخرة تريد سعيًا لا مشيًا أعرجًا: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾.

﴿ وَسَعى لَها سَعيَها ﴾ لقد بات مقلقًا غياب الجدية في بعض المحاضن العلمية والدعوية باسم التيسير الموهوم! عجبًا أين هم من تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه؟ ومتى كان التيسير يعني التفلت والعرج؟ وتارة يكون العرج في بعض مشاريعنا العلمية والدعوية باسم التطوير فيتم تقليص المناهج العلمية الرصينة التي وضعها جهابذة العلماء باسم التطوير والجودة، وقل مثلها في المؤسسات الدعوية فلم نبلغ تطويرًا ولا جودة ولا تيسيرا!

نحن في أمور دنيانا لا نرضى بالعرج؛ بيوتنا كامل المواصفات حتى في أدق تفاصيل الديكور، وملابسنا آخر ماتنتجه الماركات العالمية، بل حتى قراطيسنا في العلم نريدها من أغلى المكتبات، فلماذا عندما نأتي للآخرة نسير عرجا؟ 

في سورة الجمعة التي يسن قراءتها كل جمعة يذكرنا القرآن فيقول: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾، فما بالنا لا نذر ترفيهًا حين يقوم داعي الدعوة؟ ولا نذر نومًا حين ينادي منادي العلم؟ ما بال بعض طلاب العلم فضلًا عن غيرهم يتخلفون عن موعد الدرس؟! يتأخرون في تسليم أعمالهم العلمية ويتأخرون عن الصلاة؟ وإذا كان هذا حال طلاب العلم فمابالك بعموم الأمة؟ 

﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾، هنا وقود السعي الحثيث للآخرة: (الإيمان)، فإذا فترت في سعيك للآخرة فتفقد إيمانك وابحث عما يزيد إيمانك وصاحبْ مَن يزيدون إيمانك، ولاتهجر القرآن فهو أعظم أسباب زيادة الإيمان: ﴿ وَإِذا تُلِيَت عَلَيهِم آياتُهُ زادَتهُم إيمانًا ﴾.

﴿ فَأُولـئِكَ كانَ سَعيُهُم مَشكورًا ﴾، وأعظِم بسعي يشكره الرب تبارك وتعالى، ولا تظنن بأنك وحدك الذي تسعى، فكما أن الآخرة لا تنال إلا بسعي؛ كذا أهل الدنيا يكدحون ويسعون، لكن ﴿ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾.

________________

الكاتبة: فاطمة بنت محمد الشاشي

اظهار التعليقات