{ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ }
مدير الموقع
QR code
09/11/2016       791 مشاهدة

ليس أجمل من الحديث عن القرآن إلا حديث القرآن عن نفسه وتأثيره على القلوب الحية التي أنزل ليكون لها هدى وشفاء ورحمة..

لقد تحدث القرآن عن أثره على المخلوقات ليكون لنا مقياسًا لمدى حياة قلوبنا من قسوتها من موتها؛ حدثنا عن أثره على الجبال فقال: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ﴾، كما حدثنا عن تأثيره على قلوب المؤمنين ﴿ اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿ إِنَّمَا المُؤمِنونَ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَت قُلوبُهُم وَإِذا تُلِيَت عَلَيهِم آياتُهُ زادَتهُم إيمانًا ﴾، كما تحدث عن أثره على علماء أهل الكتاب: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾، ﴿ إِنَّ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ إِذا يُتلى عَلَيهِم يَخِرّونَ لِلأَذقانِ سُجَّدًا ﴿١٠٧﴾وَيَقولونَ سُبحانَ رَبِّنا إِن كانَ وَعدُ رَبِّنا لَمَفعولًا ﴿١٠٨﴾وَيَخِرّونَ لِلأَذقانِ يَبكونَ وَيَزيدُهُم خُشوعًا ﴾، هذه هي القلوب الصالحة لتلقي هدايات القرآن، فكان ثمرة هذا التدبر أن قادهم للإيمان: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾.

ويبين القرآن أن لهذا التدبر أسبابًا حصَّلها أولئك: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾، هكذا يوجز لنا القرآن الطريق الأمثل لتدبره: العلم والعبادة والتواضع، ومن فقد منها شيئًا حِيلَ بينه وبين التدبر بقدر ما فقد منها.

وحتى يتضح لك الأمر فعليك أن تقارن حال هؤلاء بحال اليهود مع كتاب الله: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴾، وجريا على عادة القرآن في العدل والإنصاف فهذا الحكم هو لأغلب اليهود لا كلهم، وكلتا الأمتين (اليهودية والنصرانية) أهل كتاب، وإنما حِيلَ بين اليهود وتدبر الكتاب بسبب استكبارهم: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾.

﴿ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾، ولم تكن العيون لتفيض دمعًا لولا أن الأذن تسمع سماع هدي: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ﴾، شتان بين هذا السماع وسماع من ﴿ وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها ﴾، فيا من يروم تدبر القرآن أقبل عليه بكلك.. بقلبك.. فلَيِّنْهُ ورققه بالعلم والعبادة، وعالجه من أمراضه لاسيما الكِبر، ثم اسمعه بأذنك سماعًا يورثك انتفاعًا به؛ سماعًا تفيض منه العين دمعًا، سماعًا يوصلك لرحمة الله: ﴿ وَإِذا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ ﴾.

وفي الآية إضاءات أخرى منها فقه التعامل مع الأعداء، فهم ليسوا على درجة واحدة، فعلينا أن نستثمر هذا الفقه في دعوتهم فنكثف دعوة الأقربين منهم لنا، كماهي أساس في علائق الدولة الإسلامية بغيرها من دول الأرض.

وفيها خُلُقٌ يربي عليه القرآن أهلَه وهو العدل والإنصاف مع المخالف.

كما تومئ الآية إلى أهمية صلاح أهل الدين والعبادة وأن تأثيرهم في الأمة يعم، فلم يكن كل النصارى قسيسين ورهبان ولكنهم بعضٌ منهم، فكانوا سببًا في رفع العذاب عنهم إلى حين بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. 

________________

الكاتبة: فاطمة بنت محمد الشاشي

اظهار التعليقات