{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ }
مدير الموقع
QR code
09/11/2016       960 مشاهدة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:

فيقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

وردت الآيات السابقة لهذه الآية في حالِ مَنْ انهزموا يوم أُحُدٍ، وتضمنت تلك الآيات الكريمة استحقاقهم للوم والعتاب حيث تولوا منهزمين وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه العدو، ولو جرى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يستحقون لقابلهم بالعتاب والتوبيخ، ولكنه لاقاهم برفق ولم يواجههم باللوم، وذلك معنى قوله تعالى:  ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

والفظاظة: الخشونة.

وغِلَظُ القلب: قسوته.

والانفضاض: الانصراف.

والمعنى: لو كنت خشنًا في قولك أو فعلك، قاسي القلب، لانصرفوا من مجلسك، ولا ما استضاؤوا بنور هديك، وكأن الآية تقول: هو ليّن في قوله وفعله، ولينه هذا لم يصدر عن أمرٍ عارض من نحو رغبةٍ أو رهبة، بل كان عن طبيعةٍ كريمة النفس.

فلِيعتبر في هذه الآية من يتولى أمرًا يستدعي أن يكون بجانبه أصحابٌ يظاهرونه عليه، حتى يعلم يقينًا أن قوةَ الذكاء وغزارة العلم وسعة الحياة وعظم الثروة، لا تكسبه أنصارًا مخلصين، ولا تجمع عليه من فضلاء الناس من يثق بصحبتهم إلا أن يكون صاحب خلقٍ كريم من اللين والصفحِ والاحتمال.

ثم قال سبحانه: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ والعفو: عدم المؤاخذة على الإساءة مع القدرة على المؤاخذةِ عليها، فأُمر صلى الله عليه وسلم بالعفو، وإنما كان يعفو عما يختص به من الحقوق، كأن يؤذيه شخضٌ في مال، أو يسيء إليه بكلمة جافية لا تبلغ حد الكفر، وأما الإساءة فيما هو حقٌ لله، كترك صلاةٍ أو صيامٍ أو شرب خمر، فلا يملك العفو عنه إلا الله.

﴿  وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾؛ أي: اطلب لهم من الله المغفرة للذنوب المتعلقة بحقوقه سبحانه وتعالى، وأما الجنايات المتعلقة بحقوق العباد فأمرُ العفوِ عنها متعلق بالمجني عليهم.

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ ؛ أي: راجعهم في الأمر لترى رأيهم فيه، والمراد من الأمر: ما يعرض من أمور الدنيا من نحو تدبير الحروب، وأما أمور الدين فقد أغناه الله عن الشورى فيها بما ينزل عليه من الوحي، أو بالاجتهاد الذي ينظر فيه بنور الله.

وهذه الآية قررت أصلًا عظيمًا من أصول السياسة الرشيدة، وهو أن لا يستبد ولي الأمر في تصريف الأمور دون أن يأخذ رأي أولي العلم، وقد قررت هذا الأصل بأبلغ وجه، إذ وجهت الأمر فيه إلى أكبر الناس عقلًا، وأعرفهم بطرق المصالح، وأقلهم حاجة إلى الاستعانة برأي غيره، وهو أكمل الخليقة صلوات الله وسلامه عليه، فليس لأحد بعد هذا أن يتخيل أنه في غنى عن المشاورة بما أوتيه من كمال العقل، وسداد الرأي.

وفي الشورى فوائد؛ منها:

- استبانة الرأي الحق من بين آراء متعددة.

- وفيها تطييب خواطر من يهمهم أن يُدَبَّرَ الأمرُ على بصيرة.

- وفيها تأليف قلوبهم بما في مراجعة ولي الأمر لهم من التنبيه على رفعة أقدارهم في نظره.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾.

والآية ظاهرة في أن التوكل يكون عند تعاطي الأسباب، فقد أمرت بالتوكل عند العزم على العمل، فهنالك عزمٌ وعمل يقارنهما التوكل، وفي هذا ردٌّ على أن التوكل نفضُ اليدِ من الأسباب جملةً.

رزقنا الله وإياكم التأدب بهدي كتابه، ووفقنا لأرشد أمرنا، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

_________________________________

(مختصر من مقالة للشيخ العالم محمد الخضر حسين رحمه الله في مجلة الهداية الإسلامية الجزء الثالث من المجلد الحادي عشر)

إشراف: اللجنة العلمية في مركز تدبر

اظهار التعليقات