{كلا إن الإنسان ليطغى}
مدير الموقع
QR code
18/10/2016       5943 مشاهدة

هذا خبر من العليم الخبير، فيه بيان لحقيقة هذا الإنسان، الذي خلقه الله من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، فمع ما أنعم الله به عليه من النعم التي من أجلّها ما ذُكر من نعمة الخلق والتعليم، إلا أنه يقابل هذه النعم بالكفر والجحود، ويتجاوز حدّه فيطغى ويتكبر ويعاند ويتمرد، خاصة عندما يرى نفسه مستغنيا غير محتاج لأحد.

إن القارئ المتدبر لهذا الخبر المؤكد يتعامل مع ما دلت عليه هذه الآية من جهتين:

الأولى: قلبية: بأن يصدّق بما أخبره الله به تصديقًا جازمًا يزداد به إيمانه ويقوى به يقينه، وهذا هو المنهج التدبري الذي ينبغي التعامل به مع كل ما أخبر الله سبحانه وتعالى به في كتابه: أن يقابله بالتصديق الجازم، ومن سلك هذا المسلك، واستحضره بقلبه عند كل خبر من أخبار الله تعالى فإنه ينال نصيبًا وافرًا من منزلة «الصدِّيقيَّة»، فلا يزال يصدّق ويصدّق حتى يكتب عند الله صديقًا، ويا لها من منزلة رفيعة شريفة!

الجهة الثانية: سلوكية عملية، وذلك بأن يحذر من الطغيان الذي ذم الله به الإنسان، ويتجنب أسبابه، ويجتهد في القيام بما يقضي على هذا المرض الخطير إن وجدت علاماته وأعراضه.

والمتدبر لهذا الخبر في سياقه الذي ورد فيه سيجد أن أسباب هذا الطغيان ترجع إلى أصل واحد: وهو شعور الإنسان بالاستغناء، وهذا ما صرحت به الآية الكريمة التي تلت هذا الخبر مباشرة: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق: ٦، ٧).

والاستغناء: هو شدة الغنى، وهو الحال الذي يرى فيه الإنسان نفسه غير محتاج لأحد، وهي حالة نفسية خطيرة، تؤدي إلى التكبر والتساهل في ظلم الآخرين والاستخفاف بهم والتعدي على حقوقهم.

وجميل ومهم ما أورده العلامة القاسمي في تفسيره تعليقًا على هذه الآية، حيث قال ما مختصره: «دلت الآية على قاعدة عظيمة في باب التموّل المحمود، قررها الحكماء المصلحون، وهي أن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير. قالوا: لأن إفراط الثروة مهلكة للأخلاق الحميدة في الإنسان، كما نطقت به الآية الكريمة.

قال بعض الحكماء: التمَوُّل لأجل الحاجات محمود بثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون إحراز المال بوجه مشروع حلال.

والشرط الثاني: أن لا يكون في التمَوُّل تضييق على حاجات الغير، كاحتكار الضروريات، أو مزاحمة الصُناع والعمال الضعفاء، أو التغلب على المباحات.

الشرط الثالث: هو أن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير، وإلا فسدت الأخلاق؛ ولذلك حرمت الشرائع السماوية كلها والحكمة السياسية والأخلاقية والعمرانية أكلَ الربا، وذلك لقصد حفظ التساوي والتقارب بين الناس في القوة المالية لأن الربا كسب بدون مقابل مادي، ففيه معنى الغصب، وبدون عمل؛ ففيه الألفة على البطالة المفسدة للأخلاق، وبدون تعرض لخسائر طبيعية كالتجارة والزراعة والأملاك، دع أن بالربا تربو الثروات فيختل التساوي بين الناس» انتهى.

 وأما الأمور التي يحصل بها علاج هذا المرض فيمكن حصرها في ثلاثة دلت عليها آيات سورة العلق:

الأول: الإيمان بالآخرة وتذكر الرجوع إلى الله، وهذا ما أفاده ودلّ عليه قول الله تعالى ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق: 8)، فكلما قوي الإيمان بالآخرة، وزاد اليقين بالرجوع إلى الله؛ قلّ الطغيان واضمحل.

الثاني: العلم الجازم برؤية الله لعبده وقدرته عليه، فالله يرى هذا الإنسان، وهو قادر على إهلاكه وأخذه. وهذا ما أشارت إليه الآيات الكريمة في نفس السياق، حيث قال الله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّـهَ يَرَى ﴿١٤ كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴿١٥ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴿١٦ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿١٧ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (العلق:١٤ - ١٨).

الثالث: العلم النافع الذي يثمر الذل والخضوع لله تعالى، وهذا مستنبط من الآيات التي افتتحت بها سورة العلق، والآية التي اختتمت بها، ففي مطلع هذه السورة قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١ - ٥)، وفي آخرها قال سبحانه: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ (العلق: ١٩)، والسجود لله والاقتراب منه لا يجتمعان مع الطغيان أبدا.

_________________________________

كتبه: د. محمد بن عبد الله بن جابر القحطاني

(من المجموعة الثالثة من كتاب "ثلاثون مجلسًا في التدبر")

اظهار التعليقات